وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

بسم الله الرحمن الرحيم


المثقفون قبل قيام مؤتمر الخريجين


كانت البلاد قبل قيام مؤتمر الخريجين، تسير في ظلام دامس، وتقف على شفا جرف هار بسبب الخلاف الذي فرق بين مثقفيها، واتجه بهم اتجاهات خطيرة..
كان نادي الخريجين بأم درمان، هو كعبة الخريجين، فيه آمالهم وآلامهم.. وهو مصدر حركتهم الأدبية ومعين ثقافتهم الاجتماعية.. ولم تكن عضويته تقتصر على الخريجين من العاصمة المثلثة، ولكنها كانت مفتوحة أيضا للخريجين في أقاليم السودان المختلفة ومن هنا كانت أهميته..
كان لابد لمن يريد أن يكون لامعا، في الوسط السوداني عامة، وأوساط الخريجين خاصة، من الدخول في لجنة النادي التنفيذية..
قام الخلاف الذي أشرنا إليه آنفا على الاحتراب على كراسي لجنة نادي الخريجين بأم درمان، وتشعب، واستعان قادته بإثارة النعرات العنصرية.. فبرزت إلى معجم اللغة السودانية كلمة سوداني أصيل، ومولد!! وأصبح السيد أحمد الفيل يقود كتلة السودانيين الأصلاء، كزعمهم، ويقود السيد محمد على شوقي المسجل العام، كتلة المولدين!! وأصبح الأتباع من الطرفين يرددون في وجه بعضهم البعض العبارات الجارحة، فتوقر الصدور وتعمق الجرح.. فكنت أسمع عبارة "يا غريب بلدك" كما كنت أسمع بعد هزيمة كتلة السيد أحمد الفيل في انتخابات النادي: "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل"!!
في هذا الظرف العصيب، شاءت إرادة الله الذي تكفل بحفظ هذه الأمة لما يدخره لها من الخير، أن تبرز فكرة المؤتمر، فلم تطفئ النار كلية، وإنما أبقت بعضها تحت الرماد..

