إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الاختلاط و"الجامعة الإسلامية"

الاختلاط والسفور بين أصول الإسلام وفروعه


نواصل حديثنا في هذا الباب ايضا عن الاختلاط والسفور.. ونوّد أن نضيف الآن، أن خروج المرأة الكائن اليوم، قد وقع كنتيجة طبيعية لتطوّر الحياة عامة، وتطوّر حياة المرأة خاصة.. وليس من الممكن، كما أنه ليس من مطلوب الحكمة، أن نعيد المرأة الى ما كانت عليه من التخلّف قبل مئات السنين.. ولكن من الممكن، ومن الحكمة، أن نسعى في تهذيب، وضبط، الاختلاط بالتربية الاسلامية، أولا، وبالقانون الدستوري (الاسلامي) ثانيا..

ونقرّر الآن، في وضوح تام، وفي غير مواربة، أو التواء، أن ظاهرة الاختلاط في السودان، وفي غيره من المجتمعات، ظاهرة صحة، مهما قيل عن عيوبها الطارئة.. ذلك أن الأصل في الحياة المجتمع المختلط رجاله بنسائه، وليس المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه.. وجاء الاسلام، في مستوى أصوله، ليقرر هذه الحقيقة.. فيقيم المجتمع المختلط بين الرجال والنساء.. ثم هو مجتمع سليم من عيوب السلوك التي ايفت بها المجتمعات المختلطة الخاضرة، وذلك، بفضل الله، ثم بفضل التنظيم الاسلامي الرشيد، الذي يوّفق بين حاجة الجماعة الى العدالة، وحاجة الفرد الى الحرية، ثم هو يفضي، بعد ذلك، بالأفراد الى تحقيق كمالاتهم الفردية، بوسيلة المنهاج النبوي في العبادة وفي المعاملة.. قال تعالى: ((قل ان كنتم تحبون الله، فاتبعوني، يحببكم الله)) هذا هو السبيل، وهو سبيل مؤمّن، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. وعن هذا المستوى من السلوك يحدثنا الاستاذ محمود محمد طه في كتابه "الرسالة الثانية من الاسلام" وتحت عنوان "الحجاب ليس أصلا في الإسلام" فيقول: ((والأصل في الإسلام السفور.. لأن مراد الإسلام العفة.. وهو يريدها عفة تقوم في صدور النساء والرجال، لا عفة مضروبة بالباب المقفول، والثوب المسدول. ولكن ليس إلى هذه العفة الغالية من سبيل إلا عن طريق التربية والتقويم. وهـذه تحتاج إلى فترة انتقال لا تتحقق أثناءها العفة إلا عن طريق الحجاب وكذلك شرع الحجاب)) ثم يواصل حديثه عن حكمة الحجاب فيقول: ((اقرأ في حكمة الحجاب قوله تعالى ((واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت، حتى يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن سبيلا.)) إذا توفرت الأدلة على اعوجاج سلوكها بما لا يرقى إلى الحد تصادر حريتها بحرمانها من حقها في حرية السفور، وتحبس في المنزل ((حتى يتوفاهن الموت)) إن لم يبد من إحداهن أنها قد انتفعت بالعقوبة، وأنها استقامت، مما يجعلها مرجوة لحسن التصرف في السفور.

فالحجاب عقوبة حكيمة على سوء التصرف في حرية السفور. هـذا في الأصل الإسلامي. ولكنه، في التشريع الحاضر، يمثل مصادرة مستمرة لحرية السفور، لأن الشارع أراد به إلى سد الذريعة، حماية للقصر من مسئولية باهظة، وثقيلة، لا ينهض بها المؤمنون، وإنما ينهض بها المسلمون، وما لهؤلاء شرًع)) ثم نضيف الى ما جاء في كتاب "الرسالة الثانية من الاسلام" ما ورد عن السفور والاختلاط في كتابنا "قل هذه سبيلى" الذي يقول فيه الاستاذ محمود محمد طه: ((ليس السفور غاية في ذاته، وانما الغاية الحرية، وهي حق طبيعي مقدس للرجال والنساء على السواء.. وللحرية ثمن وهو حسن التصرف فيها، وتحمل المسئولية عنها، ولن تشب الانسانية من الطفولة الحاضرة الى الرجولة المرتقبة، الا بتحمل تبعات حرية التصرف.. وللمرأة السافرة الحسنة التصرف في الحرية الواسعة التي لديها، أفضل وأكمل من المرأة المحجبة، الحسنة التصرف في الحرية الضيقة التي لديها.. فينبغي ان يعين الرجال، ازواجا، وآباء وأخوانا، النساء على اكتساب أكبر قسط ممكن من الحرية، على ان يحسنّ التصرف الفردي والجماعي في تلك الحرية المكتسبة.. ولكن اين الغيرة، وهل يجب ان تزول؟؟ كلا!! ان الغيرة ما ينبغى ان تزول، فانه ما من امة نزعت الغيرة من صدور رجالها الا نزعت الصيانة من حجور نسائها، ولكن يجب الا يكون مصدر الغيرة الخوف، وسوء الظن، والحرص على استغلال المرأة باعتبارها ملكا خاصا بالرجل، وانما يكون مصدر الغيرة لدى الرجل، حرصه العام على مكارم الاخلاق بالعفة والصون، لدى جميع النساء، حيث وجدن، وهو يجب ان يحمل زوجه على العفة، لا بالزجر، والسدود، والقيود، وانما بان يعفّ هو بسيرته وسريرته، فان المعصوم يقول: "عفّوا تعف نساؤكم".. وان اصدق القائلين يقول: "والطيبات للطيبين".. فليكن الرجل طيبا تكن المرأة طيبة، وهذه هي الغيرة الكريمة..)) هذا في اجمال متابعة لما كان من رأينا حول قضية الاختلاط والحجاب، والذي نحب لأساتذة "الجامعة الإسلامية" وطلابها ان يتبينوه، وأن يعطوه من افكارهم ما يستحقه من العناية والاهتمام..