إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..
الأستاذ محمود في الذكرى الثانية والعشرين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (١٠)
خالد الحاج عبد المحمود
الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته
المثـاني:
الوحدة هي أصل الوجود الأول والأساسي، والثنائية هي أصله الثاني، فهي تنتظم جميع مظاهر الوجود الحادث، يقول تعالى: ((ومن كل شيء خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون)).. ويقول ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون)).. فالوجود الحادث في جميع مستوياته يقوم على الثنائية.. فالأكوان ثنائية والإنسان ثنائي.
ومن الجانب الآخر، القرآن أيضاً يقوم على الثنائية، فهو كله مثاني، وفي ذلك يقول تعالى: ((الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله..)) .."مثاني" يعني ذو معنيين، كل آية فيه، وكل كلمة وكل حرف، له معنيان.. وأمر المثاني من أهم مفاتيح فهم القرآن، التي لا يمكن أن يفهم من غيرها.. ونحن هنا سنذكر بعض أسباب كون القرآن مثاني، والحكمة في ذلك، كما سنذكر بعض أوجه المثاني الأساسية:
1. إن السبب الأساسي في كون القرآن مثاني هو أنه خطاب من الرب في عليائه إلى العبد في الأرض، وهو بذلك خطاب من حضرة إطلاق، إلى مستويات قيد تتنزل في أوقاتها إلى مستوى القيد في اللغة الذي يفهمه الرجل العادي الذي يفهم اللغة العربية، يقول تعالى: ((حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربيا لعلكم تعقلون * وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم..)) ولقد سبق لنا أن أوردنا الآية، وقلنا عن عبارة "وانه في أم الكتاب لدينا.."، لدينا تعني عند الذات في إطلاقها، ومن لدن الذات تنزل القرآن في المنازل المختلفة، حتى صب في قوالب اللغة العربية، لعلة أن ندرك نحن الذين ندرك عن طريق اللغة، فالمثاني هنا، معنى بعيد عند الذات، ومعنى قريب عند العبد، وما يدركه العبد، لا يمكن أن يكون هو كل ما عند الرب، ولكن العبد ندب ليسير من مستوى ما نزل إليه، حسب طاقته، إلى مستوى ما عند الرب، وذلك بزيادة طاقته في الإدراك، وهذا أمرٌ السير في مضماره سرمدي لا انتهاء له، فمهما علم العبد عن الله من القرآن، يظل ما يجهله أكبر ما يعلمه بما لا يقاس، وعلى ذلك فإن المثاني طبقات من المعاني لا انتهاء لها.
2. ومن المثاني، ذات الأهمية في فهم القرآن: الشريعة والحقيقة.. واستخدام الكلمتين هنا استخدام اصطلاحي.. فالشريعة.. تعني ما يتمشى مع ظواهر الأشياء أو مع الإرادة البشرية، والحقيقة ما يقوم على أصل التوحيد.. وللاصطلاحين مقابل من اصطلاحي الظاهر والباطن.. فالقرآن يساير وهم الحواس، ووهم العقول، ويعبر عن الأشياء كما تبدو في الظاهر، ريثما يتم تجاوز الوهم إلى الحقائق التي وراء الظاهر - الباطن - فإذا كان الظاهر، حسب البديهة المعاشة يعطي أن الأرض مسطحة، فإن القرآن يجاريه فتجئ آيات مثل قوله تعالى: ((والله جعل لكم الأرض بساطاً)) نوح آية (19) فإذا تم تجاوز وهم الحواس، تم الانتقال إلى الآيات التي تفيد أن الأرض ليست مسطحة إلا في ما يعطيه ظهر البديهة المعاشة، القائمة على النظر المجرد، وإلا فإنها حسب ما تعطيه إدراكات العقول فهي كروية، فتجئ الآيات التي تفيد ذلك مثل قوله تعالى: ((والأرض بعد ذلك دحاها)) النازعات آية (30).
ولما كانت الشريعة تقوم على اعتبار أن للبشر إرادة بالترك والعمل، فإن القرآن في مستوى الشريعة يقوم على اعتبار هذه الإرادة، فيجئ قوله تعالى مثلاً: ((لمن شاء منكم أن يستقيم)) فيفهم العبد أن له إرادة أو مشيئة بالاستقامة أو عدمها، فيعمل في العبادة والمعاملة، بمقتضى هذه المشيئة، فإذا جود العمل في العبادة والمعاملة، طالعته الحقيقة، المتمثلة في قوله تعالى: ((وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين))، فيعلم أن إرادته في الحقيقة هي مظهر لإرادة وراءها هي إرادة الله، فإذا لم يشأ له الله أن يستقيم، لا يستطيع هو أن يستقيم من عنده، متجاوزاً المشيئة الإلهية.. ففي البداية يكون العابد محجوباً بإرادته عن إرادة الله، فيحجب بـ ((لمن شاء منكم أن يستقيم)) عن ((وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)) أي يحجب بالشريعة عن الحقيقة، وفي هذه الحالة تكون العبادة عمل من العبد للرب، وبعد تجويد التوحيد يدرك العبد أن أي شيء لا يبدأ منه تعالى، لا يمكن أن يبدأ منا نحن، فحتى عبادتنا هي منه إليه، وعندما يشاهد العبد أن كل شيء منه تعالى، يتضاءل اعتماده على عمله، فيؤدي العمل في تجويد، ويكون نظره للفضل، وراء العمل، وليس لمجرد العمل.
