وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
النمرة س ي د/36ه
قسم التحقيق الجنائي
ص ب 288 الخرطوم
24/3/1946م
إلى محمود محمد طه
تاجر بأم درمان
سيدي العزيز
مطلوب حضورك لمكتب التحقيق الجنائي الساعة التاسعة صباحا من يوم 25/3/1946م للإجابة على ما يتعلق بالمنشورات التي يعتقد أنها صادرة من الحزب الجمهوري..
الرجاء تأييد استلام جوابي هذا
المخلص
ج. ي. س برايس
ملاحظ قسم التحقيق الجنائي
ذهب الأستاذ محمود وقابل المسئولين بذلك القسم، فأخبروه أنهم يعتقدون أن هناك من يبغي الكيد للحزب الجمهوري، فيدس عليه تلك المنشورات.. فأكد لهم الأستاذ محمود صدورها من الحزب الجمهوري، وأنه يعتقدها حقا وعدلا، وأنه هو المسئول عنها شخصيا وسوف يوالي إصدارها.. فلم يتخذ المكتب معه أي إجراء في ذلك الوقت..
بعد هذا صارت المنشورات تصدر بتوقيع الأستاذ محمود حتى لا تترك موضعا لتساؤل المتسائلين.. وظل قسم الأمن العام في تردد وحيرة، إلى أن جاء يومٌ أقام فيه حزب الأشقاء ليلة سياسية بنادي الخريجين بالخرطوم.. وكانت لياليهم السياسية عبارة عن اجتماع يطلب فيه من أعضاء الحزب التبرع بالمال للوفد القابع بلكوندات القاهرة..
في ذلك اليوم شذ عضو حزب الأشقاء عثمان أبو بكر رجب على الطريق المألوف، فألقى خطابا ندد فيه بالإنجليز وأشاد بموقف الحزب الجمهوري، ذلك الموقف الصلب الذي يقفه تجاه الاستعمار رغما عن قلة أعضائه، ونقد تخاذل حزب الأشقاء الذي بلغت عضويته، في ذلك الوقت، سبعة عشر ألفا حاثا لهم أن يقتدوا بالحزب الجمهوري في ثورته بالغاصبين، وإثارته للشعب.. فاستدعاه البوليس للتحقيق معه، فأطاش هذا صواب لجنة نادي الخريجين بالخرطوم برئاسة الدكتور منصور على حسيب، فأسرعت تفند لمدير الخرطوم، وتتبرأ من عثمان أبو بكر، فأوصى إليهم مدير الخرطوم بفصله من النادي استنكارا لفعلته، ففعلوا!!
سمع الأستاذ محمود بهذه الفعلة السيئة فقرر الاتصال بلجنة النادي ليلفت نظرهم إلى الخطر المترتب على هذا التخاذل، فذهبت معه وقابلنا اللجنة وبصّرناهم بالموقف، وأوضحنا لهم أنهم قد طعنوا الحركة الوطنية كلها من الخلف بفعلتهم هذه.. وأن هذا الموقف سوف بجرّيء الإنجليز ويغريهم بالحركة الوطنية كلها.. ونحن، وإن كنا نخالفهم في المبدأ السياسي، إلا أننا نعتبر الحريات العامة هي العمود الفقري للحركة، وأن التهاون في انتزاعها من الإنجليز تهاون بالقضية الوطنية برمتها..
ومن أجل هذا، سوف نسير أمامهم في تأييد موقف عثمان أبو بكر وإسكات الحكومة بخطوات إيجابية اقترحناها لهم، حتى ننتزع تلك الحريات.. في مقابلتنا هذه لم نلتق بالدكتور منصور، فقابلنا الأخ حيدر موسى وآخرين فتخاذلوا وقالوا بالحرف:
" إن عثمان قال قولا لا يمكن أن نتحمل مسئوليته "!! فتركناهم، وذهبنا لأم درمان وقابلنا الأخ محمود الفضلي وزملاءه أعضاء لجنة حزب الأشقاء، فكانوا أكثر تخاذلا !!
قابل السيد أبو بكر رجب، والد عثمان، الأستاذ محمود وقال له:
" لقد علمت بسعيك يا أستاذ محمود، وهو سعي مشكور مني ومقدر.. وقد كنت وطدت العزم على أن أقابل أي عقوبة توقع على عثمان برحابة صدر وتفاخر، لأني كنت أعتقد أن عثمان إنما يؤدي ضريبة الوطن.. أما الآن، وقد فصلوه من النادي، وبعد هذا التخاذل والتنكر المشين، فإني أعتقد أن هذه الحركة الخائرة لا تساوي قلامة ظفر من عثمان، وسوف أسعى سعيي لخلاص ابني "..
ثم كانت قضية تطوع للدفاع فيها، عن عثمان، نخبة من المحامين من أصدقاء السيد أبو بكر رجب، أذكر منهم المحامي يونس نجم.. فاستبسل عثمان وتمسك بما قال، وانتهت القضية بأخذ كفالة بحسن السلوك على ما أظن..
أطمع موقف حزب الأشقاء هذا، الحكومة في الحزب الجمهوري، فأرسلت إلى الأستاذ محمود الخطاب أدناه:
طلب حضور لتهمة الإخلال بالأمن
أنظر المواد 81 و 84
إلى محمود محمد طه – مقاول بأم درمان
حيث أنه قد اتضح لي بما لا يدع مجالا للشك، بأنك قد قمت بنشر وتوزيع كتيب يثير الكراهية للحكومة، ويتسبب في الإخلال بالأمن، وأنك من المحتمل أن تكون قد ارتكبت ما من شأنه الإخلال بالأمن وإزعاج السلام العام، فإني أطلب إليك الحضور شخصيا إلى محكمة الجنايات في اليوم الثاني من شهر يونيو 1946م في الساعة 45-8 صباحا للتوقيع على كفالة بمبلغ 50 جنيه وإحضار ضامن ليوقع معك على ضمان بمبلغ 50 جنيه للمحافظة على الأمن، وأن تقلع عن هذه الأعمال التي ربما تتسبب في الإخلال بالأمن وإزعاج السلام العام لمدة عامين، أو توضح الأسباب التي تحول بينك وبين التوقيع على هذه الكفالة وإعطاء هذا الضمان..
تحرر في اليوم التاسع والعشرون من شهر مايو 1946م
و س مكدوال
قاضي جنايات الخرطوم