وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ محمود رسم خطة العمل داخل السجن وخارجه


اتصلنا بالأستاذ الدرديري محمد عثمان، القاضي، وأطلعناه على الأمر، فعلمنا منه كل ما يترتب على عدم التوقيع على الكفالة.. واتضح لنا أن الفرصة قد دانت للحزب الجهوري ليلقن الإنجليز درسا في احترام السودانيين، ولأن يعيد للحركة الوطنية كرامتها التي مرقها حزب الأشقاء بموقفه المتخاذل من قضية عثمان أبوبكر..
اتفق الرأي على أن يدخل الأستاذ محمود السجن أو يبرأ دونما قيد أو شرط، وفي حالة دخوله السجن يقوم بإزعاج السلطات داخل السجن بكل سبيل، ويحاول أن يكسب للحركة السياسية أكبر قدر من الكسب حتى يكون لها القدر الكافي من الاحترام عند الإنجليز.. ونقوم نحن في الخارج بأكبر قدر من الإزعاج والتهور، ورتبنا أمر الاتصال بالسجن لنعلم كل صغيرة وكبيرة عما تقوم به السلطات داخل السجن..
كان يوم المحاكمة الثاني من شهر يونيو 1946م يوما مشهودا، لم تحسب السلطات تقدير نتائجه.. فهي قد كانت واثقة، بعد تخاذل الأشقاء، من أن الأستاذ محمود سوف لا يتردد في التوقيع على الكفالة!! ولكن الأستاذ محمود أصر على الرفض وأكد لقاضي الجنايات أنه سوف يمارس حريته في القيام بما يراه حقا وعدلا، حالا ومستقبلا، ما دام طليقا لا يتقيد إلا بما يقيده به الواجب نحو قضية بلاده وحريتها.. فاحتار القاضي فترك المحكمة وذهب إلى مكتب السكرتير الإداري يوضح الموقف لرؤسائه ثم عاد مرة أخرى.. ولعل الحكومة رأت نفسها في موقف حرج، فهي لا تريد للحركة الوطنية أن تستبسل، كما لا تريد لهيبتها هي أن تمس فأخذت تبحث عن مخرج.. ولعل قاضي الجنايات قد أوعز للأخ فرح شوربجي، باشكاتب المحكمة، أن يتصل بي ويعرض على توقيع الكفالة نيابة عن الأستاذ محمود، لأن الأستاذ محمود عنيد كما قال، وبمبلغ خمسة جنيهات بدلا عن خمسين جنيها، فأفهمته أن المسألة مسألة مبدأ وأن التوقيع مرفوض حتى لو خفض المبلغ على خمس مليمات!!
قطع الأستاذ محمود على الحكومة خط الرجعة، فأصدر عليه قاضي الجنايات حكمه بسنة سجن يعرض عليه بعدها التوقيع على الكفالة لمدة عام، وفي حالة الرفض توقع عليه عقوبة السجن لعام آخر.. وقد حضر هذه المحاكمة ضابط البوليس أحمد الوداعة عثمان، فقال معلقا عليها:
" إنه لموقف مشرف للحركة الوطنية كلها، وللسودانيين جميعا "..
وكان الأستاذ محمود أول سجين سياسي، وخرجت الصحف جميعها، وجميعها كانت مقاطعة لآرائنا، خرجت تزف النبأ إلى السودانيين في اعتزاز وتفاخر..
اجتمعت لجنة الحزب الجمهوري في ظهر نفس يوم المحاكمة، بالميدان الواقع جنوب القصر الجمهوري، واستقر الرأي أن أخطب الناس أمام السينما الوطنية بالخرطوم بحري عقب خروجهم من الدور الأول، وأن يخطب محمد المهدي مجذوب الناس عقب صلاة الجمعة بجامع أم درمان الكبير، وأن يخطبهم محمد فضل أمام سينما أم درمان.. وكنا متأكدين أننا بإقدامنا على هذه الخطوة سوف نجرّيء الناس على الحكومة، وأنها سوف تجد على رأس كل شارع وأمام كل مقهى خطيبا..
في مساء نفس اليوم نفذت الخطة، وكانت مفاجأة للحكومة، وقد قابلها الجمهور بحماس شديد لأنها كانت الأولى من نوعها بعد حركة 1924م.. ولأنهم لم يكن بحسبانهم، في ذلك الوقت، أن يقف رجل ويندد بحكومة السودان في مكان عام، وتحت سمع وبصر البوليس.. فالتفت الجماهير من حولي، ولم يتمكن البوليس من عمل شيء ثم سرت وسارت الجماهير من حولي إلى الحلواني المجاور، وخطبتهم مرة أخرى بمنشور الجنوب، وظلت الخرطوم بحري في هرج حتى الساعة الثانية عشر مساء!!
