الصادق يعترف بتدبير الغزو
لقد أوردنا صورة موجزة لحجم الغزو الذي تم في 2 يوليو 1976 والتخطيط له، وتقدير تكلفته، والأحداث الدموية المرعبة التي تمت فيه.. وهي صورة منقولة من الصحافة السودانية فيما كتبته، بعيد عملية الغزو، من أحاديث المسئولين، واعترافات بعض المعتقلين من الغزاة، ومدبري التآمر.. وقد شهد المواطنون بأعينهم جثث القتلي في الشوارع، وداخل المباني، والعربات.. كما نقلت الصحافة للمواطنين الأحداث مدعمة بالصور الفتوغرافية..
و قد إعترف الصادق المهدي بأنه وراء أحداث 2 يوليو، وعن هذا الإعتراف جاء في الصفحة الأولي من جريدة الصحافة عدد السبت 10 يوليو ما يلي.. (إعترف الصادق المهدي بجريمة الغزو الرجعي الليبي الذي تعرضت له بلادنا صباح الثاني من يوليو.. فقد أصدر الصادق بيانا بثته إذاعة طرابلس المسماة (إذاعة الثورة الشعبية) مساء أول أمس جاء فيه أن الحركة الأخيرة في السودان هي حلقة من غرس (الثورة) التي قال أنها لن تهدأ إلا إذا حققت أهدافها..
و قال الصادق المهدي في بيانه أن الجبهة الوطنية التي يتزعمها تكونت منذ سبع سنوات لمقاومة ثورة مايو بالعنف، ونظمت عددا من حركات المقاومة، وكادت كوادرها العسكرية في 2 يوليو 1976 أن تقتلع النظام المايوي لإقامة نظام (إشتراكي) مبرأ من الإلحاد) إنتهي
و قد جاء في إعترافات قائد عملية الغزو محمد نور سعد ما نشرته جريدة الصحافة في عدد السبت 31 يوليو قولها: (قال العميل محمد نور سعد في إعترافاته التي تلاها شاهد الإتهام الأول في محكمة أمن الدولة بالخرطوم بحري، صباح أمس أنه كان ينوي إذاعة بيان صباح الجمعة قام بكتابته الصادق المهدي بإسم الجبهة الوطنية).. وقال أن البيان قد إشتمل إعلان بقيام مجلس رئاسي يتكون من:-
الصادق المهدي
حسن الترابي
رئيس الحزب الوطني الإتحادي
و ممثلين بالأقاليم
و أضاف أنه كان سيقوم بأعباء الحكم لحين وصول قيادات (الجبهة الوطنية)..
و الآن فإن الصادق لا ينكر قيامه بتلك الأحداث، فقد جاء في صحيفة القبس الكويتية العدد 1905 بتاريخ الأربعاء 7/9/1977 في المقابلة التي أجرتها الصحيفة مع الصادق ما يلي:
سؤال الصحيفة: (اسمح لي العودة قليلا للوراء لتناول موضوع اتهامكم بالعمل مع ليبيا في انقلاب يوليو 1976(ضد النميري)
إجابة الصادق (الحقيقة أنه منذ عقد ميثاق طرابلس 1970 صار هنالك تداخل في اتجاهات وسياسات السودان وليبيا ومصر، وهذا أدي الي تدخل ليبيا مثلا في الإجراءآت التي أدت الي القضاء علي إنقلاب يوليو 1971 فكانت ليبيا في ذلك الوقت تأخذ منا موقفا عدائيا ثم نشأت بين ليبيا وحكومة السودان خلافات. وبعد ذلك تم الحوار بيننا وبين قادة الثورة الليبية خلصنا فيه الي ان بيننا الكثير من وجهات النظر العربية والإسلامية ونشأ إذاك تعاون بيننا وبين دول عربية أخري. ونحن بإمكاناتنا وقدراتنا التي حصلنا عليها من جميع هذه الجهات الشقيقة قمنا بمحاولة الثاني من يوليو..)
