مهزلة محكمة الردة:
لقد أسمينا تلك المحكمة: (مهزلة محكمة الردة) ذلك أنها لم تقم إلا على الكذب والجهل والنفاق وهي قد سارت في التأريخ سبة يلاحق عارها كل من أسهم فيها في التخطيط أو التنفيذ .. بل ان عارها ليعلق حتى بالذين صمتوا عن إدانتها وكشفها .. فهي لم تكن مشرفة قط لأي أحد ينتسب للدين والثقافة في هذا القرن العشرين الذي خلف وراءه ظلام القرون الوسطى وما كان يصيب الفكر والمفكرين من المهانة ومن التقتيل .. إذ كيف يستقيم عقلاً ودينا في أخريات هذا القرن أن تنعقد محكمة لتكفر المفكرين ولتقرر حرق كتبهم ومعاقبة حاملي فكرهم بمثل ما فعلت تلك المحكمة المهزلة التي انعقدت في الخرطوم يوم الإثنين 18/11/1968 تحت اسم محكمة الخرطوم الشرعية العليا وبرئاسة قاضي الأحوال الشخصية توفيق أحمد صديق ..
خلفية المهزلة:
إن تلك المهزلة لم تنشأ في فراغ ولا هي قامت بعفوية وإنما وراء قيامها تأريخ طويل من مواجهة الفكر الجمهوري للطائفية وللأحزاب السلفية التي دبرت قيام تلك المحكمة لتسكت بها صوت الجمهوريين ولتتخلص من مواجهتهم لها وكشفهم لزيفها وتضليلها لشعبنا .. فاستغلت القضاة الشرعيين لتنفيذ هذه المكيدة السياسية الرخيصة. ولقد كان الفقهاء القضاء الشرعيون عبر التأريخ وفي كل البلاد الإسلامية مطمعاً للحكام لإفتائهم بما تهوى أنفسهم وكانوا مطايا لهم لتحقيق أغراضهم السياسية ومصالحهم الدنيوية فلم تكن إذن محكمة الخرطوم الشرعية العليا ولم يكن قاضيها ولا رئيس القضاة ولا المفتي بدعا وإنما هم قد قاموا بدورهم الطبيعي الذي أهلهم وأعدهم له وضعهم التاريخي وحظهم الضحل من ثقافة العصر ومن العلم بحقائق الدين .. وقد بدأت مواجهة الجمهوريين للإستعمار وللطائفية ولأحزابها السلفية ولمن يسمون (برجال الدين) منذ عام 1945 عندما نشأ الحزب الجمهوري لأول مرة .. فهو موقف مبدئي من هؤلاء جميعاً ، فلذلك فهم دائماً منزعجون من الجمهوريين.
ويحسن أن نسوق هنا أمثلة موجزة لموقف الجمهوريين هذا .. في عام 1945 خاطب الجمهوريون الأحزاب السياسية بمنشور جاء فيه: (يا جماعة الأشقاء ويا جماعة الأمة أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية أيها القادحون قادحات الإحن فيما بين أبناء الأمة ايها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة ايها المرددون النغمة المشئومة – نغمة الطائفية البغيضة ، إنكم لتوقرون أمتكم وقرا يؤودها. يا هؤلاء وهؤلاء أنتم تلتمسون الحرية بالإنتماء للمصريين فتتمسكون بأسباب رمام وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الإنجليز فتتهيؤون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام .. أنتم تريدون إبقاء المصريين وأنتم تريدون إبقاء الإنجليز فاذا اجتمعت كلمتكم فإنما تجتمع على إبقاء المصريين والإنجليز معاً ..)
وفي عام 1946 كان الجمهوريون يستغلون منابر المساجد لإثارة الحماس الوطني ، والديني ضد الإستعمار حتى ان ثورة رفاعة قد انطلقت من المسجد عقب خطبة قوية من الأستاذ محمود محمد طه ..
في تلك السنة اوعز الإنجليز لمفتي السودان ان يصدر فتوى بعدم جواز الحديث في السياسة في المساجد ففعل حيث قال: (إتصل بعلمنا ان بعض الخطباء والواعظين في المساجد خلطوا في خطبهم ووعظهم بين الدين والسياسة وهذا لا يصح في المساجد التي انشئت لعبادة الله تعإلى) إلخ ..
فأصدر الجمهوريون في مواجهة هذه الفتوى منشورا جاء فيه: (قيل ان الخطابة حرمت في الجوامع إلا لأغراض دينية فنرجو أن تسألوا المفتي ما هي الأغراض الدينية التي يراها؟؟ أهي الحض على الصلاة والنذير لمن لا يصومون؟ هذا شيء يعرفه كل مسلم وهو يخص مجالس العلم حيث يتلقى الناس تعاليم دينهم الأولية أما الخطبة فهي لأغراض لا نحسب ان حضرة المفتي يجهلها فما بال مفتينا يحرم علينا مـا أمـر الله به أن يفـعل؟ إن الدين لا يـأمر بالتخاذل والرضا بالذل والهوان ..) انتهى.
ولقد استمر الجمهوريون في مواجهتهم للطائفية واحزابها وللدوائر الدينية السلفية ولذلك اتجه كل هؤلاء إلى تدبير المكيدة السياسية (مهزلة محكمة الردة) ظناً منهم انهم بذلك يستطيعون إطفاء جذوة الفكر فخاب ظنهم ورد الله كيدهم في نحرهم.