في اليوم التالي، صدر الأمر بالقبض عليّ، فحضر البوليس إلى منزلي فلم يجد أحدا لأن أولادي كانوا بالقطينة.. وفي مساء هذا اليوم ذهبت لأم درمان وقابلت الأخوان محمد المهدي مجذوب ومحمد فضل وسرنا سويا للمقهى الواقع تجاه سينما برمبل، فاعتليت كرسيا وخطبت الجماهير التي كانت تجد المتنفس في تلك الخطب.. وفي صباح اليوم التالي، حضر الأمباشي ألمر، ومعه أحد رجال البوليس ومعهما أمر القبض، وكنت قد أحضرت ماء للحمام، فطلبت منهما الدخول للمنزل حتى استحم، فعرفني الأمباشي أنهما سوف يستعملان معي القوة إذا لم أذهب معهما فورا.. فأخبرتهما أن أمر القبض قد صدر بتاريخ الأمس وأني سوف لا أذهب معهما إلا إذا استخرجا أمرا بتاريخ اليوم.. فذهبا يستشيران الجاويش خضر، جاويش السكة الحديد، فأشار عليهما أن يرجعا لضابطهما ولا يتصرفا تصرفا قد يكون غير قانوني، فرجعا.. وفي هذا الأثناء كنت قد تخلصت من الحمام، ولما عادا ذهبت معهما وقابلت ضابط البوليس حسن إبراهيم فأخذ أقوالي ثم غاب برهة، وعاد فأخلى سبيلي وقد علمت فيما بعد، أن المسئولين رأوا ألاّ يشرفوا أعضاء الحزب الجمهوري بإدخالهم السجن خوفا من استبسال الحركة الوطنية، بعد المثل الذي ضربه الأستاذ محمود، كما روى الأستاذ إسماعيل محمد بخيت ضابط البوليس..
قلت إننا رتبنا طريقة الاتصال بالسجن لنعلم عن معاملة السلطات للأستاذ محمود لنتخذها وسيلة لإثارة الرأي العام.. وقد لعب أحد الموظفين السجناء، آنذاك، الأخ هاشم الخليفة دورا هاما في توصيل خطابات الأستاذ محمود وأخبار السجن الأخرى عن طريق الأخ عتيق القاضي وقد كان كاتبا بالقضائية، والأخ عوض الله صالح السيد الساعي بالمصلحة..
كان سجناء الدرجة الثانية يحضرون بسجلات قيد المواليد والوفيات، بالطابق الأرضي من مبنى القضائية، وكان الأخ هاشم يحضر جوابات الأستاذ محمود التي تحوي أخبار السجن، وتوجيهاته الخاصة للحركة، فكان الأخ عوض الله يتسلم الجوابات من السجناء ويسلمها للأخ عتيق فأحضر أنا لاستلامها..
لما كثر إصدار البيانات المثيرة، وكانت تحتوي على معلومات صحيحة عن السجن اتهمت السلطات أولئك الموظفين واحتجزتهم بالسجن لمدة يومين تحرشت خلالها بالأستاذ محمود، ووضعته في زنزانة، وظلت تنتظر رد الفعل لتعلم إن كان مصدر أخبارنا أولئك الشبان، أو خلافهم.. ففطنا إلى الأمر، وعزمنا أن نبذل كل جهد لإبعاد التهمة عنهم، وذهبت ليلا إلى كوبر واتصلنا بأحد الجاويشية وحصلنا منه على المعلومات وقمنا بنشرها في اليوم التالي..
لم ينصرف تفكير السلطات عن اتهام أولئك الشبان، ومع إنهم عادوا إلى العمل بالقضائية مرة ثانية بعد احتجازهم، إلا أنها كانت دائما ترصد حركاتهم وحركاتنا.. وفي يوم من الأيام بينما كنت ذاهبا لملاقاة الأخ عتيق فإذا بالأخ عوض الله يقابلني في الطريق، ويدس ورقة في يدي علمت منه أن حكمدار السجن وأحد الضباط يكمنان بالطابق الأرضي لمراقبة الموظفين الذين يتصلون بالسجناء ولكن هذا لم يمنع إخواننا السجناء من توصيل الأخبار..