إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الأخوان الجمهويون في جريدة الأخبار المصرية(الكتاب الأول)

الأصول والفروع


وكل ما في الأمر أن الأستاذ محمود يقول أن في القرآن مستويين من الآيات، مستوى الأصول ومستوى الفروع. وبذلك يصلح الإسلام لهذا العصر، كما قد صلح في الماضي البعيد الذي كانت تختلف مشاكله عن مشاكل العصر الحاضر، ويختلف قدر عقول الناس، فيه عن قدر عقول الناس اليوم، وقد قال النبي: ((نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم))
وهذا ما سُمي برسالة الإسلام الأولى، وماس سمي "برسالة الإسلام الثانية".. ورسول كلتا الرسالتين نبينا محمد.. وقد جاء ذلك مفصلاً، ومبوباً، في كتب كثيرة للأستاذ محمود على رأسها كتاب: "الرسالة الثانية من الإسلام" وأحب أن أنقل هنا، بإيجاز شديد، من هذا الكتاب، فقد جاء فيه ما يلي:
فإن كمال الشريعة الإسلامية إنما هو في كونها جسما حياً، نامياً، متطوراً، يواكب تطور الحياة الحية، النامية، المتطورة، ويوجه خطاها، ويرسم خط سيرها في منازل القرب من الله، منزلة، منزلة.. ولن تنفك الحياة سائرة إلى الله في طريق رجعاها، فما من ذلك بد.. ((يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)).. وإنما تتم الملاقاة بفضل الله، ثم بفضل إرشاد الشريعة الإسلامية في مستوياتها الثلاث: الشريعة، والطريقة، والحقيقة.. وتطور الشريعة، كما أسلفنا القول، إنما هو انتقال من نص إلى نص.. من نص كان هو صاحب الوقت في القرن السابع فأحكم إلى نص اعتبر يومئذ أكبر من الوقت فنسخ.. قال تعالى: ((ما ننسخ من آية، أو ننسئها نأت بخير منها، أو مثلها.. ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير؟)).. قوله: ((ما ننسخ من آية)) يعني: ما نلغي، ونرفع من حكم آية.. قوله: ((أو ننسئها)) يعني نؤجل من فعل حكمها.. ((نأت بخير منها)) يعني أقرب لفهم الناس، وأدخل في حكم وقتهم من المنسأة.. ((أو مثلها)) يعني نعيدها، هي نفسها، إلى الحكم حين يحين وقتها.. فكأن الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت، فهي مرجأة إلى أن يحين حينها.. فإذا حان حينها فقد أصبحت هي صاحبة الوقت، ويكون لها الحكم، وتصبح، بذلك هي الآية المحكمة، وتصير الآية التي كانت محكمة، في القرن السابع، منسوخة الآن.. هذا هو معنى حكم الوقت.. للقرن السابع آيات الفروع، وللقرن العشرين آيات الأصول.. وهذه هي الحكمة وراء النسخ.. فليس النسخ، إذن، إلغاء تاما، وإنما هو إرجاء يتحين الحين، ويتوقت الوقت.. ونحن في تطويرنا هذا إنما ننظر إلى الحكمة من وراء النص.. فإذا خدمت آية الفرع التي كانت ناسخة في القرن السابع لآية الأصل غرضها حتى استنفدته، وأصبحت غير كافية للوقت الجديد - القرن العشرين - فقد حان الحين لنسخها هي، وبعث آية الأصل، التي كانت منسوخة في القرن السابع لتكون هي صاحبة الحكم في القرن العشرين، وعليها يقوم التشريع الجديد.. هذا هو معنى تطوير التشريع.. فإنما هو انتقال من نص خدم غرضه.. خدمه حتى استنفده إلى نص كان مدخرا يومئذ إلى أن يحين حينه.. فالتطوير، إذن، ليس قفزاً عبر الفضاء، ولا هو قول بالرأي الفج، وإنما هو انتقال من نص إلى نص..
.
ومن أمثلة ذلك ما جاء في كتاب تطوير شريعة الأحوال الشخصية للأستاذ محمود أيضاً:
قلنا: أن الآيات المكية هي آيات الأصول، وأن الآيات المدنية هي آيات الفروع.. وقلنا، أن نزول آيات الأصول قد تواتر خلال ثلاث عشرة سنة، أثناء العهد المكي.. فلم يستجب لها الجاهليون.. فظهر ظهوراً عملياً، أنها أكبر من مستواهم.. فنزل إلى مستواهم، بعد الهجرة إلى المدينة، وبعد افتتاح العهد المدني.. فنزلت آيات الفروع.. واعتبرت صاحبة الوقت، لمناسبتها لمستوى الناس.. ونسخت آيات الفروع، آيات الأصول..
فآيات الأصول هي قمة الدين.. وكانت تقوم على تقرير كرامة الإنسان - على الحرية - ومن ههنا كانت آيات إسماح.. ومنعت الإكراه منعاً تاماً.. وهي كثيرة جداً.. ومن أمثالها قوله تعالى: ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن.. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين)).. ومنها: ((وقل الحق من ربكم!! فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر..)).. ومنها قوله: ((فـذكر!! إنما أنت مذكـر * لسـت عليـهم بمسيطر!!))..
وعند نهاية الفترة المكية التي بها ظهر القصور العملي عن شأو آيات الأصول، بدأ عهد التحول، ليجيء التنزيل في مستوى الأمة يومئذ.
.
وفي هذا المستوى جاءت آية (التوبة) التي سميت: "آية السيف" واعتبرت ناسخة لجميع آيات الاسماح.. قال تعالى فيها: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد.. فإن تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم.. إن الله غفورٌ رحيم..))

