إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الأستاذ محمود في الذكرى الثانية والعشرين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (١٠)

خالد الحاج عبد المحمود


الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته



ومقام الاسم هذا الذي إليه تنزل القرآن، أول ما تنزل في جملته، هو أول قابل لتجليات الذات الإلهية، فهو أول الخلق.. وقد قال المعصوم، عن أول الخلق، في حديث جابر المشهور: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر..) .. فالذات المحمدية، هي أول قابل لتجليات الذات الإلهية، وهي التي بها برز المحدود من المطلق، وهي في عالم الملكوت، وإليها الإشارة بقوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).. فالحقيقة المحمدية هي مقام أحسن تقويم، وهي مقام الإنسان الكامل، الذي عنه تمت الردة إلى أسفل سافلين (ثم رددناه أسفل سافلين).. وأسفل سافلين هذه، هي أبسط صور التجسيد في المادة.. ثم انتدب الإنسان ليسير من مقام "أسفل سافلين" إلى مقام "أحسن تقويم"، وهذه هي وظيفة الدين الأساسية، وهي تحقيق مقام "أحسن تقويم" الذي ظل في عالم الملكوت، عالم الأرواح، في عالم الملك، عالم الأجساد، وبتجسيد هذا المقام تتحقق إنسانية الإنسان.. فالإنسان مشروع، بدأ من أسفل سافلين، في أبسط صور تجسيد المادة، ثم أخذ يتبلور عبر المسيرة الطويلة والشاقة، في التطور، الذي توجهه فيه، وترعاه، الإرادة الإلهية المتفردة، في مسيرة، كل شيء فيها بمقدار موزون.. وها هنا يكون لقاء الأكوان بالإنسان والقرآن.. فهذه الأشياء الثلاثة، ليست سوى شيء واحد، منظور إليه من زوايا مختلفة.. فالأكوان هي الإنسان في صيرورته من أسفل سافلين إلى أحسن تقويم، والقرآن بين دفتي المصحف هو قصة الإنسان معبر عنها باللغة العربية، فالقرآن هو كتاب الإنسانية جمعاء، لأنه سيرة الحياة جمعاء .. "هذا الكتاب هو قصة النفس البشرية الخالدة في الجوهر، المتقلبة في الصور المختلفة، في الأزمنة المختلفة، والأمكنة المختلفة.. فلم يمر عليها زمان قط، لم تكن فيه في مكان ما، تبحث عن الخلود.. تريد أن تكون خالدة في الصور، كما هي خالدة في الجوهر.. وهيهات.
هذه القصة الطويلة هي قصتي، وقصتك، وقصة كل فرد بشري، ولكنا جميعاً نسيناها.. ومعنى أننا نسيناها، أنها رسبت في العقل الباطن، ثم غطت عليها طبقة كثيفة من الأوهام والمخاوف، التي ورثناها من عهود الجهل والخرافات.. وليس لنا إلى السعادة من سبيل إلا بكسر هذه القشرة الكثيفة التي أحكمت سبكها، وافتنت في حياكتها، يد الخرافات، والأوهام، والمخاوف، التي حجبت صور العقل الباطن، من أن تنعكس على صفحة العقل الواعي، فتستجلي بانعكاسها، الحقيقة الكبرى- حقيقة الحقائق المحجبة بستائر الأنوار...".
فالذات التي في القرآن، هي الذات المحمدية - الإنسان الكامل - فالقرآن إنما يتحدث عن هذه الذات في المكان الأول.. أما الذات الإلهية الصرفة فهي فوق العبارة وفوق الإشارة، ولا يكون القرآن صفة لصرافة الذات إلا عند التناهي، حيث ينقطع التعبير، وينبهم الكلام، وينتهي الأمر إلى ما وراء الحروف التي تفتتح بها بعض السور مثل "الم".. و"كهيعص" و"يس" إلى آخر ما هنالك مما لا تحمله اللغة.
