الفصل الثاني
ميلاد المسيح
المسيح النبي الإسرائيلي الذي بعث في بني إسرائيل إنما هو صورة للمسيح المحمدي الذي سينزل ويقيم جنة الأرض.. المسيح الإسرائيلي قبس من المسيح المحمدي، وليس إياه – هو تنزل منه، كما أن آدم، وسائر الأنبياء تنزل من الحقيقة المحمدية (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقة من تراب، ثم قال له كن فيكون).. ثم إن العيسوية مقام قامه النبي في معراجه، مقاماً ملكوتياً، ثم حققه بانتقاله، تحقيقاً برزخياً، وهو إنما قد أخذ من برزخه يمد أولياءه من آل بيته، من عطاء هذا المقام، حتى يخرج منهم رجلا تربى على نهج النبوة المسدد، واستمد من نور الولاية المفاض، فاستعد منه المكان لتلقي هجرة محمد الروحية، من برزخه، وهو يحي سنته، ويتشرب شمائله، كما عبر عن ذلك القرآن بقوله (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد!!) فالمسيح محمدي، عرقياً، وروحياً.. والمسيح النبي نفسه إنما بشر بمجيء المسيح المحمدي..
توحيد الثالوث الإسلامي:
لقد بعث موسى إلى مجتمع قريب عهد بقانون الغابة، ولذلك دعته التوراة إلى مجرد العدل (النفس بالنفس، والعين بالعين) وكادت أن تقتصر عليه.. فجاءت تشاريع التوراة، في طرف البداية، مما يقابل الغلو في المادية.. ثم جاء المسيح النبي بتشريع يشد الناس إلى طرف النهاية، كرد فعل مقابل لما كانت عليه الحياة يومئذ من الغلو في المادية، فقام الإنجيل على الغلو في الروحانية، بصورة هي أقرب إلى الوصايا الخلقية المعلقة فوق ذلك الواقع البدائي.. ولذلك قال المسيح لتلاميذه (سمعتم أنه قيل عين بعين، وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً).. وذلك مما احتاج إلى مجيء محمد بالإسلام، وسطاً بين طرف الغلو في المادية، والغلو في الروحانية فجمع القرآن في سياق واحد بين خصائص اليهودية، وخصائص النصرانية بقوله (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا، وأصلح، فأجره على الله.. إنه لا يحب الظالمين).. فالإسلام، بذلك، إنما يتجافى عن مستوى البدائية التي وجدت عليه اليهودية الناس، ثم هو في نفس الوقت، يضع المنهاج الذي يجعل وصايا المسيح الأخلاقية ممكنة التطبيق.. وعلى ذلك يتم توحيد الثالوث الإسلامي: اليهودية، والمسيحية، والإسلام..
وكذلك جاء الإسلام برسالتين: رسالة أولى في طرف البداية هي مما يلي اليهودية (القرآن المدني)، ورسالة ثانية في طرف النهاية، هي مما يلي النصرانية (القرآن المكي).. الأولى قامت على الوصاية، والثانية على الحرية.. وسيجيء المسيح المحمدي فيطبق الرسالة الثانية من الإسلام في قمة تتوج مرحلة العقيدة من كل الأديان، فتلتقي عندها كل الأديان، حيث الإسلام (دين الفطرة) – (الفكر المستقيم، والقلب السليم) ــ التي يلتقي عندها كل البشر..
الحاجة إلى مجيء المسيح:
الحاجة إلى مجيء المسيح (الإنسان الكامل) (المخلص) إنما هي حاجة حياتية شديدة الإلحاح... هي الحاجة إلى مرحلة السلام... وقد فشلت البشرية، في صورة أنظمتها، وفلسفاتها، عن التخلص من رواسب عهد الغابة حيث القوة هي التي تصنع الحق، وتتقاضاه، فالقهر السياسي، كما يمثله النظام الشيوعي، يسلب البشرية حريتها، والقهر الطبقي، كما يمثله النظام الرأسمالي، يحرم البشرية فرص رخائها، والتفرقة العنصرية، والتمييز الجنسي، ينتهكان الكرامة البشرية.. ورواسب الحضارة من الرفض، والعنف والهوس والقلق، تسلب البشرية أمنها.. وقد انقسمت الكرة الأرضية، اقتصاديا، إلى نصف شمالي غنى، والى نصف جنوبي فقير.. وانقسم المجتمع البشرى إلى معسكرين، هما في سباق محموم للتسلح، سعيا وراء إحراز التفوق العسكري، أو توازن القوى... وهما يستهلكان موارد البشرية المحدودة استهلاكا طاحنا على حساب رخائها المادي... وخطر الحرب الثالثة النووية ماثل وملح... وهكذا فإن الحاجة إلى المسيح هي الحاجة إلى السلام - وهي حاجة حياتية للنوع البشرى نفسه..