وجاء أيضا في نفس الكتاب عن الاشتراكية ما يلي:
الاشتراكية في أصول الإسلام وليست في فروعه ـ أعني أنها ليست في شريعته.. فآية الاشتراكية ((ويسألونك ماذا ينفقون!! قل العفو!!)) وهذه هي آية الزكاة الكبرى، زكاة النبي وهي في حق الشريعة للأمة غير ملزمة، وإنما هي منسوخة بالآية الفرعية، آية الزكاة الصغرى: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم.. والله سميع عليم)).
ونختم هذا الاستطراد القصير بكلمة أخيرة يجب أن تكون مفهومة، فإن من يتحدث عن الديمقراطية، والاشتراكية في الإسلام، من غير أن يتحدث عن تطوير الشريعة السلفية من مستوى آيات الفروع، إلى مستوى آيات الأصول إنما يدلي بباطل، ويتحدث فيما لا يعلم..

فلماذا إذن يغفل الدكتور وصفي كل هذه الآراء والأفكار المدعمة بالآيات ثم يحكم على دعوة الأستاذ محمود إلى بعث الإسلام بجرة قلم ثم يضعها في كفة واحدة مع مذهب فرقة كالبهائية لم يخرجها الناس من الإسلام وإنما أخرجت هي نفسها بنفسها منه؟؟
وكيف يقارن الدكتور وصفي بين هذه الدعوة المتكاملة للإسلام، التي تريد أن تحكِّم الإسلام في حياة الفرد والمجتمع، التي يضطلع بها الأستاذ محمود وتلاميذه، وبين حديث السيد خالد محي الدين العابر عن استرشاده بالإسلام وتبرير أخذه بالاشتراكية في دولة علمانية؟؟
والآن نرجع إلى حديث الدكتور وصفي عن ما أسماه بحكم القضاء السودان بالارتداد حيث قال:
إن هذا القول أبداه شخص اسمه محمود طه وقد صدر هناك حكم نهائي من القضاء باعتباره مرتداً
.
إن أمر الحكم بالردة هذا الذي جرى عام 1968 له خلفية سياسية ـ ليست هذه الكلمة مجال تفصيلها، وإنما حسبنا الآن أن نبين أن قول الدكتور وصفي قد جاء مثلاً للتعميم المخل. خصوصا وأن الدكتور وصفي قد عايش ما اكتنف "حكم الردة" من أحداث، حيث كان يقيم في الخرطوم وكا قد جرد قلمه، ووظف نفسه، لمؤازرة الفقهاء، الذين تبنوا "قضية الردة" تلك.
إن قول الدكتور عن: "القضاء في السودان" قول مضلل للقارئ الذي لا إلمام له بملابسات القضية.. فإن الذي حكم بالردة هو "محكمة شرعية" ليس من اختصاصها النظر في أمر تكفير الناس، وذلك بنص قانون "المحاكم الشرعية السودانية" الذي حدد اختصاصها في نظر قضايا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وما إليهما.. ثم أن عبارة "القضاء" هي في الواقع وكما اصطلح الناس في كل البلاد الإسلامية التي تحكم حكماً علمانياً إنما تعني "المحاكم المدنية".. والدكتور وصفي يعلم هذا ومع ذلك ساق عبارته تلك غير المحددة.. رغم أنه قال في مقاله "وقد ألزمت نفسي عدم التمييع والتتويه".. وهل هناك تمييع وتتويه أكثر من هذا؟؟
إن المحاكم المدنية نفسها، وفي السودان أو في غير السودان، ليست بذات اختصاص للنظر في قضايا تقويم أفكار الناس ومعتقداهم حتى تكفرهم أو تثبت لهم الإيمان وإنما هذا الصنيع هو صنيع المحاكم في عصور خلَّفها الزمن وتجاوزها وعي الانسان المعاصر.
ويكفي أن يعلم القارئ أن تلك "المحكمة الشرعية" قد رفض الأستاذ محمود أن يمثل أمامها حتى لا يعطيها شرعية النظر في أمر لا يخصها هي ولا يخص أية محكمة غيرها.
وقد انعقدت "المحكمة" حيث استمعت لمدة ثلاث ساعات لأقوال المدعيين وشهودهما وقد نقلوا أقوالاً محرفة من كتب الأستاذ محمود، لم تكلف المحكمة نفسها عناء تمحيصها والتأكد من صحة نقلها، وإنما رفعت جلستها لمدة ثلث ساعة فقط ثم عادت للانعقاد حيث تلت حيثيات حكمها بالردة.. وهو قد كان حكماً جاهزاً لم تفعل تلك المحكمة الصورية شيئاً غير تلاوته!! وقد بين الأستاذ أمر تلك المحاكمة وفندها في كتب أصدرها.
هذا ما كان من أمر صنيع تلك المحكمة وهو صنيع لا يخدم الإسلام بل، على النقيض، يُنَفِّر منه، ذلك بأنه لم يعد يُقبل، عقلاً ولا ديناً، أن تصفى الأفكار بالمحاكم، وبالكبت.. ولقد كان أيسر ما ينتظره الانسان من المثقفين الحادبين على مستقبل الانسان، ومستقبل الإسلام أن يقفوا ضد الاتجاهات المشوِّهة للإسلام التي تريد أن تحجر الفكر، وتحرم الاجتهاد، لا أن يمالئوها، ويسخروا ثقافتهم وعلمهم لتسويغ جهالاتها.

عبد اللطيف عمر حسب الله
أمدرمان ــ السودان ص. ب 1151
25/4/1976