بسم الله الرحمن الرحيم
(فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار)..
صدق الله العظيم
المقدمة:
إن كتابنا هذا إنما يصدر ليذكر القراء بمرور ثلاثة عشر عاماً على محكمة الردة تلك المحكمة التي قامت في مثل هذا اليوم 11/18 من عام 1968 ، حين خيل العقل المريض للبعض إن الفكر يمكن أن يكون جريمة تفصل فيها المحاكم..
وبالطبع فإن محكمة كهذه لم تكن محكمة بأي المقاييس أخذتها ، وهي كذلك لم تكن من الشريعة في شيء ، وإنما كانت مهزلة وكيداً سياسياً رخيصاً اتخذ (القضاة الشرعيين) فيه السياسيون الفاشلون الفاسدون ، مطية لتحقيق أغراض الطائفية فخابوا جميعاً..
نحن وليقيننا بالله ثم بأمرنا الذي يزداد كل يوم، لم نأبه لتلك المحكمة بل اعتبرناها اشارة صريحة لتصعيد نشاطنا ولتكثيفه وأنها جاءت لتمحيص فكرنا وتمييزه عن الغثاء والهذر الذي كان ولا يزال يعلن باسم الدين وفي ربوع هذا البلد الآمن .. ولذلك أعلنا في كتابنا الأول عن محكمة الردة ان يوم 18/11/68 (قد دخل التاريخ أنه يؤرخ بداية تحول حاسم وجذري في مجرى الفكر والسياسة والاجتماع – في مجرى الدين – في هذه البلاد إن شاء الله).
كما إننا كنا نعلم إن موازين القوى الحقيقية لا مكان فيها إلا للحق وأن قضاة وفقهاء تلك المهزلة ومن خلفهم من سياسيين لم يكونوا من الحق في شيء وأن الباطل وإن تدثر باسم الشريعة فهو زاهق زاهق .. ولذلك لم تكن تلك المحكمة إلا تجسيداً ، وتصديقا لرأينا القديم في (القضاء الشرعيين) كما يطيب لهم أن يسموا أنفسهم .. وهي قد اعطتنا مادة جديدة ومثلا صارخاً إستفدنا منه في توعية شعبنا المحب للدين ليميز بين الدين وبين من يسمون (برجال الدين) فيصمهم هم بتخلفهم ويبريء منهم ساحة الدين، وفي توعية (القضاء الشرعيين) أنفسهم وتعريفهم بحقيقتهم التي خفيت عليهم وعلى الناس تحت الألقاب الدينية الفضفاضة، الجوفاء .. إذ أنهم هم آخر من يتحدث عن الدين لو بقيت لهم بقية من حياء .. وفي متن هذا الكتاب تجدون نص منشورنا الأول الذي صدر غداة محكمة الردة .. وهو يكفينا في هذه الذكرى العابرة ..
ثم أننا نحن لم نأبه لمحكمة الردة ولم نقم لها وزناً إلا لأنها تصور وتجسد مصير العقلاء الأحرار إن آلت امور الناس في غفلة من الزمن إلى أمثال أولئك الأشياخ وتشير إلى المستقبل المظلم الذي يبيت لهذا البلد وللدين باسم الشريعة وباسم الدستور الإسلامي .. ولذلك ظللنا نقف عند تلك المهزلة كل عام ليرى الشعب مدى الهوان الذي كان يمكن ان يحيق بالفكرة وبحرية الأحرار ، وباقدار الرجال إن قدر للجهل أن يسود وللهوس الديني أن يستعلن وكيف أنه لا عاصم من هذا المصير الأسود إلا بالتسلح بالفهم الديني الصحيح الذي يصون عقولنا من التبعية ويحضنا من أن نستغل بإسم الدين وليسحب البساط من تحت أقدام أدعياء الدين وليضعهم في موضعهم الحقيقي كأكبر عقبة أمام عودة الدين تلك العودة التي تستند على الفهم الذي يقوم على أصول القرآن التي وكدها كرامة الإنسان، وكفالة حريته، لأنها طريق إنسانيته .. ولكل ذلك فإن وقفتنا مع ذكرى محكمة الردة اليوم إنما هي لإشارتها الدامغة لتخلف وجهل قضاة الأحوال الشخصية .. وقد أوردنا في متن هذا الكتاب نماذج وعينات تؤكد مستوى تخلف وجهل قضاة الأحوال الشخصية، وتجسد تخلف قانون الأحوال الشخصية ومدى بعده عن روح الشريعة، وعن قامة العصر وعن الإنسانية مما يبرر وبصورة كافية كما سنرى ضرورة تعليق قانون الأحوال الشخصية الحاضر وتصفية قضاة الأحوال الشخصية تصفية تامة وصياغة قوانين جديدة للأحوال الشخصية من الدين مباشرة تقوم على أصول القرآن على أن يطبق هذه القوانين القضاء المدني الحاضر بعد ترشيده وإعادة صياغته من جديد ..