بيان المدير
وبيان السيد مدير الجامعة الإسلامية، في هذه المناسبة يحتاج منا الى مراجعة، والى تصحيح لبعض اتجاهاته، حتى لا تضيع الحقيقة بينه وبين ابنائه الطلبة، وهم يتجاذبون أطراف الأمر فيما بينهم.. يضاف ايضا لبيان المدير بيان سبق أن اصدره المشرف على اقسام البنات بالجامعة منذ نحو خمسة أشهر، وهو في تقديرنا من الأسباب التي شجعت على سوء التفاهم، وسوء الظن، القائمين اليوم، واللذين ساقا الى هذا الموقف المتدهور بين الطلبة والإدارة..
ونحن من جانبنا، نود أن نسهم بنصيب متواضع، في مهمة المراجعة هذه، حتى نعين على تدارك الموقف، وتصحيح الأمر، أمام الشعب، حتى لا تلتبس أمام ناظره تناقضات القضية، فيحكم فيها على غير بينة...
ومن أبرز المسائل الهامة التي تحتاج التصحيح والمراجعة، أن بيان السيد المدير لم يواجه القضية المطروحة أمامه، كقضية انسانية وتربوية، تحتاج، أول ما تحتاج، الى الفكرة المقنعة، والمكاشفة الموضوعية.. أكثر من ذلك، أن البيان لم يناقش الحقائق، ولم يعّر أمر توصيل المعلومات الوافية للشعب كبير اهتمام، الى الحد الذي جعل قيمة البيان، من هذه الناحية، قليلة الجدوى، ان لم نقل عديمة الجدوى، إن لم نقل مضللة.. هذا بالاضافة الى أن الخطاب قد عانى كثيرا من آثار رد الفعل، الى أن تجاوز ما يقتضيه المقام من مراعاة الظروف الحساسة التي تحيط بالموقف، والتي تتطلّب دقة وحذرا في اختيار الكلمات المناسبة، حتى لا يفلت زمام المقال، فيقع ما لا تحمد عقباه.. وقد حصل..
ان اتجاه البيان الى اثارة الغبار حول قضية الاختلاط، والخروج بها من مستوى الرأي الى ما دونه بكثير، انما يشكل ظاهرة غريبة على اوساطنا السودانية، وعلى تربيتنا الاسلامية.. ان مدير الجامعة قد كان في سعة من أمره، ان يتمسّك، وان يدافع عما يرى أنه الحق، اما النزوع لهضم الحقائق، والإتجاه بها الى الخدش والتجريح، فأمر منكر عندنا، أشد النكر.. وحرصا منّا على دقة التعبير، ودقة التخريج، سننقل للقارئ نصوصا محدودة من ذلك البيان العجيب، ثم نسلّط عليها الضوء، بما يعين ويفيد القارىء، على التصوّر الصحيح والمطلوب لهذه القضية.
ومما جاء في بيان المدير قولهم ((إدراكا لدور المرأة في بناء المجتمع وإيمانا بضرورة المشاركة الواعية في العمل والإنتاج والإبداع، أنشأنا عام 1967 كلية اسلامية للبنات.. الخ)) قاله هكذا، ومن غير أن يشير، من قريب أو من بعيد، الى أن كلية البنات التي يتحدث عنها، قد ذهبت في عداد الأموات.. ذهبت منذ أن ردت "الجامعة الإسلامية" الى "كلية للدراسات العربية والاسلامية" في عام 1969م. كما انه لم يقم لها وجود بعد ذلك في نصوص قانون الجامعة الجديد الصادر في نوفمبر سنة 1975، والذي حدد تكوينها في كليات ثلاث (1) كلية الدراسات الاسلامية (2) كلية الآداب (3) كلية الدراسات الاجتماعية..
ثم إن بيان السيد المدير لم يقف عند حد هذا الايهام الذي بدأ بالفقرة السابقة، وإنما تعداه لمنطقة أكثر ايهاما وذلك حيث يقول: ((وقد جاء القانون الجديد للجامعة، يدعم هذا الاتجاه، ويؤكد ضرورة العمل لبناء الذات السودانية وصياغتها)).. فماذا يعني هذا غير عدم الشجاعة في مواجهة الأمر الواقع؟! ان المدير اراد ان يقول للناس أن هناك كلية للبنات قائمة اليوم!! في الوقت الذي يعلم فيه هو، قبل غيره، انه لا وجود لكلية البنات، لا في واقع الحال بالجامعة اليوم، ولا في قانونها الذي بين أيدينا، والذي نصّص، وكما سبقت الإشارة، على قيام كليات ثلاث، ليس من بينها كلية للبنات!! قد يقول قائل: ان بيان المدير لم يقصد بعبارة "يدعم هذا الاتجاه" من الفقرة السابقة، اتجاه كلية للبنات، كما ذهبنا في تفسيره، وإنما يقصد اتجاها آخر، ولكنّا لا نذهب مع مثل هذا الظن بعيدا، أكثر من نسلط الضوء على فقرة أخرى قادمة من ذلك البيان، تؤيد ما ذهبنا اليه في تخريجنا آنف الذكر، وهي قول البيان: ((ارتفع صوت البعض بإلغاء كلية البنات، ويدعو بشكل سافر الى الاختلاط داخل الحرم الجامعي)) فماذا تفهم انت، وماذا يفهم القارئ من عبارة: ((ارتفع صوت البعض بإلغاء كلية البنات))، غير ما ذهبنا الى ملاحظته من اتجاه البيان الى محاولة حجب الحقائق، وتمويهها؟؟
ان أمانة الثقافة، وأمانة المسئولية، يقضيان، بأن يطرح الموضوع على ما هو عليه، والا يتجه به هذا الإتجاه الذي سلكه البيان، والذي، ان دلّ على شىء، فانما يدل على العجز الفكرى، عن مواجهة الحقائق، كما هي في واقع الحال.. وليس ادل على هذا التقصير من عبارة البيان التي تقول: ((لقد كنا نقول دائما ان انشاء كلية للبنات، ليس شيئا جديدا، بل هو نشاط يعبر عن حقائق حضارية، واجتماعية، لم يستطع التغيير في النظم الاجتماعية والتكنولوجية أن يطمس معالمها، ولا زال اعداد قسم من طالبات العلم اعدادا خاصا أمرا ضروريا للعمل على التكامل الأسري والاجتماعي، أدرك ذلك المهتمون بالعلم وبقضايا المرأة في المجتمعات المعاصرة، فعملوا على إنشاء كلية للبنات في البلاد العربية والاوربية وغيرها)).