وموضوع الإطلاق، والتنزل إلى مرحلة القيد، بالنسبة لله، هو الذي يحدد معاني التنزيه والتشبيه، والقدم والحدوث.. فالذات الإلهية قديمة، ومنزهة تنزيهاً مطلقاً، فهي تتعالى عن كل وصف أو عبارة، أو إشارة، وفي ذلك يجئ قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين) الصافات (180-182).
"سبحان ربك رب العزة عما يصفون" تعني تنزه الله في ذاته عن كل وصف، و"سلام على المرسلين" تعني أن خير من وصف الله هم المرسلون، لأنهم وصفوه بما وصف به نفسه، وفق ما تقتضيه حكمته في التنزل ليعرف، ومن هنا يأتيهم السلام.. وفي هذا المعنى يجئ قول المعصوم: (تفكروا في مخلوقات الله، ولا تتفكروا في ذاته، فتضلوا).. فذات الله لا يحيط بها الفكر، لأنها مطلقة، والفكر محدود، ولأنها وحدة، والفكر يقوم على الثنائية، ولذلك قيل "كل ما خطر ببالك فالله - من حيث ذاته¬ - بخلاف ذلك"!!
لقد ورد عن السيدة عائشة قولها في حق النبي صلى الله عليه وسلم "كانت أخلاقه القرآن".. والقرآن هو أخلاق الله، ولكنه هو أخلاق الله في مستوى التنزل إلى مقام الاسم، وهذا هو المستوى الذي يصبح فيه وصف بشر، بأن أخلاقه هي القرآن، أما الإطلاق فلا مقام فيه لأحد من الخلق، وفي هذا الإطار تجئ الوصية النبوية: (تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على صراط مستقيم).. والوصية القرآنية: (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون) فأخلاق الله هنا هي مستوى التنزل إلى الاسم، وهي القرآن.
نخلص مما تقدم إلى أن هنالك ثلاثة صور للقرآن، فهنالك القرآن في صورته الخلقية، وهو الأكوان جميعها، وهذا هو كلام الله الحقيقي.. وهنالك القرآن الحي، وهو الإنسان، خلاصة الأكوان وصفوتها، وهذا هو التعبير الأكمل عن كلام الله، والصورة الثالثة هي القرآن اللفظي كما هو بين دفتي المصحف، وهذه الصورة هي تعبير عن طريق اللغة عن المستويين الأولين، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد).. فآيات الآفاق هي الأكوان، وآيات النفوس هي الإنسان، وهذه الأخيرة هي حقيقة القرآن وموطن إعجازه.. فالاختلاف بين آيات الآفاق، وآيات النفوس كالاختلاف بين الإنسان والأكوان.. فالإنسان في الحقيقة هو الكون الأكبر، وجميع العوالم هي الكون الأصغر.. والأكبر والأصغر هنا بالطبع ليست باعتبار الحجم، وإنما باعتبار القيمة.. يقول تعالى، في الحديث القدسي: (ما وسعني أرضي ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن).. والسعة هنا سعة علم، وليست سعة مكان، وهذا ما جعلنا نقول أن حقيقة القرآن في التنزل هي العلم المطلق، وهي الإنسان، فالعلم المطلق في الإنسان، في حالة كمون، ولا يفتر منه إلا في الزمان والمكان، وما يكون في الزمان والمكان هو النسبي.. فالإنسان هو مقصود الله بالأصالة، وهو موضع نظره إلى خلقه.. والأكوان جميعها هي مقصود الله بالحوالة، وهي مطية الإنسان، ووسيلة سيره إلى ربه - إلى كماله - وإنما يأتي شرف الأكوان من الإنسان الذي إليه صيرورتها.. فليس في الكون الحادث، سوى الإنسان، في طور من أطواره.. وشرف القرآن إنما يأتي من أنه تعبير عن الإنسان، ووسيلة إلى تحقيقه، يقول تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم).