بسم الله الرحمن الرحيم
"وما يستوي الأعمى والبصير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا المسىء!! قليلا ما تتذكرون"
صدق الله العظيم
المقدمة:
قصدنا من إصدار هذا الكتاب، أن نتجه به الى المشاركة الفكرية، من أجل حل الأزمة الأخيرة، التي مرت بها الجامعة الإسلامية، حول قضية الاختلاط، المطروحة اليوم أمام الشعب السوداني، راجين لكتابنا هذا، ان يوفق في مهمته، وأن يؤدي دوره كاملا في مواجهة المشكلة بالرأي الثاقب، وبالدراسة الموضوعية الهادفة..
تقوم قضية الاختلاط المتنازع عليها على بعدين اثنين، يتمثلان: بين اصرار الطلبة والطالبات، على التعليم المختلط، اسوة بالجامعات الأخرى، وبالمعاهد العليا في البلاد من جهة، وبين إصرار الجامعة على نبذ الاختلاط، لتعارضه مع الشريعة الاسلامية من الجهة الأخرى..
هذه هي صورة الخلاف الذي استغلق حتى أدى الى قفل الجامعة، ونحن في هذه المقدمة، لا نملك أن نفصّل في الرأي، بقدر ما نحن نتجه الى الاجمال، الذي نرجو أن يجد بيانه وتفصيله في الصفحات المقبلة من هذا السفر، ومن هذا القول الذي نجمله في هذه المقدمة، نستوقف القارئ ليتأمل معنا، للمرة الثانية، كيف جاءت عبارة إهدائنا لهذا الكتاب: -
((يهدى هذا الكتاب لطلاب وطالبات،
"الجامعة الإسلامية"، كما يهدى لأشياخها!!
فهو للطلبة يقول: -
إن مطالبتكم بالاختلاط مطالبة عادلة، تمليها
روح، وحاجة العصر، وتسندها وتحققها، أصول
الدين..
ولكن، قبل المطالبة بالاختلاط، عليكم أن تطالبوا
بتطبيق هذه الأصول.. ثم عليكم بممارسة العبادة التي
باتقانها وحدها، تملكون القدرة، على حسن
التصرّف في حرية الاختلاط.. حسن التصرّف في
حرية الاختلاط هو ثمن حرية الاختلاط..
وهو للأشياخ يقول: -
ان محاولتكم إرجاع عجلة التاريخ الى الوراء،
مكتوب عليها الفشل، والخسران..
فلماذا تصرّون على تطبيق أشياء خلّفها الزمن،
ولا يرضاها الدين الحق؟؟
ثم انكم فارقتموها، أنتم قبل غيركم؟؟
"أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم"؟؟
))
وهذا يعني أن الاسلام اليوم غائب، ولا وجود له الاّ في المصحف، وان المسلمين ليسوا على شىء من دينهم، الا ما تعلّق منه بالقشور، دون اللباب، وأنه ليس هناك من سبيل، لبعث الاسلام، ولترشيد طاقات الحياة الجديدة في هذا القرن العشرين الاّ إذا أدرك "المسلمون" أن بعث الاسلام لا يجئ عن طريق "الشريعة" التي اعلنت قصورها في مواجهة تطلعات، وطاقات الحياة المعقدة الجديدة، اعلنته بخروج الناس عنها، وبنصولهم عن ضوابطها! وإنما يجئ ببعث "السنّة" المطّهرة التي تستطيع، في قدرة وفي كفاءة، استيعاب، وتوجيه طاقات الحياة الجديدة نحو غاياتها العليا، وفي هذا المعنى يحدثنا الاستاذ محمود محمد طه في كتابه: "تطوير شريعة الاحوال الشخصية" الصفحة العاشرة، بقوله:
((السبيل واحد.. لا سبيل غيره.. بعث "لا إله إلا الله" قوية، خلاقة في صدور الرجال، والنساء، كعهدنا بها يوم خرجت من منجمها، في القرن السابع، في الوسط العربي في مكة، وما جاورها.. ونحن، من أجل ذلك، نبشر بهذا البعث.. وندعو إليه، في معنى ما نبشر بتطوير الشريعة الإسلامية، بإرتفاعها من النصوص الفرعية إلى النصوص الأصلية.. فأما النصوص الفرعية فهي الآيات المدنية التي اعتبرت صاحبة الوقت في القرن السابع.. واعتبرت من، ثم، ناسخة للآيات المكية.. وأما النصوص الأصلية فهي هذه الآيات المكية التي اعتبرت يومئذ أكبر من قامة المجتمع.. فلم يقم عليها التشريع.. واعتبرت في حقه منسوخة.. وأرجئت إلى أن يجيء وقتها.. وعندنا أن وقتها الآن قد جاء بمجيء هذا المجتمع البشري المعقـد، الذكي، ذي الطاقات العلمية، والفنية، والثقافية والإجتماعية التي لا يمكن أن تقارن بطاقات مجتمع القرن السابع، بحال من الأحوال
))..
هذه هي صورة البعث، والتي ليس للإنسانية عنها غنى، ولا مندوحة.. فإذا أراد الطلبة نصرة قضيتهم فليتجهوا بها هذا الاتجاه، وليسلكوا بها هذا السبيل، ليكونوا أهلا لمسئولية الاختلاط، وليقنعوا، بسعة علمهم، وحسن أخلاقهم، وقوة شخصياتهم، معارضي الاختلاط.. ألاّ يفعلوا يهزموا قضيتهم، ويؤخروا عقارب الساعة للوراء.. والأمر أيضا هكذا بالنسبة لإدارة الجامعة واساتذتها، الذين عليهم أن يعلموا ان شططهم في منع الاختلاط لا يجد ما يبرره اليوم، ولا سيما بعد أن اضحت كل ظروف، ومناشط الحياة، تقوم على الاختلاط.. في البص، وفي التاكسى، وفي الدكان، وفي السوق، وفي المستشفي، والى آخر ما يمكن ان يرد تحت هذه القائمة من أوجه المناشط الحيوية في بلادنا.. بل ليس أدل على هذا من موقف الجامعة نفسها، اذ تخطت حدود الشريعة وارتضت لأساتذتها مخاطبة طالباتها، والاختلاط بهن، في قاعات الدراسة، الأمر الذي يعتبر خروجا مؤكدا على الشريعة، كما جاء في الحديث:
((عن ام سلمة رضي الله عنها، أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وميمونة وفي رواية "عائشة" قالت فبينما نحن عنده اقبل ابن ام مكتوم، فاستأذن عليه، وذلك بعد ان امرنا بالحجاب.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إحتجبا منه، فقلنا يا رسول الله: أليس هو أعمى لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان انتما، ألستما تبصرانه؟؟
))
وعليه فلا بد للاساتذة ولإدارة الجامعة من التريّث في هذا الأمر، وأن تكون دعوتهم الى تنظيم الاختلاط بدلا من مقاومته، وأن يتجهوا بقضيتهم الى تأمين مخاطره واضراره، في هذه المرحلة من تاريخ جامعتهم، حتى ينشأ سليما ومعافي، من عيوب السلوك، التي أيفت بها كثير من المجتمعات المعاصرة.. ثم إن هناك أمرا هاما، نحب أن نسوقه بين يدي هذه المقدمة.. ذلكم أن هذه الحياة المعقدة، الصاعدة، المتطورة، المختلطة، ليست من صنع الشيطان، وانما هي صنع الله، وحكمته، ليخرج الناس من الظلام الى النور.. وهذا التقرير ان صح – وهو صحيح – يعني بالتحديد الواضح أن الخروج على الشريعة في أمر الاختلاط، وفي غيره من الأمور، قد تم بارادة الله التي لا تخطىء، والتي عندها كل شىء موزون، بقدر مقدور، وبحساب دقيق، وبناء عليه فان الأمر يحتاج الى كثير من التأنى، والى كثير من اطالة النظر.. ولهذا السبب، فان اعراف المجتمعات دين، ما لم تتعارض مع مراد الدين.. ومراد الدين كرامة الانسان، وكرامة الانسان سبيلها الحرية، ومن أجل الحرية لا بد من الدخول في القيد.. فمراد الدين اذن ليس في الثوب المسدول، ولا في الباب المقفول، وإنما هو في العفة، التي لا بد لها من ممارسة حرية السفور، وحرية الاختلاط.. وفي هذا الباب يحدثنا الاستاذ محمود محمد طه في كتابه الرسالة الثانية صفحة 131 حديثا رصينا، تحت عنوان: الحجاب ليس أصلا في الاسلام، قائلا: -
((والأصل في الإسلام السفور.. لأن مراد الإسلام العفة.. وهو يريدها عفة تقوم في صدور النساء والرجال، لا عفة مضروبة بالباب المقفول، والثوب المسدول. ولكن ليس إلى هذه العفة الغالية من سبيل إلا عن طريق التربية والتقويم. وهـذه تحتاج إلى فترة انتقال لا تتحقق أثناءها العفة إلا عن طريق الحجاب، وكذلك شرع الحجاب..
))..
ومن ههنا يتضّح ان تشريع الحجاب، الذي قامت عليه الشريعة ليست كلمة الدين الأخيرة، وإنما هو تشريع مرحلي، أملاه حكم الوقت، المتمثل في عجز المخاطبين عن القيام بمسئولية السفور.. أما اليوم فان الأمر جد مختلف.. وهو يحتاج الى إعادة نظر في أمر الشريعة، وفي أمر تطويرها الى امام، حتى تستوعب حاجة، وطاقة انسانية هذا الثلث الأخير من القرن العشرين.. وهذا لا يعني بالطبع، وقبل ان يوضع تشريع الأصول المرتقب موضع التنفيذ، ان يترك الأمر على ما هو عليه، وانما المطلوب ان يشرّع في المرحلة، وفي سبيل تأمين نهضة الاخنلاط، من القوانين، ما يعين على تنظيمها، وعلى السير الثابت في مراقيها.. هذا هو السبيل، ولا نرى غيره، الاّ الطوفان..