خاتمة:
إن طريق السودان ليس هو طريق الحضارة الغربية – الطريق العلماني.. فإن هذا الطريق مقفول لأنه أهمل القيمة الأخلاقية، فانبنى على القيمة المادية وحدها.. والطريق العلمي الصحيح هو الطريق المفتوح على الإطلاق، والذي ينبني على أن (الدنيا مطية الآخرة) – أي أن حياة المعدة والجسد وسيلة لحياة الفكر والشعور، أي أن الإنسان هو سيد الآلة، لا خادمها كما عليه الحضارة الغربية..
العلمانية والعلمية:
البيئة الطبيعية هي مظهر الله – هي علم الله تجسد!! فالذات الإلهية في ظهورها لتعرف تنزّلت إلى العلم، ثم إلى الإرادة، ثم إلى القدرة حيث تجسدت.. ولقد توصل العلم الحديث (العلم المادي)، بعد الكشوف والتجارب الذرية، إلى أن المادة، طاقة معلومة الخصائص مجهولة الكنه، فظهرت بذلك حدود هذا العلم، وظهر عجزه، فأخذ يعلن بلسان حاله (مقصودكم أمامكم)، وهو لا يدّعى الحق، ولا القدرة على تخطّى حدوده، وهي العلم بخصائص المادة دون كنهها.. هنالك أعطت هذه الآية مظهرها: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا!!) أما العلم (الروحي) فيقرر أن الطاقة هي إرادة الله، وإرادة الله، لدى التناهي، هي الله، فالتقى العلم والدين على خير وجوه الوفاق بعد جفوة مفتعلة..
ومن ثم فإن (العلمانية)، وهي النظرة التي تقوم على منهاج العلم المادي، وحده، ليست (علمية) كما أن (الروحانية)، وهي النظرة التي تقوم على المنهاج الروحي، وحده، فتغفل القيمة المادية، إنما هي، أيضاً، ليست (علمية).. أما (العلمية) فهي النظرة المزدوجة التي تجمع بين المادة، وما وراء المادة.. وعلمها هو العلم، وما عداه علم ناقص.. هو العلم لأنه العلم بالله الذي هو جوهر المظاهر المادية والروحية.. قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد؟؟) فآيات الآفاق إشارة إلى المادة وآيات النفوس إشارة إلى الروح، وقوله (أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد؟؟) إشارة إلى المزاوجة بين المادة والروح، وهي العلم.. وما الحياة بمقتضى هذا العلم إلا العبودية لله، (الرضا بالله) التي يحرز بها الإنسان حريته الفردية المطلقة حيث تبدأ بانعتاقه من استرقاق العناصر..
العلمانية ليست علمية.. هي علم، ولكنه العلم بظواهر الأشياء، دون بواطنها، أما العلمية فهي العلم بظواهر الأشياء، وبواطنها، في آن معاً.. قال تعالى عن زيف النظرة العلمانية (وعد الله!! لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة، هم غافلون).. فقد اثبت لهم علماً هو العلم بظاهر الحياة الدنيا، ونفى عنهم العلم بظاهر الحياة الدنيا وباطنها، معاً.. وذلك إعجاز القرآن في المعرفة، والتعبير، معاً..
المسيح الدجال!!
والعلمانية، كما تمثلها الحضارة الغربية، وبخاصة شقها الماركسي وبما أنها تفقد تلك النظرة المزدوجة التي تجمع بين المادة والروح، إنما هي عوراء!! وأي نظرة تعجز عن التوحيد بين هذين المظهرين، حتى لو ادّعت لنفسها الإسلام، إنما هي أيضاً عوراء!! لكأن العلمانية هي المسيح الدجال!! والذي حذر منه النبي الكريم بقوله: (إن الله لا يخفى عليكم، وإن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه، وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى).. قوله (إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى) يشير إلى النظرة العلمانية التي تقتصر على العلم المادي، وحده، وعلى الحياة الدنيا وحدها.. وقد ذكر (الله) في مقابل المسيح المحمدي هو صاحب اسم (الله) الأعظم.. كما أنه وصف (الله) بكمال العينين، وقال (إن الله لا يخفى عليكم)، مما يشير إلى أن اسم (الله) الأعظم إنما يتجسد في الصورة الإنسانية الكاملة.. والمسيح الدجال، في هذه الدورة من الحياة التي نستقبل فيها جنة الأرض، إنما يظهر في صور الدعاوي الباطلة التي تلبس لبوس الحق، والتي لن يكون لها حظ التمكين في هذه الدورة، حيث يقضي المسيح، بظهور كمالاته المذهلة، على كل دجل (دعوة) في كل نفس!! أما ظهور الدجال في تلك الخلقة البشرية الشائهة، بعينها العوراء، فسيكون ظهوره بعد الحكم الألفي، وقبيل القيامة الكبرى، حيث سيكون له تمكين، وقد تراجعت الفهوم، وانحطت القيم، وآل الأمر إلى الغابة والحيوانية..