أمّا مجيء المسيح (كإنسان كامل) فإنما يدل على حتميته سهم تطّور الحياة البشرية الصاعد من مستوى المادة الصمّاء، إلى مستوى المادة الحيّة، إلى الحيوانات الدنيا، إلى الحيوانات الثديية، إلى الحياة البشرية، وذلك ممّا يدل على انفتاح هذه الحياة، في اتجاه اطّراد التطوّر على حياة أكمل، وأكثر إنسانية، هي حياة الإنسان..
ثم إنّ هذه الحياة البشرية، وهي تسير وفق قانون طبيعي محكم (الإرادة الإلهية)، بادي الغائية لابد أن تبلغ مداها، وهو الحياة الكاملة فلن يكون قصارى تطورها إلى هذا الطور الذي يزخر بشتى عناصر النقص.. ثم إنّ هذا الطور نفسه مهدد بالانقراض في حرب عالمية نووية ما لم تنكسر حلقة التوتر الراهنة بحدث (حياتي) شامل في مستوى مجيء الإنسان الكامل، به يتم التواؤم بين الحياة البشرية، وهذه البيئة الجديدة..
ثم إنّ الدين، من حيث هو دين، لا يمكن أن يواجه تحدى الحياة المعاصرة، بكل حضارتها المادية، وإفرازاتها العلمانية إلاّ في مستوى حدث روحي كمجيء الإنسان الكامل، وذلك بين يدي منهاج علمي لحل مشكلات هذه الحياة في السلام، والرخاء، ولإقامة الحكومة العالمية على قانون العدل، والمرحمة.. فلا يمكن أن يكون قصارى ما انتهت إليه التجربة الدينية هي ما آل إليه أتباع الأديان اليوم من انحطاط خلقي، وانحراف ديني... فلا بد أن تكون للدين قمة تتوحّد عندها البشرية، وتحقق بها تطلّعاتها، وأشواقها، لا سيما والأديان نفسها مبشّرة بهذه القمّة، وبهذا الحدث..
البشارة النبوية بمجيء المسيح وبقيام جنّة الأرض:
قال النبي الكريم: (لن يخزي الله امّة أنا أولها وعيسى ابن مريم آخرها) وقال: (يكون عيسى بن مريم، في امتّى حكما عدلا، وإماما مقسطا، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة، ولا بعير، وترفع الشحناء، والتباغض.. وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها) وفى الحديث إشارة واضحة إلى مجيء المسيح لتطبيق الرسالة الثانية من الإسلام حيث (يضع الجزية، ويترك الصدقة)، و(تضع الحرب أوزارها) وذلك بنسخ آيات الوصاية، وإحكام آيات الحرية.. كما أنّ في الحديث إشارة لمجيء عهد الاشتراكية وعهد الوفرة، حيث تنسخ آية الصدقة، وهي آية رأسمالية ملطّفة وتحكم آية الاشتراكية (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) ... والإشارة كذلك، إلى حلول السلام، وتوحيد البشرية، ماثلة..
وكما يعم الرخاء والسلام الأرض، كذلك يرفع إصر العذاب عن أهل الأرض، وعن أهل البرزخ، معا... وذلك حيث يحبس إبليس في النار ألف عام مدة هذه الجنّة فيفدى به المعذبون في القبور، فيعتقون من العذاب، ويكف ضلاله عن المنعّمين في تلك الجنّة، فلا يضلون... وذلك كما يحدث للشياطين في رمضان، قال النبي: (إذا كانت أول ليلة من رمضان صفّدت الشياطين، ومردت الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنّة، فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وللّه عتقاء من النّار، وذلك في كل ليلة)..