3. ومن أهم مفاتيح فهم المثاني في القرآن، والتي يعتمد عليها فهم القرآن، وفهم الدين كله، أمر العبادة والعبودية، وهذا أمر يتمشى مع حديثنا السابق عن الشريعة والحقيقة، والظاهر والباطن.. فتكليفنا الأساسي هو العبودية لله، عن طريق وسيلة العبادة، يقول تعالى: ((وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون)).. "ليعبدون" ظاهرها عبادة، وباطنها عبودية، يعني ما خلقتهم إلا ليعبدوني كما أمرتهم على لسان رسلي، ليكونوا عبيداً لي كما أمرتهم على لسان عزتي، حين قلت: ((إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً)).. وهو نفس المعنى، الوارد في سورة الفاتحة، في قوله تعالى: ((إياك نعبد، وإياك نستعين)).. "فإياك نعبد" عبادة.. "وإياك نستعين" عبودية.. و"إياك نعبد" ظاهر "وإياك نستعين" باطن.. ونحن في بداية الأمر نكون محجوبين بالعبادة عن العبودية، ثم إذا جودنا العبادة، يتضح لنا أنها وسيلة للعبودية - والعبودية لله هي الحرية المطلقة، كما سنبين في موضوعه - فالعبادة جسد والعبودية روح هذا الجسد - فكل "إياك نعبد"، في الظاهر، ينبغي أن تقوم على "وإياك نستعين" في الباطن.. والشريعة والحقيقة، ينبغي أن يقوما معاً وفي نفس الوقت.. ففي الشريعة الحقيقة موجودة، وفي الحقيقة الشريعة موجودة، ولا تنفك.
وفاتحة الكتاب - أم الكتاب - هي السبع المثاني المشار إليها في الآية ((ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم)) الحجر آية (87) فآياتها سبع آيات، وكل آية لها معنيان، والسورة في جملتها مقسمة بين العبادة والعبودية.
4. ومن المثاني الهامة، في القرآن والتي تتمشى مع موضوع الشريعة والحقيقة، موضوع الأمر التكويني والأمر التشريعي.. فالأمر التكويني يقوم على الحقيقة، وإليه تشير الآيات مثل قوله تعالى: ((إنا كل شيء خلقناه بقدر، وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)).. وقوله تعالى: ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)).. ومن آيات الأمر التشريعي، مثلاً، قوله تعالى: ((وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء، أتقولون على الله مالا تعلمون؟)) وقوله تعالى: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون)).. وعلى الأمر التكويني يقوم الإسلام العام، وعلى الأمر التشريعي يقوم الإسلام الخاص - إسلام العقول - ونحن لنا إلى الإسلامين عودة.. وفي الشريعة لا حساب إلا على الفعل الإرادي، في حدود طاقة الإنسان ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)).. وفي الحقيقة حتى حديث النفس محاسب عليه ((وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله..)).
5. داخل الإنسان وخارجه يقومان على الثنائية.. فالإنسان مكون من نفس ومن روح، وله عقل وله قلب، وجوارحه وحواسه ثنائية، وكذلك خطاب القرآن له، وإدراكه هو للقرآن يقوم على هذه الثنائية في تكوينه، فعندما يقول تعالى مثلاً "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد" فالذكرى حسب الآية للقلب في المكان الأول ثم للعقل في المكان الثاني فقوله تعالى (أو ألقى السمع وهو شهيد)، يعني استمع وهو حاضر الذهن.. وهذه إشارة للعقل.. فالقلب هو منطقة الإدراك الوتري، والعقل منطقة الإدراك الشفعي.. والإدراك الشفعي هو منطقة الحق، وهي منطقة ثنائية، فالحق ضده الباطل.. والإدراك الوتري هو منطقة الوحدة، منطقة حقيقة، والحقيقة لا ضد لها.
6. وهنالك القرآن المكي والقرآن المدني، والاختلاف بينهما ليس فقط في مكان وزمان النزول، وإنما هنالك اختلاف أساسي في مستوى الخطاب.. فالقرآن المكي يقوم على المسئولية، في حين أن المدني يقوم على الوصاية.. والقرآن المكي أقرب للتوحيد من المدني، وعليه يقوم عمل النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، ولذلك هو أصول القرآن، في حين أن القرآن المدني هو تنزل لمستوى الأمة في القرن السابع الميلادي وعليه يقوم تكليفها، وهو دون مستوى القرآن المكي، ولذلك هو فروع القرآن.. والقرآن المدني ناسخ للقرآن المكي في حق الأمة.. والناسخ والمنسوخ من الوجوه الهامة في فهم القرآن، وهذه الأمور سنفصل فيها لاحقاً.
7. إن أمر المثاني في القرآن هذا، هو من أهم مفاتيح فهم القرآن، وعليه يقوم الدليل الأساسي على أن إمكانات القرآن المعرفية، والتشريعية، لم تستنفد، وهنالك الكثير منها مدخر لمستقبل البشرية، وهذا المدخر من إمكانيات فهم القرآن هو الذي به ينتظر للبشرية أن تحقق إنسانيتها، وهو الذي جعلنا نقول أن العهد الذهبي للإسلام أمامنا.. فالعهد الذهبي أمامنا لأن إمكانات القرآن المعرفية والسلوكية والتبشير ببعثها أمامنا.