الفصل الثالث
ميلاد السودان
استقلال السودان هو ميلاد السودان، لأن بهذا الاستقلال، قد أخذ السودان يتجه إلى تحقيق ذاتيته.. وقد كان استقلالا سياسيا لم يكتمل معه، يومئذ الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال الاجتماعي.. وهما لمّا يكتملا حتى اليوم، وإنما هما يسيران نحو الاكتمال.. واستقلال السودان يمثل بداية تحرّر السودان الذي سيهيئ للسودان أن يقوم برسالته الأساسية في تحرير الشعوب!! فالسودان صاحب رسالة نحو البشرية، تمليها عليه طبيعة تكوينه الجغرافي، والعرقي، والثقافي، والاقتصادي، والأخلاقي، والروحي!! رسالة السودان نحو البشرية، في جوهرها رسالة روحية!! فنحن نزعم أنّ السودان سيكون هو الأرض التي سيتم على أديمها (وهو الشعب الذي سيتم على يديه) ذلك البعث الروحي الأكبر المصحوب بمجيء المسيح المحمدي، وبقيام جنة الأرض!! نحن نزعم أن السودان سيكون هو الموطن الجديد لهجرة محمد الروحية، وذلك حيث تحيا سنّته، وتحقق حقيقته.. نحن نزعم أنّ الفكرة النظرية لذلك البعث الإسلامي الأكبر إنّما تجد التجسيد التطبيقي لها في السودان.. هل نحن بذلك نغالى في إبراز دور السودان أو ننطلق من تعصب له، أم أننا نستند إلى شواهد موضوعية؟؟ إليكم هذه الشواهد..
السودان موطن آدم الثاني:
إفريقيا هي موطن آدم الأول (الإنسان الأول)، ممّا قد يكشف العلم المادي أو يعجز عن كشفه، ولكنها الحقيقة التي يعطيها العلم الروحي.. فإنّ آدم، وحواء، أسمران، كما يدل على ذلك اسماهما المشتقان من الأدمة، والحوّة، وهي السمار، وهي لون السحنة الإفريقية، وبخاصة السحنة السودانية.. وإفريقيا، كذلك، هي موطن آدم الثاني (المسيح)، وذلك عودة إلى أصل الخلق الأول (كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنّا كنّا فاعلين) والمسيح آدم السحنة، كآدم الأول.. قال النبي: (بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر يهراق رأسه ماء، قلت: من هذا؟؟ قالوا: ابن مريم!!) ثم إنّ السودان إنّما هو روحيا، وجغرافيا، قلب إفريقيا... قال النبي: (يا عمر تعال فاسمع ما قد انزله الله: (ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين)، ألا وإنّ من آدم الىّ ثلة، وأمتى ثلّة، ولن نستكمل ثلّتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له) (ابن كثير) الجزء الرابع، تفسير سورة الواقعة.. فأمة محمد، وهي البشرية كافّة، حيث بعث للناس كافّة، لا يتم كمالها إلاّ بالسودان!! كما قال المسيح: (الحجر الذي أباه البناءون صار حجر الزاوية)!! فلعل إفريقيا، بقلبها، السودان، تنهض، النهضة الروحية الكبرى التي تسبق بها سائر القارّات، وتتزعمها.. والسودان، بعد، مولد النيل، حيث يقع في قلبه، مجمع النهرين (الأبيض، والأزرق) – إشارة للروح، وللنفس، حيث يكون بمجمعهما كمال التكوين الإنساني.. وقد جاء في حديث المعراج: (فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسلّم عليه، وردّ عليه آدم، فقال: مرحبا، وأهلا يا بنى، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين، فقال ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما).. فقيمة النيل قيمة روحية، لها ثمراتها المادية... ثم إنّ الدعوة إلى ذلك البعث الروحي الأكبر إنّما قد نشأت في السودان، قبيل استقلاله، حتى لكأنها ولدت مع ميلاد السودان... لذلك فنحن نزعم أنّ السودان هو موطن آدم الثاني (المسيح)..
السودان والتعايش بين الإسلام والمسيحية:
وللإسلام والمسيحية على أرض السودان تمازج تاريخي ترك بصمته على التكوين الروحي للفرد السوداني.. وهاتان الديانتان إنّما تتعايشان في السودان بصورة من الإسماح الديني، والإخاء الوطني لا نظير لها في الشعوب.. ممّا يرشحه إلى ذلك البعث الروحي الأكبر..
السودان والموروث الصوفي:
والإسلام إنّما دخل السودان أساسا عن طريق الصوفية ممّا ترك بصمته، أيضا، على الشخصية السودانية في شتى عناصرها فطبعها، أيضا، بروح الإسماح، والتطّلع إلى معرفة أسرار الدين، والنزوع إلى التربية الفردية.. ممّا يرشحه لذلك البعث الروحي الأكبر..
السودان والتكوين العرقي المتفرّد:
والسودان قد جمع فضائل العنصر العربي وفضائل العنصر الأفريقي... ومعلوم أنّ الأصول العربية للسودانيين عريقة النسب، بل هي شريفة النسب، أيضا، كما أنّ أصوله الإفريقية ذات عراقة، وأصالة، مشهودتين.. ولذلك اكتسب السودانيون من هذا التمازج العرقي فضائل الكرم، والشجاعة، والصدق، ممّا يميزهم عن سائر الأمم، ومما هو مشهود به من سائر الأمم.. هذا الموروث من أصائل الطباع الموروث، المحفوظ، للسودان، إنّما هو يرشحه لذلك البعث الروحي الأكبر..