هل تدرون ماذا قصد بيان "مدير الجامعة الإسلامية" بهذه العبارات؟؟ أترونه قصد أن يسير بنا في طريق العمى، الذي سار عليه، حتى أصبح طابعا مميزا له، أم أنه أراد ان نظن انه يتحدث عمّا في نيته من انشاء كلية خاصة للبنات؟؟
اولا قيام كلية متخصصة للبنات، في الاقتصاد المنزلي، وصحة الطفل، أو ما يماثلهما، لا تحتاج الى دفاع، أو تبرير.. ولن نجد أحدا من الطلبة، أو من الشعب، يعارض قيامها، بعد أن تستوفي كتابها، وذلك لأهميتها فيما تنشأ من أجله..
وثانيا لأنها ليست بديلا عن الكليات الثلاث القائمة.. وثالثا لأنها ليست مشمولة في قضية الاختلاط القائمة كما سيكون التقديم لها، والقبول فيها، قاصرا أصلا على البنات!!
هذا وجه من وجهين سار عليهما بيان مدير الجامعة الإسلامية، وهو في الوجه الذي فرغنا منه، وعلى علاته، أكثر معقولية من الوجه الذي نستقبله الآن.. وهو وجه جد غريب، كما سبقت الاشارة، على دين الشعب، وعلى تربية الشعب.. ولولا أننا نقصد أن نشدّد النكير عليه، حتى لا يقع فريسة لعبارات اللمز، والخدش، لما اشتغلنا به، ولكن لا بد مما ليس منه بد...
اقرأوا اذن، وتأملوا، هذه الفقرة الصارخة: ((ارتفع صوت البعض بإلغاء كلية البنات، ويدعو بشكل سافر الى الاختلاط داخل الحرم الجامعي، وأدرك الاساتذة والمسئولون دوافع تلك الدعوة ومراميها)) فماذا يعني المدير بعبارة "أدرك الاساتذة والمسئولون دوافع تلك الدعوة ومراميها"؟؟ وهل لم يسعفه رأى يواجه به دعوة الداعين من طلبته وطالباته للاختلاط الاّ بمثل هذا القول الذي لا يليق بمنصبه، ولا بمستوى طلبته الذين يعترض عليهم؟! ان هذه العبارة تتحدث عن نفسها ولا تحتاج منّا لمزيد من القول، أو مزيد من الشرح، ولا حتى مزيد من النقد! فان الأمر فيها جلي، والخسارة بها فادحة!!
أكثر من ذلك، اقرأوا ثالثة الأثافي من قول هذا البيان الغريب: ((وقع البعض من الطلاب والطالبات تحت تأثير هذه الدعوة، فنادوا كغيرهم بالاختلاط، وأصرّ جمع من البنات على فتح الباب، حتى لغير أولياء امورهن، لزيارتهن، في أماكن دراستهن، المجاورة لداخلياتهن، ورفضن ان يقبلن قصر الزيارة على أولياء الأمور والأقارب))!!
ماذا نقول أيضا في هذه الحالقة، وهل هي الأخرى تحتاج منّا الى تعليق؟؟ ألم نقل لكم أن المصيبة كبيرة، والخسارة فادحة!!؟
ان هذه الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها بيان مدير "الجامعة الإسلامية" لا بد من تلافيها، والاعتذار عما تبادر، وتتبادر من الفاظها، الى ذهن السامع، حتى نحفظ لهذه القضية المتصلة بالدين، وبالعرض، وباخلاق الشعب، وقارها وقدسيتها، والاّ نسمح، بأي حال من الأحوال، بالنزول بها الى هذا المستوى الذي هبطت اليه.. ان اغماض العيون، والتجاوز عن نقد مثل هذا البيان، سيفتح الباب الى كثير من المشاكل، التي قد تتداعى بالطلبة والطالبات الى عدم احترام الدين، في أول الأمر، ثم الخروج عليه لإلتماس الهدى عند سواه، في آخر الأمر..
((إلا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير))..