وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
ظل أعضاء الحزب الجمهوري يمارسون الخطابة بالمحلات العامة بالمدن الثلاث، فأثار عملهم هذا كل الطبقات وشاركت الصحف المحلية جميعها في الإثارة، فأصدرت سكرتارية الحزب الجمهوري بيانات عدة تندد فيها بمسلك الحكومة.. فاتصل بي الأخ "الديب" أحد ضبط الأمن في ذلك الوقت وأخبرني أن المستر "بني" مدير المخابرات يطلب مقابلتي في الساعة الحادية عشر صباحا من يوم 25/6/1946م..
عند وصولي إلى مكتب المستر بني في الموعد المضروب، أخبرني المراسلة أنه خرج في مهمة عاجلة ويطلب مني أن أنتظره حتى يعود.. فتبادر إلى ذهني أن هذه الحركة ضرب من ضروب التحقير التي يمارسها الإنجليز مع السودانيين، فأخرجت قصاصة ورق صغيرة كتبت فيها:
"عزيزي المستر بني، حضرت برا بوعدي ولم أجدك وإني لا أطيق الانتظار مع الأسف" ثم انصرفت..
وقبل بلوغي السلم على بعد خطوات من مكتبه، خرج مسرعا ورائي يناديني باسمي، ويعتذر عن غباء المراسلة!! ثم أفهمني بأنه لم يخرج من المكتب قط، وأنه ظل قابعا في مكتبه في انتظاري قبل نصف ساعة من الموعد!!
دخلنا المكتب سويا وأخذ يقدمني لبعض مساعديه من الإنجليز بالمكتب المجاور، ثم عدنا إلى مكتبه فافترع الحديث بأن قال: "إن كل الذي كتبته الجرائد عن الأستاذ محمود عار من الصحة" ثم أطلعني على رد حكمدار السجن على الجواب الذي أرسله له هو، أي المستر بني.. وطلب مني أن أكذب تلك الأخبار التي نشرت، فقلت له لا بأس من نشر الأخبار الصحيحة بعد أن نذهب سويا أنا وهو، إلى السجن لاستقصاء الحقائق.. فأخبرني أنه على ثقة تامة من أخباره ولا يرى داعيا للذهاب إلى السجن، ثم أخذ يتحدث عن حرص الإنجليز على استقلال السودان واستعدادهم لمعاونة الحركات الاستقلالية، ورغبة كبار زعماء القبائل في الانضمام للحزب الجمهوري لولا سياسة العنف التي ينتهجها.. فطلبت منه أن يكف عن هذا الكلام الذي لا يجوز تصديقه إلا على صغار الأحلام، فنظر إلى نظرة استخفاف ثم قال: "حضر إلى مكتبي واحد مجنون اسمه أمين التني وزعم أنه هو السكرتير الرسمي للحزب الجمهوري، وطلب مني الاعتراف بحزبه ولكني طردته"..
فقلت له ليس من حقك أن تعرّض بأمين التني، أو أي سوداني آخر، فأمين التني مواطن سوداني ومن حقه أن يدعو لقضية بلاده بالطريقة التي يراها، وأن يعتنق المبدأ الذي يرتضيه واسم الحزب الجمهوري ليس وقفا على أحد..
عند هذا أخذ ينظر في بعض الملفات، ويتظاهر بأنه يصرف بعض الشئون، فقمت وهممت بالانصراف فقال: "أنا لم أفرغ بعد".. فقلت له يظهر أن لديك بعض الأعمال الهامة، كما لديّ أعمال أخرى.. فقال: "على أي رأي تنصرف؟".. فقلت له: "حيث إنك لم توافق على أن نذهب سويا إلى السجن لاستقصاء الحقائق فسوف أخبر كل من أقابل بأن السيد نائب السكرتير الإداري للشئون السياسية يؤيد صحة ما نشر عن المعاملة السيئة التي يلقاها الأستاذ محمود".. فقال: "إذا تفوهت بهذا الكلام سوف أسجنك لمدة خمس سنوات"..
فقلت له: "ما الضرر الذي سوف يلحق بي من هذا السجن؟".. فقال: "ألا تستضير بسجن خمس سنوات!!"..
فقلت له: "لا .. لأن شيئا من حياتي العادية لن يتغير، فالسودان كله بفضلكم قد أصبح سجنا.. أتحسب أننا نسكن في بيوت أفضل من السجن أو نأكل أكلا أفضل من أكل السجون.. إننا والحمد لله، نأكل الفتريتة التي تعلفونها خيلكم!!".. فضحك ضحكة عالية صفراء وقام يودعني وانصرفت..
في اليوم التالي أصدر مكتب السكرتير الإداري النشرة التالية:
بيان رسمي
من مكتب السكرتير الإداري
ظهرت بيانات في الصحف المحلية بخصوص محمود محمد طه، الذي هو الآن تحت الحراسة بالخرطوم بحري نتيجة لرفضه أن يمضي على كفالة المحافظة على الأمن، وهذه البيانات قد احتوت على معلومات غير دقيقة، والحقائق كالآتي:
لمدة يومين رفض محمود محمد طه أن يشتغل، وهذا يخالف قوانين السجن، فلم يعمل له أي شيء في اليوم الأول..
أما في المرة الثانية، فقد حكم عليه بالبقاء ثلاثة أيام بالزنزانة مع الأكل الناشف.. ولو أنه رفض أن يقف عند الكلام مع ضابط السجن فإن العقوبة التي نالها لم تعط له لهذه المخالفة لنظام السجن..
وبهذه المناسبة، يجب أن يعلم كل المساجين مهما كانت جنسيتهم أو طبقتهم، أنهم يجب أن يقفوا عندما يتكلمون مع ضابط السجن، إنجليزيا كان أو سودانيا.. وبالطبع لم تتخذ أي وسيلة على الإطلاق لمنع المسجون هذا أو أي مسجون آخر من أداء واجباته الدينية..
26/6/1946م