وعتق المعذبين من نار القبور إنّما هو صورة لعتق المعذبين من النار الكبرى، ذلك بأن العذاب في النار أبدي له وقت ينتهي فيه، وليس سرمديا، لا ينتهي، والحكمة منه تعليمية هي لتخليص الكفّار من كفرهم، واضطرارهم إلى الإيمان... ففي رواية عن الحسن، عن عمر بن الخطاب قال النبي: (لو لبث أهل النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه) ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: (لابثين فيها أحقابا)، وقال ابن القيّم: (وحسبك بهذا الإسناد جلالة، والحسن، وان لم يسمع من عمر، فإنما رواه من بعض التابعين، ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به وقال: قال عمر بن الخطاب) – (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) الجزء الثاني، الصفحات 171/172) وقال النبي أيضا: (يأتي على النار زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد) – (الحافظ) في (تخريج أحاديث الكشّاف) (الجزء الرابع، صفحة 87 رقم 194(
المسيح اسم الله المجسّد:
المسيح إنما سيجيئ تجسيدا لاسم الله الأعظم، كما هو تأويل قوله تعالى: (هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، والملائكة، وقضى الأمر، والى الله ترجع الأمور؟؟) و (ظلل الغمام) هي عنصر الجسد الإنساني... ولقد رأى النبي اسم الله الأعظم مجسّدا في الصورة الإنسانية، في المعراج، كما قال: (رأيت ربىّ في صورة شاب له وفرة)
((روى الطبراني أنّ حديث ابن عباس في الرؤية صحيح، لا ينكره إلاّ معتزلي – (اللآلئ المصنوعة)، للسيوطي
))، وعن هذا التجسيد قال النبي: (ما منكم من أحد إلا سيكلّمه ربه ليس بينه ترجمان ولا حجاب يحجبه) – صحيح البخاري، الجزء الرابع.. وعن تجسيد (الله) في الصورة الإنسانية يوم القيامة:
((روى أبو هريرة أنّ الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب؟! قالوا: لا يا رسول الله.. قال فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها – أو منافقوها – فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم!! فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا، فإذا جاء ربنا عرفناه.. فيأتيهم الله، في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه
)).. صحيح البخاري، الجزء الرابع... وفى الحديث إشارة إلى أنّ الناس (إلههم)، دائما هواهم، فلا يكون (الإله)، هو (الله)، إلاّ لعارفيهم، وإلاّ الفينة بعد الفينة، ذلك بأن (إلهنا)، دائما، هو تصوّرنا (لله) وليس هو (الله)، وهو تصوّر متأثر بهوانا.. والسعي هو أن نتحرّر من هوانا، أو نحرّره، ليكون (إلهنا)، هو (الله)، فنكون قد حققنا (لا إله إلاّ الله) حق تحقيقها، وهيهات هيهات!!
وقصة موسى والخضر المعروفة، من سورة الكهف، إنّما تشير إلى تجسيد اسم الله الأعظم في صورة العبد الخضر (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنّا علما) .. وصورة الخضر هي صورة من صور المسيح لأن الخضر على القدم العيسوي (وإلياس على القدم النبوي).. ولقد قام الخضر بما يحرم في الشريعة، وينكر في العرف، من الأعمال، وهي خرق السفينة وقتل النفس، وإقامة الجدار الوشيك الانقضاض!! فلم يبق إلاّ أنّ تلك الأفعال قد جرت على يدي تجسيد حكم الوقت لاسم الله الأعظم وهو يعلّم موسى أسرار الإرادة الإلهية... فلكأن موسى إنّما كان يتلقى العلم من ولاية الخضر – موسى من حيث ولايته، ونبوته، ورسالته.. وولاية الخضر إنّما هي تجسيد الاسم الأعظم حسب مقتضى حكم الوقت..
وهكذا فإنّ ميلاد المسيح الإسرائيلي، بما هو قبس من ميلاد المسيح المحمدي، وإرهاص بمجيئه، إنّما هو ميلاد مقدّس وهو إنّما يأخذ عمقه بميلاد محمد الذي به بدأت حياة تلك النبوة، وهي تحاول أن تنزل مقام اسم الله الأعظم إلى الحياة الإنسانية على الأرض..