إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الاختلاط و"الجامعة الإسلامية"

تناقضات الشريعة وواقع الحياة


ان أمر الخروج على الشريعة، الذي سلفت الاشارة اليه، في مقدمة هذا الكتاب، أصبح، من فرط التناقض الحاد بين حاجة الناس المتزايدة والمتجددة، وحدود الشريعة، سمة من سمات هذا العصر، الذي تطورت فيه الحياة تطورا ليس له نظير، او شبيه، في تاريخ الحياة على هذا الكوكب مما يعد طفرة هائلة في عمر الانسانية، تستوجب تشريعا جديدا، يستوعب حاجتها الجديدة.. ولما كانت حاجتها الجديدة على النحو الذي وصفنا، فقد أصبح من الضرورة بمكان النظر في تطوير بعض صور الشريعة الحاضرة، لا سيما ما تعلّق منها بالمعاملات، وبهذا وحده نحفظ للاسلام مكانته، وللانسانية أمنها، وحريتها، حيث أنه لا سبيل لتحقيق الأمن والحرية والسلام الا بالإسلام.. كما إنه ليس للاسلام من فرصة ليلعب هذا الدور، الا إذا نظرنا في أمر تطوير تشريعه للقرن السابع، بما يفي بهذا الغرض، وبما يناسب حاجة القرن العشرين.. ويكفي في هذا المقام أن نشير لما ورد في المقدمة في هذا الصدد.

وعليه، فان خروج الناس على بعض صور الشريعة، ولاسيما ما اتصل منها بالمعاملات في هذا الوقت، يجد تبريره في هذه الظروف الجديدة، والتي لم يفلت من قبضتها أحد.. وعليه فان مطالبة الطلبة بالاختلاط ليست بدعا من الأمر، وانما هي مظهر الحياة السائد اليوم، والذي لا يقوى في الرد عليه منطق ادراة "الجامعة الإسلامية"، التي هي نفسها بسبيل من هذه المخالفات، والى ما هو أكبر منها.. وسنحاول فيما يلي إعطاء نماذج لهذه المخالفات التي تتوّرط فيها "الجامعة الإسلامية" والتي لا نبغى من وراء اثارتها أكثر من نشر واشاعة الوعي الديني الصحيح بين أفراد الشعب، لاسيما المسئولين من أبنائه، حتى تتضّح الرؤية فيثبتوا مواضع اقدامهم..

(1) الاختلاط


فرغنا قبل الآن من تقرير حقيقة منع الاختلاط في الشريعة، ولكنا نعود الآن لنتساءل مع ادارة "جامعة أم درمان الاسلامية"، ومع اساتذتها، حتى نتبين من أين كان لهم الحق في الاختلاط الذي مارسوه في حجرات الدراسة، جهارا نهارا مع الطالبات؟! الجواب، أنهم لا يملكون دفاعا عن أنفسهم، الا ما ذهب اليه بعضهم من دعوى الإضطرار للتعليم!! وتلك دعوى باطلة لا تقوم على اساس.. لماذا؟؟ لأن التعليم المسموح به، بين الرجل والمرأة، هو ما لا تصح العبادة الا به، وحتى في هذا الحد، فلا بد أن يكون من وراء حجاب!! أما ما درجوا عليه من تعليم في كليات "جامعة أم درمان الاسلامية" مثل: الدراسات الاسلامية، والدراسات الاجتماعية والآداب، فذلك أمر لا تحتاجه العبادة، ولا تمليه الضرورة، وكما لا يجد القائمون عليه من المسئولين، كما سبقت الاشارة، أدنى الأعذار في اختلاط الرجال بالنساء على هذا النحو، ولمثل هذا العلم الذي لا تعتبره الشريعة على النساء فرض عين، وانما هو نافلة..