المسيح المحمدي الخليفة على العوالم:
ذلك (العلم) المحيط، الجامع، إنما يتحقق في دورة هذه الحياة على يد المسيح المحمدي.. وهو إنما يبلغ مقام الخلافة على سائر العوالم: الملكوت، والبرزخ، والأرض (الدنيا والآخرة)، بانتصاره على الزمن وبقيامه في لحظة تكاد أن تكون خارج الزمن، هي اللحظة التي تحقق له فيها الاستقامة الكبرى في اللحظة الحاضرة، فتكون تلك الاستقامة مقامه (تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم)، حيث يكون هو أكبر من يمكث في اللحظة الحاضرة، وأكبر من يجمع فيها العوالم الثلاثة، إذ أنها هي أصل الزمن الذي صدرت منه هذه العوالم.. تلك الاستقامة هي مطلوب كل العباد المجودين، ولهم منها حظوظ بقدر بلائهم، وما اتخذوا الزهد إلا ليفرّغوا بالهم من جولانه بين الماضي والمستقبل بفعل الخوف ليعيشوا تلك اللحظة.. وتلك (الساعة) بما يبرز فيها من كمال (الإنسان) إنما تفجأ كل نفس، وتذهلها، فيحدث لكل نفس حظ من التوقف الفكري، به تحقق كمالها الذي هو حظها من كمال الإنسان الكامل، إذ بكماله كل النفوس تكمل.. ثم أن جنة الأرض إنما هي صورة للمزاوجة بين الدنيا والأخرى، إذ أنها صورة مصغرة للجنة الكبرى.. والصورة الأخرى المقابلة لصورة مجيء المسيح هي صورة رفعه من الأرض، وهي أيضاً صورة للمزاوجة بين الدنيا والأخرى.. فقد أطلع هو، اطلاعا يقينا، على حقائق ما بعد الموت، وعاشها، فلم يعد يحتاج الموت، والذي ليس هو إلا رفع حجاب الغفلة عن حقائق الأخرى (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد).. مات الموت المعنوي، على تمامه فما يحتاج الموت الحسي (موتوا قبل أن تموتوا) وهكذا يجئ المسيح (الخليفة) بالعلم بحقائق الدنيا والآخرة، مجسداً ومعاشاً بين الناس.. ذلك بأنه هو خليفة الذات على سائر العوالم (إذ قال ربك للملائكة أنى جاعل في الأرض خليفة).. فكأن آدم النبي مشروعاً نحو (الخليفة).. والخليفة هو (الوكيل)، وهو إنما يخلف الذات الإلهية في تدبير الوجود، وفي سوقه.. وعن معنى هذه الخلافة قال عمر ابن الخطاب للناس (إن الله جعلني بينه وبينكم وأمرني أن اقضي حوائجكم فمن كانت له حاجة فليرفعها تقض إن شاء الله).. والفعل الإلهي في الوجود إنما يجري على سنة هذه الخلافة والوكالة، فإنما يوكل إلى الملائكة قبض الأرواح، وإجراء الرزق، وإحصاء الأعمال، وتعذيب الفجار، ونصر الأبرار.. ثم إن (الخليفة)، مما يلي الخلائق موصوف بصفات العظمة لأنه مدبرها المستغنى عنها (كالقاهر، والمهيمن) وهو مما يلي الذات موصوف بصفات الحاجة (كالمؤمن، والشاكر) لأنه محتاج إليها، ومتوسل بها، وناقص الكمال بإزاء كمالها المطلق..
السودان هو موطن البعث الروحي الأكبر:
السودان، بخصائصه الطبيعية، والأخلاقية، وبأثر العناية الإلهية في حفظه، وتسديده، إنما هو مرشح ليكون موطن ذلك البعث الروحي الأكبر.. حتى في مستوى ما آل إليه حال المسلمين اليوم في بعدهم عن منابع دينهم، وفي تفريطهم في لباب هذا الدين، وتمسكهم بقشوره، فإن السودان متميز، ومتفرد بينهم ببقية من الدين، والأخلاق، برغم تيار الحضارة الغربية الجارف.. فلابد أن يكون السودانيون، وبخاصة مثقفوهم، ومسئولوهم، في مستوى المسئولية عن مصير هذا البلد المرتبط ارتباطاً عضوياً بذلك البعث الروحي.. وليعلم (رجال الدين) من الفقهاء، ومشايخ الطرق، وليعلم أصحاب الدعوات الإسلامية، أن ما ندعوهم إليه إنما هو، في جوهره، طريق محمد، صلى الله عليه وسلم، وذلك حتى تعاش السنة النبوية بغير زيادة، أو نقصان وحتى تنقدح في أبناء هذا البلد الأنوار الروحية التي تعدهم لحدث البعث الأعظم.. إن أيّ إبطاء في الأخذ بهذه الدعوة، أو أي معارضة لها، أو أي انصراف إلى دعوة أخرى سواها، إنما هو تعويق لذلك البعث، أقله انه محبط للأعمال (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب، وهو يدعى إلى الإسلام، والله لا يهدي القوم الظالمين)..