إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..
الأستاذ محمود في الذكرى الثانية والعشرين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (١٠)
خالد الحاج عبد المحمود
الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته
الثالوث القرآني:
القرآن بين دفتي المصحف هو كلام الله، يقول تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك، فأجره، حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه..) التوبة (6).. وكلمة (كلام) كلمة واضحة في اللغة، فهي تشير إلى أصوات ذات دلالة اصطلاحية، تخرج من الحنجرة.. ولكن عندما تضاف كلمة (كلام) إلى اسم الجلالة (الله) يحدث تحول أساسي فيها، ويمتنع فيها التعريف الذي أوردناه آنفاً، من عدة وجوه، وهذا الامتناع أمر لا تعطيه مجرد اللغة، وإنما هو أمر يقتضيه التوحيد.. فالله تعالى، لا يتحدث بجارحة، وحديثه ليس مثل حديثنا، أصوات تنسل من الحناجر، عن ذلك تعالى الله علواً كبيراً!! إذن فما معنى (كلام الله)؟ وبأي معنى، يكون القرآن، بين دفتي المصحف، هو كلام الله؟
فكون الله تعالى لا يتحدث بجارحة، أمر واضح، ولكن أبعاده ومقتضياته ليست واضحة عند كل الناس، الأمر الذي يقتضي الحديث عن (الله) وعن صفة الكلام بالنسبة له.
الله تعالى، ذات، صرفة، مطلقة، وهو من حيث ذاته، يتسامى عن كل قيد، وعن كل عبارة أو إشارة، لأن كل عبارة أو إشارة إنما هي قيد، وتفيد صورة من صور التحديد، عنها تتعالى الذات الإلهية.. ولكن الذات الإلهية لكي تعرف، لابد أن تتبدى في صورة من صور القيد، لان العقول التي بها المعرفة، لا تدرك إلا ما هو مقيد، واللغة لا تعبر إلا عن ما هو مقيد.. فالذات الإلهية، لكي تعرف، تنزلت إلى مرتبة الاسم (الله) وكانت هذه هي مرتبة أول قيد، ومنها تم التنزل إلى مرتبة الصفة، ثم إلى مرتبة الفعل.. وفي مرتبة الفعل ظهر الخلق .. وصفة الكلام هي الصفة السابعة من الصفات النفسية السبع، وهي: الحياة، العلم، الإرادة، القدرة، السمع، البصر، والكلام.. وقد جاء القرآن، يحكي هذه التنزلات، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: (وقرآنا فرقناه، لتقرأه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلاً..) الإسراء (106).. وقد كانت النزلة الأولى إلى مقام الاسم (الله)، حيث نزل القرآن جملة.. والقرآن كله، في أي تعبير محدد ومحدود ـ وكل تعبير باللغة، أو في مستوى إدراك العقول هو محدد ومحدود ـ هو في حق التنزل لمقام الاسم، وليس له حظ من الحديث عن الذات الإلهية المطلقة، إلا الإشارة التي تتسامى عن كل قيد تقتضيه اللغة، أو يقتضيه إدراك العقول.. وبعد أن نزل القرآن إلى مقام الاسم مجملاً، نزل مفرقاً في المقامات التي تليه.
ولما كان الله تعالى، لا يتكلم بجارحة، فكلامه تعالى، في الحقيقة خلق.. "فكل ذرة من ذرات الوجود، المنظور لنا، وغير المنظور، غازاته، وسوائله، وجماداته، ونباتاته، وحيواناته، وحشراته، وانسه، وجنه، وملائكته، وأنواره، وظلماته، كل ذرة من ذرات هذه الأجساد، كلمة من كلمات الله.. والله متكلم بكل هذه الألسن"... فالقرآن تنزل من مقام الجمع إلى مقام الفرق، أولاً في صورته الخلقية، ثم جاءت صورته اللفظية مؤخراً جداً، بعد ظهور الإنسان العاقل المكلف، وظهر ذلك في أوضح صوره مع ظهور آدم النبي، ثم اكتملت صورة هذا القرآن، في صورته اللفظية - في صورته النهائية - بما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأستقر بين دفتي المصحف.. وعلى ذلك يكون القرآن ثلاثة صور، أولها الصورة الخلقية، وهي تمثل كلام الله في الحقيقة.. والكلام في هذا المستوى ليست له بداية وليست له نهاية، وإنما الله تعالى فيه متكلم سرمداً، وكلامه تعالى صفة قائمة بذاته، هي عند التناهي ليست غير الذات.. وكإشارة إلى إطلاق القرآن، في حقيقته، يجئ قول الله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، ما نفدت كلمات الله.. إن الله عزيز حكيم..) الزخرف(61).. أو قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مدداً) الكهف (109).. فالقرآن بين دفتي المصحف، صورة لفظية للقرآن في صورته الخلقية.. وقد تنزل القرآن في صورته اللفظية للتيسير، ولعلة أن ندرك نحن الذين لا ندرك إلا عن طريق عقولنا، وإدراك العقول يقتضي أن يكون الخطاب عن طريق اللغة، وهذا معنى قوله تعالى: (حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) الزخرف (1-4) .. فالقرآن صب في قوالب اللغة العربية، لعلة أن نعقل نحن، وهذا معنى قوله تعالى (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون).. فهو جعل عربياً بعد أن لم يكن كذلك.. فالقرآن في حقيقته ليست له لغة، وإنما هو علم الله المطلق.. وحقيقة القرآن هذه هي، في (أم الكتاب) وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: (وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم).. وكلمة (لدينا) تعني عند الذات.. (فأم الكتاب) هي في الحقيقة ذات الله، ثم هي في تنزل مقام الاسم، حيث نزل القرآن جملة، كما سبق أن أشرنا.