قيام مؤتمر الخريجين


قام مؤتمر الخريجين، وصدرت فكرة قيامه من الأخ أحمد خير المحامي، فاستجابت له البلاد والتف حوله الخريجون في حماس شديد، وأمل عريض.. ودرج المؤتمر مرعيا مرموقا، فدعا إلى إصلاحات جمة، فأصاب كثيرا من النجاح ووفق بوجه خاص في يوم التعليم.. فجمع الأموال، وافتتح المدارس في شتى أنحاء القطر.. ثم إن المؤتمر، كان له رأي ونشاط في الميدان الاقتصادي وفي إصلاح القرية، وإصلاح الفرد ومحاربة الأمية، وتحسين الصحة العامة مما جعل المؤتمر مرجوا..
ثم ولدت الحركة السياسية في المؤتمر على أثر إعلان ميثاق الأطلنطي، وذلك يوم بعث للحكومة بمذكرة يطالب فيها، إلى جانب مطالب أخرى، بحق تقرير المصير.. وقد أحاط تلك المذكرة بتكتم شديد عاشت فيه حتى لجان المؤتمر الفرعية في ظلام دامس، فردت عليه الحكومة ردا يحمل كل الاستخفاف.. ثم أخذ يتداول مع الحكومة الردود بهذا الشأن، بدون أن يعنى بأن يقول للجان الفرعية، بله الشعب، كيف يريد أن يكون هذا المصير الذي يريد أن يُمنح حق تقريره..
ثم مضت فترة، ومشت في المؤتمر روح شعبت أتباعه شعبا على أساس الصداقات وتجانس الميول، مدفوعين بحب الغلبة على كراسي المؤتمر، ثم اتخذ كل فريق اسما سياسيا وبدأ التفكير عند القادة ساذجا صبيانيا!!
لقد تخيل بعضهم أنهم عندما يجتمعون على المطالبة بتقرير المصير، سوف تقدم انجلترا الحجة على عدم نضجهم السياسي، وسوف تقنع الدول الأخرى بذلك وتطلب وضع السودان تحت إشراف دولة عليمة بإدارة شئونه، ولا يكون لهم خلاص، حينذاك، من الإنجليز إلا بالتشبث بالدولة الأخرى الشريكة – مصر ذات الخبرة..
ثم ماذا ؟ ثم يخرج السودانيون المصريين "بالسوط" !! هكذا كانوا يقولون!!
ومن هنا جاءت الدعوات إلى مصر..
أما وحدة وادي النيل فجاءت من النفر الذين عاصروا حركة 1924م، ولم تتح لهم ظروف تغيبهم عن السودان ومسايرة التطورات الفكرية والقومية، التي جدت بعد ذلك التاريخ..
وجاءت دعوة الاتحاد مع مصر تحت التاج المصري، من فريق عملت فيهم عوامل الفكر والقومية السودانية، ولكنهم كانوا يرون أن السودان لا يمكن أن يقوم على رجليه من غير مساعدة خارجية..
وجاءت دعوات أخرى تريد مع مصر أشياء، لاهي بهذا ولا هي بذاك، وإنما هي تختلف عنها اختلافا هو على أقل تقدير، في أخلاد أصحابه كاف لأن يجعل لهم لونا يميزهم عن هؤلاء وأولئك يستطيعون عن طريقه جمع السند لمنازلة الآخرين، والفوز بكراسي المؤتمر..
قلنا عاد التكتل لصفوف الخريجين هذه المرة على أساس الصداقات، فبرزت كتلة الأشقاء، وهو اسم تهكمي أطلقته كتلة ود أبوروف على هذه الشلة.. وقد اشتق اسم الأشقاء من قرابة الأشخاص الذين تكونت منهم هذه الجماعة، وهم السادة: إسماعيل الأزهري وعلى الأزهري، يحي الفضلي ومحمود الفضلي، أحمد محمد يس وحسن محمد يس...الخ..
أما جماعة ود أبوروف - كتلة الاتحاديين- فهم السادة: إبراهيم يوسف سليمان، عبد الله ميرغني، إسماعيل العتباني، حسن أحمد عثمان الكد، حسين أحمد عثمان، حماد توفيق وآخرين..
وأما كتلة السيد عبد الرحمن فهم السادة: إبراهيم أحمد، عبد الله خليل، محمد الخليفة شريف، عبد الله الفاضل، عبد الكريم محمد، محمد على شوقي، الصادق شوقي ومحمد صالح الشنقيطي..
لم يقم خلاف بين كتلتي الأشقاء وود أبوروف يبلغ درجة الخصومة، ولكن الخلاف بدا ظاهرا، ومن الوهلة الأولى، بين كتلة الأشقاء التي يترأسها السيد إسماعيل الأزهري وكتلة أصدقاء السيد عبد الرحمن التي يترأسها السيد إبراهيم أحمد..
عندما انهزمت هذه الكتلة- أصدقاء السيد عبد الرحمن- في الانتخابات الأولى لجأت للأنصار، وأخذت تستعين بهم، ووجدت ثغرة فاتحة في دستور مؤتمر الخريجين لأن كلمة خريج كانت تعني أي شخص يزكيه اثنان من الخريجين بأنه خريج.. فكلمة خريج كانت تعني حتى من أكمل تعليمه الأولي، فاستطاعت بذلك، أن تهزم جماعة الأشقاء في انتخابات الدورة التالية واستولت على هيئتي القيادة..
هزت الهزيمة جماعة الأشقاء، واتضح لهم أن كراسي المؤتمر أصبحت بعيدة المنال، فأخذ السيد يحي الفضلي يتودد للسيد محمد نور الدين وكيل البنك الأهلي المصري ومن كبار الختمية ليكسبه إلى جانب الأشقاء.. وهكذا استطاعت كتلة الأشقاء أن تلقى السند من الختمية، وتهزم كتلة أصدقاء السيد عبد الرحمن في آخر دورة للمؤتمر جمعت الخريجين..
على أثر هذه الهزيمة، ظهر حزب الأمة بالغا مكتملا برئاسة السيد الصديق المهدي وسكرتارية السيد عبد الله خليل، ويضم أصدقاء السيد عبد الرحمن وزعماء العشائر..
وبهذا انتثر عقد الخريجين، وانتقل الصراع إلى ميدان واسع ونزلت الطائفية إلى الشارع تنشر أحقادها وسخائمها وعداوتها التقليدية بين أفراد هذا الشعب الطيب وقادة الكتلتين من ورائها يغذونها سوءا وخوفا وأكاذيب..
وقام قادة الأشقاء بدعاية تقول إن السيد على الميرغني عزم على تصفية أملاكه، والرحيل إلى مصر بعائلته لأن الإنجليز سوف يتوجون السيد عبد الرحمن ملكا على السودان.. وكان لغموض حزب الأمة، ما أثار الريب وأخاف الختمية ودعاة الاتحاد مع مصر، فأخذوا يتمسكون بدعوتهم أكثر من ذي قبل.. ومن ذلك التاريخ أصبحت كل معركة تدور بين الأحزاب، هي في حقيقتها معركة بين رجلين، وتنافس بين طائفتين!! وأصبح العمل السياسي ستارا يحجب عن الشعب تشفي الطائفتين من بعضهما البعض، وحرص الطموحين من الخريجين على كسب السند الشعبي الذي يكونون به زعماء..