و الأمر الذي يهمنا في هذا المقام أن الصادق يعترف بتدبير تلك الأحداث البشعة، التي استعان فيها بالمضللين من الأنصار البسطاء، الذين استدرجوا بإسم الدين.. واستعان فيها بالمرتزقة الأجانب، وبالمال والسلاح الأجنبي: وذلك لغزو السودان، ولتقتيل ذلك العدد من المواطنين الذي قتل، وإشاعة الرعب بين المواطنين الآمنين.. والسؤال الذي يجب أن يواجه الصادق الآن: لماذا قام بهذه الأعمال البربرية، والأحداث الدموية؟ هل هي فقط لإزالة نظام (مايو) الذي يتصالح معه الآن؟! والذي قال عنه لجريدة القبس الكويتية العدد1905: (أنه يوافقه علي نظام الحزب الواحد وذلك بقوله "أما الآن فموضوع عدم الرغبة في التفرق الحزبي والحرص علي إيجاد وعاء قومي ديمقراطي لتوجيه الإرادة السياسية هو محل إتفاق كل الأطراف").. وقال عن النقاط التي يوافق فيها نظام مايو: (
ثانيا: لم يعد هنالك خلاف حول ضرورة أن تكون التنمية والنظام الإقتصادي علي أساس إشتراكي.
ثالثا: لم يعد هنالك خلاف علي أن يكون التشريع في البلاد إسلاميا مع مراعاة حقوق الأقليات الدينية خاصة في جنوب السودان..
رابعا: المعارضة متفقة أساسا علي نظام رئاسي جمهوري في الحكم وهو أمر ليس محل خلاف الآن..
خامسا: لم يعد أحد يطالب بأن تكون القوات المسلحة كما هي، في النظم اللبرالية بعيدة عن المسيرة السياسية فميثاق الجبهة الوطنية ينص علي أهمية المشاركة السياسية للقوات المسلحة دون أن يؤثر ذلك علي الإنضباط اللازم لكينونتها..
سادسا: هناك إتفاق علي أهمية الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان وجوهر هذا المفهوم قد إتفقت عليه كل الأحزاب السياسية قبل إتفاقية (أديس أبابا) وذلك في ديسمبر 1966..
ثم هو يوافق نظام (مايو) علي التنمية التي قام بها ويقول: (فمن حسنات النظام الحالي في السودان التنبه بأهمية التنمية والتعريف بالإمكانيات السودانية والدخول في مشروعات معينة مثل غزل بورتسودان وحاج عبد الله ونسيج شندي..) ويذهب ليعدد كل مشاريع التنمية تقريبا ويذكر بعض المشاكل التي واجهتها.. فإذا كان الصادق يوافق نظام (مايو) علي كل ذلك، وهي أشياء في جملتها، قام بها النظام قبل الغزو الأجنبي، وقبل المصالحة الوطنية بالطبع، ففي سبيل ماذا قتل الصادق من قتل أثناء الغزو الأجنبي الذي قام به؟! إن لم تكن في سبيل فرض زعامته الطائفية؟! ثم هل ينتظر من زعيم يسير الي السلطة علي جثث مواطنيه، ويخوض لها دم أبناء وطنه من المدنيين والعسكريين والأنصار، هل ينتظر من هذا الزعيم أي خير لبلاده وشعبه؟! وهل هنالك عار يمكن أن يلحق بزعامة سياسية أكبر من هذا العار؟!
إن الأمر الذي لا ريب فيه أن الأرواح التي أزهقت، والدماء التي أريقت، لن تذهب هدرا.. وأن كل من أزهق نفسا، أو أراق دما، ستظل لعنة هذا الدم تطارده، أبد الدهر، ولن ينجو من الجزاء فإنه وارد أن: (من قتل نفسا بغير نفس، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا..)..
و الآن وبعد هذه التجربة الطويلة مع الصادق في سعيه المتصل لفرض نفوذ طائفته، وفرض زعامته بشتي الوسائل والأساليب، وبعد أن دفعت بلادنا ما دفعت من مقدراتها، ومن الضحايا الأبرياء من أبنائها، الذين تخضبت بدمائهم الأرض، في سبيل زعامة الصادق، فإنه لا عذر، بعد كل أؤلئك، لأي مواطن أن يثق في الصادق، وأن يعتقد أنه قد تخلي عن طموحه، وعن سعيه الحثيث لفرض زعامته بأي إسلوب- فإن من يعتقد ذلك لا يعدو أن يكون مواطنا غافلا لا يتعلم من الأحداث.. بل أن الأمر الواضح، والمؤكد، أن طموح الصادق قد إزداد، وأن شعوره بأحقيته لزعامة هذا البلد، دون منازع، قد تأكد عنده، خصوصا وأن الصادق، في كتاباته الأخيرة، أخذ يبشر ببعث ديني مرتقب، وهو بعث، في نظره، حتمي الوقوع، وبه يتم إحياء المهدية من جديد، وهذا ما ستكشف عنه أبواب الكتاب التالية.