المهدية من جديد!!
و الصادق عندما يقرر أن المهدية لم تمت، وعندما يتحدث عن دور السيد عبد الرحمن، وعن العمر الجديد الذي كتب للأنصار علي يديه، لا يريد أن يقف عند هذا الحد وإنما هو يمهد بهذا القول للحديث عن الدور الذي ستلعبه دعوة المهدية في البعث الإسلامي المرتقب، وعلي يدي (القائد الملهم) الذي يستطيع أن يجاري أحوال الزمن المحيط به، والذي لا يزرع إلا بعد (معرفة المناخ وتحليل التربة وإحصاء مقوماتها).. (فلكل وقت ومقام حال، ولكل زمان وأوان رجال).. والآن فلنستمع للصادق، وهو يحدثنا عن دور المهدية في البعث الإسلامي المرتقب، وعن مشاركتها في تحديد هذا البعث، فهو يقول في صفحة 35: (لقد استوعبت الدعوة المهدية تيارات قوية من تيارات الفكر الإسلامي وهضمتها وتجاوزت تعددها وتفرقها بوحدة ربطتها بإحياء الكتاب والسنة معيدة الفروع الي الأصول صاهرة الكل في بوتقة جديدة، لقد سبكتها سبكا جديدا. لقد نسجت الخيوط المتناثرة في ثوب إسلامي واحد فأعطت مثلا وأبانت وسيلة البعث الإسلامي في زمانها وفي الزمان اللاحق).. فالمهدية إذن، في نظر الصادق، قد (أبانت وسيلة البعث الإسلامي في زمانها وفي الزمان اللاحق) فالبعث الذي يدعو له الصادق إنما يتم علي المهدية وبأسلوبها!! هذا علي الرغم من حديث الصادق عن إختلاف الأزمنة والظروف.. ولا نعتقد أن أحدا من المواطنين يجهل اسلوب المهدية..
و في صفحة 249 يتحدث الصادق عن دور المهدية في البعث الإسلامي المرتقب فيقول: (إن الدعوة التي بحثناها هاهنا هي دعوة بعث إسلامي في القرن الماضي ولكنها لم تذهب مع الأيام بل بقي منها في نفوس الملايين إخلاص لتكاليف الإسلام بكل الأغوار الروحية التي نطقت بها منشورات الإمام المهدي وراتبه، وبقي منها حماس ديني فريد وتعلق بإتحاد المسلمين وأحياء الدين في سلوك الفرد والجماعة وبقي منها في نفوسهم حب فدائي للوطن الذي سالت دماؤهم في كل رقعة من بقاعه وبقي منها إستعداد وتلهف لمواصلة رسالة البعث الإسلامي بلسان الزمان ووفق ظروفه: (فلكل وقت ومقام حال).. إذن مما بقي من المهدية (إستعداد وتلهف لمواصلة رسالة البعث الإسلامي).. وهو أمر في نظر الصادق حتمي كما ذكرنا.. وما كتاب الصادق الذي نحن بصدده الآن الا بحث في الأرضية التي يتم عليها هذا البعث.. وهو يقول عن ذلك في صفحة 16: (فإذا تأملنا المصير الإسلامي لوجب علينا أن نبحث الأرضية التي يتم فوقها البعث الإسلامي.. علينا أن نتسآءل ونعرف واقع المسلمين في بقاع العالم الإسلامي المختلفة. ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب لأنه يتعرض لدراسة دعوة للبعث الإسلامي قامت في السودان قبل قرن من الزمان وما زالت حية في نفوس ملايين من أهل البلاد ولها أنصار في عدد من بلدان السودان الأكبر الممتد من بحر القلزم (الأحمر) شرقا الي بحر الظلمات (المحيط الأطلنطي) غربا تلك الدعوة هي دعوة الإمام محمد أحمد المهدي بن عبد الله. لقد إتضح لي ولغيري من مناظرات دارت في سجون السودان ومعتقلاته، عبر الأعوام الخمس الماضية، جرت عن طريق الحوار المباشر والمراسلات واشتركت في طرف يسير منها أن ماهية دعوة الإمام المهدي تفتقر الي بيان يساهم في وضوح الرؤية لدي المؤمنين بها أنفسهم ويقدمها لشركائهم في الوطن والمصير، ويبين موقعها في الإسلام ودورها في حركة بعثه)..
و في المقابلة الصحفية التي أجرتها صحيفة (القبس) الكويتية مع السيد الصادق، والتي تم نشرها بالعدد 1905، بتاريخ الأربعاء 7/9/1977، كان ضمن الأسئلة التي وجهت للصادق السؤال التالي: (إذا إستمرت أجواء الوفاق بينكم وبين الحكم القائم فما الذي تأملون تحقيقه؟؟ وهل ما زالت مباديء المهدية قابلة للتطبيق؟؟) وكانت إجابة الصادق: (الحقيقة أن ما آمل تحقيقه هو مولد أساس جديد للوحدة الوطنية الشاملة وبهذه المناسبة فإن مباديء المهدية هي كما جاءت علي منشورات الإمام المهدي إحياء الكتاب والسنة تحت قيادة ملهمة. وفي فترة سابقة قام الإمام عبد الرحمن بالتوفيق بين المهدية والعصر الحديث مما مكن الأنصار من المشاركة في كل التطورات السياسية في السودان: الإستقلال، ثورة أكتوبر 64، إحتواء المد الشيوعي أثناء العهد المايوي الحالي.. لذلك نستطيع أن نقول أن دور الأنصار كان مرنا.. واليوم يعرف عنهم الجميع أن لديهم تركيبا وجدانيا فدائيا وتركيبا إجتماعيا صالحا للمشاركة في حركة البناء الإشتراكي للبلاد والبناء الديمقراطي للمنظمات السياسية علي أن يستمد هذا كله من أصول الإسلام..)
من كل ما تقدم يتضح لنا أن الصادق يري أن كل الأدلة تشير الي بعث إسلامي حتمي، وأن البعث إنما هو بعث للمهدية حسب مقتضيات الوقت، وقد ظلت المهدية حية في قلوب معتنقيها، وقد جددها السيد عبد الرحمن، وهي الآن تنتظر هذا البعث الجديد.. والشرط الأساسي لقيام البعث في نظر الصادق إنما هو وجود القيادة (الملهمة)، وهذا ما ظل يركز عليه تركيزا شديدا.. فالمهدية ما هي إلا: (نداء قيادة دينية ملهمة توحد الكلمة وتجدد الدين..).. أما أسلوب بعث المهدية الجديدة، فهو نفس إسلوب المهدية السابقة، التي: (أبانت وسيلة البعث الإسلامي في زمانها وفي الزمان اللاحق).. ولقد رأينا أنماطا من أساليب الصادق في تحقيق غاياته.. وبالطبع لا بد من بعض الإختلاف، في وسائل المهدية الجديدة، عن المهدية القديمة، فإذا كانت القديمة قد إستعملت، في جهادها، الحربة (الشلكاية)، فإن المهدية الجديدة تستعمل: (الإسترلنج، والكلاشنكوف)