كان يمكن الإكتفاء بهذا البيان الشرعي عن أمر الاختلاط، لوضوح الأمر في الشريعة.. ولكن من أجل أن تكون حجتنا هذه مقبولة عند الجميع، وغير قابلة للدفع، نستشهد عليها بما يؤيدها من قوله تعالى: ((وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب، ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن)).. وقوله تعالى ايضا في حق النساء ((وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبّرج الجاهلية الأولى)).. هذا ونضيف هنا زيادة في الايضاح ما سبق أن أوردناه في المقدمة من ((حديث ام سلمة رضي الله عنها، أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وميمونة وفي رواية "عائشة" قالت فبينما نحن عنده اقبل ابن ام مكتوم، فاستأذن عليه، وذلك بعد ان امرنا بالحجاب.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إحتجبا منه، فقلنا يا رسول الله: أليس هو أعمى لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان انتما، ألستما تبصرانه؟؟)) او كما قال.. فهل بعد هذا البيان الوافي حجة لمحتج يبرر بها أمر اختلاطه بالنساء، وهو يزعم الغيرة على الشريعة؟؟ اللهم الاّ أن يكون ممن يدعون لتطوير الشريعة على هدى أصول القرآن، وليس لهذا غير الجمهوريين، أبناء الاستاذ محمود محمد طه، حيث الأمر عندهم حاضر، في الفهم، وفي المؤلفات العديدة، التي أوسعت الأمر شرحا وتبيانا، والتي ينتظرون لها، بفضل الله، ثم بفضل مثابرتهم في حملها، ونشرها، الاستجابة الكاملة التي لا يحدها حد، ولا يعوّقها معوّق، حتى تشرق كل جوانب الأرض بالنور الباهر الذي يملؤها عدلا ورحمة، بعد أن ملئت جورا وظلما.. والله المستعان، وعليه وحده التكلان!!

(2) الخلوة بالأجنبية!


جاء في الأخبار النى نشرها طلبة "جامعة أم درمان الاسلامية" بجريدة الأيام عدد 18 يناير 1976م، وعلى إثر أزمة الاختلاط المتفاقمة بينهم وبين ادارة الجامعة، ما هو أشد خطرا، وأكثر خروجا على الشريعة، من الاختلاط.. ذلكم هو أمر الخلوة بالأجنبية!! فقد جاء في بيان الطلبة المشار اليه أن هناك شعبة من شعب الدراسة الجامعية، ليس فيها الاّ طالبة واحدة.. يدخل عليها المحاضر، ويلقي عليها محاضرته، وليس معهما ثالث!! فما رأي "الجامعة الإسلامية" في هذا؟؟ وهل هي الضرورة أيضا؟! ان كل تبرير تذهب فيه إدارة الجامعة الإسلامية للدفاع عن نفسها في هذا الأمر أيضا، يذهب هباء، لأن منع الخلوة بالأجنبية أمر موّكد في الشريعة أشد التوكيد، وليس هناك فرصة على الإطلاق يمكن أن يذهب فيها مدافع عن "جامعة أم درمان الاسلامية" لتبرير هذا الخطأ الفادح، الكبير!! اذن فلماذا التباكي على الشريعة حينما ينادي الطلبة بالاختلاط؟!

(3) إمرأة عضوة في مجلس جامعة أم درمان الاسلامية


ومن المخالفات الكبيرة ايضا للشريعة الاسلامية، والتي لا يدافع عنها الاّ مكابر أو مغرّض: اختيار إمرأة عضوة مجلس ادارة "جامعة أم درمان الاسلامية" وهو المجلس المسئول عن الرعاية والولاية "للجامعة الاسلامية".. ذلك أن الشريعة الاسلامية، وكما مرّ بنا قبل قليل، لا تسمح باختلاط الرجال بالنساء، أو باختلاط النساء بالرجال، وعليه، كيف جاز للقائمين على أمر هذه الجامعة اختيار او قبول اختيار امرأة لتكون عضوة مختلطة بالرجال أثناء انعقاد مجلس الإدارة؟؟ ثم كيف استقام لهم في الشريعة أن يحكّموا المرأة في مصائر الرجال، أو، على نحو ما يجري عليه عمل المجلس، في الولاية على كل العاملين والطلاب بالجامعة؟! ألم يسمعوا قول المعصوم: ((لا يفلح قوم ولّوا أمرهم إمرأة..))؟؟
ان هذه المخالفات الكبيرة، من فرط ما ألف الناس المفارقات، والخروج على الشريعة، اصبحت تقع في عفوية، ومن غير ان يلتفتوا، أو يشعروا، بأنهم مفارقون، شأنهم في ذلك شأن كل غافل، ذهل عن حدود الشريعة، فتعداها الى مجاراة الحياة من غير فكر أو دين..