إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الاختلاط و"الجامعة الإسلامية"

خاتمة


اما بعد، فان الاختلاط، بصوره الراهنة، مشوب بكثير من المثالب والعيوب.. ومع هذا فان الاختلاط ليس رجسا من عمل الشيطان، كما يتوهم الذين لا يعقلون، وانما هو ارادة الله التي حفزت الحياة في شتى صورها، وفي جميع مدارجها.. في ارتفاعها، وفي انخفاضها.. وفي كلتا الحالتين فان الحياة سائرة الى كنف الله الرحيم.. ومعلوم ان الله اراد امورا لم يرضها، وعلى الناس ان ينموا ما يرضي الله من جملة ما اراد الله.. وهذه تعني تنمية جانب الخير من الإرادة، وهزم جانب الشر منها..
اذن المطلوب اليوم هو تنقية الاختلاط مما علق به من أوضار التبّذل، ومن اسباب الانحلال، ومن آفات السلوك.. وهذا ليس بالأمر اليسير، ولا هو بالذي يجئ بالتطور العفوي.. ذلك بأن الأمور إذا تركت لتمضي على هينتها بهذه الصور التي نشاهدها فان العواقب قد نكون وخيمة.. ولذلك فانه لابد من عمل سريع، ومنظّم، بمضاء وحزم، ثم هو عمل يجب أن يكون قائما على بصيرة الدين الواضحة.. فانه لم يبق وقت لينفق في مثل هذه المحاولات القواصر التي جعلتنا وكأننا ندور في حلقة مفرغة..
وعليه فانه من رأينا أن يكون حل هذه المشكلة على مرحلتين.. حل عاجل، وحل آجل..

الحل العاجل


ان الاختلاط هو من ارادة الله كما ذكرنا وهو يمارس اليوم في جميع مناشط الحياة.. في المركبات العامة، وفي الأسواق، وفي المكاتب وفي الشوارع.. ولذلك فانه يتحتم على ادارة الجامعة الإسلامية ان ترى الحكمة في ارادة الله، وان تواجهها في معنى ما تواجه الواقع المعاش.. بل انها هي لا تملك من ذلك فكاكا.. فلم يبق الا ان تعترف ادارة الجامعة بالاختلاط.. ولكن هذا الاعتراف يلقي على ادارة الجامعة في المرحلة عبء ترشيد هذا الاختلاط بصورة تحفظ للطالبات كل ما يمكن من كرامة، وكل ما يمكن من حقوق..
ان الجامعة الإسلامية يجب ان تفتح غدا.. ويجب ان تفتح مختلطة.. وما ينبغي ان يكون في هذا أدنى تردد.. ولكنه يتحتم على أساتذتها ان ينهضوا بمسئوليتهم في توجيه الاختلاط.. وهذا انما يكون بالنموذج الصالح، والارشاد الحازم، والعطف الحكيم.. كما انه يتحتم على الطلبة والطالبات أن يعلموا ان الاختلاط مسئولية تمارس بحقها، وحقها حسن التصرف فيها.. هذا هو الحل المرحلي اما الحل النهائي فهو الحل الآجل..

الحل الآجل


اننا نرى انه لا يمكن ان يصلح لنا حال بغير بعث الاسلام.. بعثا قويا صادقا ينفذ الى اصوله المكنونة.. وبذلك تعود "لا إله الاّ الله" سمحة، فتية، تفعل الخوارق في القلوب، وفي العقول.. وليس عندنا من سبيل لهذا التغيير الجذري الاّ سبيل الثورة الفكرية العارمة التي تحرق نارها الفساد، ويهدي نورها خطوات الصلاح.. والدعوة الى بعث اصول الاسلام قد انفقنا فيه حياتنا فهي الآن مرصودة ومبوّبة ومعاشه.. فعلى طلبة الجامعة الإسلامية ان يتبينوا هذه الدعوة الصادقة.. فيبدأوا بانفسهم بالاقبال على نهج نبيهم الكريم، فان العبادة الذكية تنجب الرجل العفيف، وتنجب المرأة العفيفة.. وعلى الرجل العفيف، وبالمرأة العفيفة، يقوم مجتمع الاختلاط، ولكنه مجتمع مبرأ من عيوب الاختلاط..

ان التوسع في إنجاب الأفراد الصالحين، رجالا ونساء، هو سبيلنا لقيام المجتمع الصالح ذى المساويات الثلاث.. المساواة الاقتصادية، والمساواة السياسية، والمساواة الاجتماعية.. عندئذ يجئ تشريع الاختلاط كمسألة طبيعية مستمدة من اصول القرآن ومن "الدستور الاسلامي" الذي يساوي بين الرجال والنساء على النحو الذي ورد مفصّلا عنا في عديد كتبنا.. وعلى أشياخ الجامعة الإسلامية ان يعلموا ان الله بالغ امره، وان هذه الدعوة لابدّ منتصرة، فلا يحاولوا عرقلة مسيرتها.. فانه حسب المرء من الشر ان يؤخر دعوة الحق، ولو لحظة واحدة..


الأخوان الجمهوريون
ام درمان في 24/2/1976
ص ب 1151
تلفون 56912