وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

من الأستاذ محمود في سجنه (1)


أخي أمين :
تحية لك ولإخوانك وشوقاً..
وبعد..
فهذا الجواب اتجاه موفق ما في ذلك شك والله أسأل أن يسدد الخطأ والخطى..
إدارة السجن مضطربة جداً لتحركاتكم وأصبح الحكمدار يحاول التودد بكل سبيل.. وأصبحت معاملتهم لي فيها كثير من الحذر الشديد، وقد أخبرني أنه جاء في عمل شيء ينقذ الموقف لأني مصر على ألا أقف لمدير الخرطوم وخلافه..
فسألني: أتعتقد أنك بوقوفك مع المساجين عند زيارة المدير تجعل من نفسك مجرماً معهم؟
فقلت: ذلك حق ولكنه ليس كل الحق.. فأني بوصفي رئيس حزب سياسي يناضل من أجل بلاده سيحط من الجهاد الوطني إن رضيت أن أقف لأي رجل إجلالاً له..
قال : ذلك معقول ، ثم فكر وقال: إنه يريد أن يجعل لي مقاماً خاصاً في السجن لأقيم فيه "وذلك لئلا تسري الروح هذه في المساجين"، فهم لا يرون أن يعترفوا للمسجون السياسي بأي حق..
إن الحكومة الآن تقبض على الجمر وتود بكل سبيل أن لو أمضي لها التعهد لتخرج من الحرج بغية الكرامة، لأنها تشعر أن ما ارتكبت من خطأ سيحيي الجهاد الوطني ويضعفها هي في نظر المجاهدين.. ومن المحقق أن الحكومة لا تريد أن تعترف بمكانة للسياسي السوداني، ولا للأحزاب السودانية.. وفرصة وجودي هنا ستخدم هذه النقطة بالذات خدمة لا حد لها، إذا استغل استغلالاً حسناً.. فأنا سأضغط على إدارة السجن، فلا أقبل أي معاملة أقل من معاملة المسجون السياسي، بأن أقيم في مكان مميز، وأن توفر لي وسائل الراحة والقراءة والكتابة، وألا ألبس ملابس السجن، وألا أُقيد إلا في الحدود التي تكفل للحكومة عدم نشر آرائي السياسية مثلاً، وان أُحترم من رجال البوليس والإدارة في كل هذه الحدود.. وهذه أشياء تؤذي الحكومة أبلغ الإيذاء، فأرى أن تطالبوا أنتم بها من الخارج، وبعدها تطالبوا بإطلاق سراحي، فإنه من غير المعقول أن تطلق الحكومة يدها في أعدائها كيف تري؟ وحيث ترى.. ذلك بأن رجال السياسة السودانيين هم عتاد البلاد وملكها، وأعداء الحكومة وحرب عليها.. ويمكنكم أن تحتجوا أكثر من هذا بأن تذكروا بأن الحكومة تستعين على أعدائها رجال السياسة الوطنية بالجراثيم، فإنها قد أدخلتني في زنزانة يسكن فيها مرضي السل، وكان بالقرب مني مريضان في الطور الأخير من المرض وقد منعت الماء في ليلة، فاضطررت لأخذ ماء الوضوء منهم ومن أزيارهم .. وقد كانا يحضران ويتحدثان معي جزءاً من الوقت، ويقفان عند باب الاودة، بكل حسن نية، وهما طليقان يقفان في كل مكان بالحوش من غير مراقبة مثلاً.. كل هذه أشياء تستطيعون أن تكبروها وتهللوا بها وتوجهوها إلى صدر الحكومة، وستطلق سراحي يوم أصبح متعباً لهم في الداخل وأنتم في الخارج.. وإني بعون الله وتوفيقه لن أمكث طويلاً هنا، ولكني سوف أخرج يوم أخرج والنضال الوطني مركز جداً بفضل مجهودكم في الخارج ومجهودي في الداخل..
طالبوا دائما وأقلقوا الحكومة دائما بكل ما ترون، بأن أخرج من السجن وأن أنزل في منزل مناسب وأن يلاحظ أني أجد كل الراحة التي أعيش عليها في منزل للحكومة على ألا يحرم على إلا الاجتماع وبث الآراء في الناس فقط.. فليس لها أن تضطرني إلى عدم القراءة، أو عدم النشاط الجسماني أو إبعاد مكتبتي عني...الخ ألخ
هذا هو الطريق لإخراجي من السجن وللكسب للحركة الوطنية، وللغض من كبرياء الحكومة، وإياكم أن تفكروا أو يفكر أي مواطن في أن تساعدوا الحكومة على الخروج من المأزق، في أن تفكروا في أن أمضي لها التعهد بأي حال من الأحوال، لأن في ذلك انتصارا لها وهي، كما قلت، قابضة على الجمرة فاضغطوا يدها عليها فإنها بذلك ستنفضها لكم..
البيان الرسمي الذي صدر خطأ كله، وركيك، وملفق فانتقدوه بكل حرارة.. وجهوا كل جهادكم إلى التشهير بهذا المسلك في الداخل والخارج، فأنتم بذلك تكسبون للجهاد الوطني أولا، وللحزب الجمهوري ثانيا كسبا لا يمكن الحصول عليه بأي شكل آخر.. نحن لا نرمي في جهادنا للوطن ولكن الله يرمي، فثق أنه سيخرجني من هنا في وقت قريب وقد رسخ قدمكم، وأخذتم جريدتكم وتأسستم، واضطرت الحكومة لاحترام القضية الوطنية..
إن صحتي قد تأثرت كثيرا، ومن الضروري خروجي من السجن ولكن بأن ننتصر للقضية الوطنية وللحزب.. فإذا خرجت بإمضاء فإن الحكومة لن تخطيء مرة أخرى مثل هذا الخطأ، والمسجون السياسي التالي سيأتي لنفس السجن ويعامل نفس المعاملة بدون أن تكون هناك فرصة سانحة كهذه، لتحسن موقفه..
واضطرار الحكومة لاحترام مسجوني الرأي حق في العالم أجمع، وأعتقد بكل إخلاص أن واجب مدافعة الحكومة في موضوعنا هذا، هو واجب كل من يزعم أنه يشتغل للوطن الآن، فاعقدوا الخناصر ..
والله المستعان ولن يضيع أعمالنا..
المخلص
محمود محمد طه