السودان والتكوين الثقافي:
والسودان يتميز بانفتاحه على الحضارة مع احتفاظه بعنصره الفطري... والإسلام في بعثه الروحي الأكبر المنتظر إنّما هو (دين الفطرة).. ثم إنّ السودان قد عرف الفقر، ولا يزال هو في عداد الدول الفقيرة، ممّا أنضج شخصيته، ومرّس أبناءه على روح المجالدة، وزودهم بحصيلة التجربة، وفتح أمامهم فرص العلم، حتى لم يعد هناك خوف من أن يفسدهم الغنى الذي هم موعودون به، كما أفسد بعض الشعوب حين وجدها جاهلة خاملة..
السودان والتكوين الإداري:
السودان باتساع رقعته الذي جعل منه قطرا قاريا، وبتنوع ثقافته، وبيئاته، وقوميات، إنّما يصلح، بحق لأن يكون الأنموذج المصغّر للحكومة العالمية، وذلك بنظامه الإداري المركزي... والحكومة العالمية هي من أكبر أهداف ذلك البعث الروحي الأكبر..
السودان والطاقة والغذاء:
والسودان يعد مخزونا طبيعيا من الغذاء لا بد أن يلجأ إليه العالم لسد حاجته من الغذاء وهو يواجه خطر المجاعة الماثل.. كما أنّ مخزونه من المعادن، والطاقة والغذاء (المادي)، كما أوتى الطاقة والغذاء (الروحي)، كناية على لقاح المادة والروح على أرضه، وهذا (الاكتفاء)، وهذه (القدرة) المادية والروحية ممّا يرشحه لذلك البعث الروحي الأكبر..
العناية الإلهية بالسودان:
ولقد عوّد الله تعالى السودان عنايته به، ووصل هذه العادة، في ماضية، وحاضره، وبصورة تدل على أنّ تلك العناية إنمّا تعده لأمر ما، ليس هو دون مستوى ذلك البعث الروحي الأكبر.. أمّا تاريخه فزاخر بومضات جلية لتلك العناية... فالمهدية قد أبعدت النفوذ المصري عن السودان، وقلّمت من أظافر الأطماع المصرية فيه.. وكانت المهدية، على أي حال، مظهرا لغيرة السودانيين على الدين، ممّا جعل الاستعمار الإنجليزي، الذي خلفها، حذرا بالنسبة لدين هذه الأمة، متحفظا بالنسبة لأعراضها، وأعرافها.. ثم إنّ يد العناية الإلهية قد قيضت للسودان الاستعمار الانجليزي، وهو استعمار يتمتع بأخلاقية نسبية، فلم يطمس شخصية هذه الأمة الثقافية، أو يؤثر على تكوينها العرقي، كما فعل الاستعمار الفرنسي، مثلا، بمستعمراته.. وقد رأينا كيف جاء استقلال السودان كأثر من آثار ثنائية الاستعمار.. والحكمة من دور طائفتي الأنصار والختمية، في هذا الاستقلال، إنما كانت لإحداث التوازن في الحركة الوطنية، فيجئ الاستقلال ثمرة لهذا التوازن.. ثم إن عناية الله بهذا الوطن قد اتصلت فوقته شر الزحف الشيوعي المجتاح، والذي سقطت ضحيته دول من جيراننا، كما وقته شر الحرب الأهلية المستطير الذي تكتوى به دول من أشقائنا، لا تختلف ظروفها عن ظروفنا كثيرا.. ولقد حفظ الله تعالى هذه البلاد ذات الموروث الصوفي العريق، والقيم الإسلامية الرفيعة، في وجه موجات الهوس الديني التي تجتاح العالم الإسلامي اليوم، فأحبط مؤامرة (الدستور الإسلامي المزيف)، وأبعد الطائفية عن السلطة، ولا يزال يخيّب مسعى دعاة التفكير الديني المتخلف في داخل البلاد، وخارجها، إلى إقامة نظامهم على أرضها.. ثم إنّ أكبر العناية بهذا البلد الأمين أن تبرز فيه الدعوة إلى ذلك البعث الروحي العظيم – وهي الفكرة الجمهورية، وأن تعيش بين ظهرانيه، وأن ينشأ عليها مجتمع صغير، داخل المجتمع السوداني الكبير، وهو يحي السنة النبوية، بأخلاقه، وبفكره، فتتسع دائرته، يوما بعد يوم، ويلتقى فكره بالواقع يوما بعد يوم، ويكسر الحواجز بينه وبين الشعب يوما بعد يوم، برغم تيار التشويه المنظم الذي يعارض هذه الدعوة، وهو يملك ما لا تملك من وسائل الإعلام، ويجد ما لا تجد من الدعم المادي (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره، ولو كره الكافرون).. فالسودان على موعد مع هذا البعث، وهو يسير بخطى ثابتة، وواضحة نحوه، لا ينتكس ولا يرتد، ولا يتراجع، بإذن الله تعالي.. هذه هي رسالة السودان الأساسية التي ينبغي أن يتفطّن إليها السودانيون، فيلتزموا بها، ويلزموها، ويوظفوا كل طائفة في سبيلها، وينصرفوا عن كل شاغل سواها.. ثم إنّ هذه الرسالة هي التي فيها وحدها حل أزمة الأخلاق التي إليها ترد كل الأزمات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.. (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)..