إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

جنوب السودان
المشكلة!! والحل!!

الجمهوريون والحكم الفدرالي


بعد خروج الاستعمار الانجليزي واستقلال السودان، كان الحزب الجمهوري هو الحزب الشمالي الوحيد لذي ينادي بالنظام الفدرالي، لا للجنوب فقط، وانما لكل السودان.. بل وقد نادي الجمهوريون بالنظام الفدرالي حتى قبل مطالبة الجنوبيين أنفسهم، في اللجنة القومية لوضع الدستور الدائم، بالحكم الفدرالي للجنوب.. فقد كونت اللجنة القومية للدستور في عام 1956، في حين أن دعوة الجمهوريين للنظام الفدرالي جاءت في عام 1955، وذلك في كتابهم (أسس دستور السودان، لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية)، ذلك الكتاب الذي صدرت طبعته الأولي في ديسمبر 1955.. وقد جاء تصور الجمهوريين في هذا الكتاب لدستور السودان تصورا اصوليا يربط الدستور بالقانون الأساسي الذي تسير على أساسه الارادة الالهية كل الوجود، كما يوفق بين حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة.. والأمر الذي يهمنا هنا من أسس دستور السودان هو موضوع الحكم الفدرالي، فقد جاء في الكتاب عن هذا الأمر ما نصه: (ان اهتمامنا بالفرد يجعلنا نتجه، من الوهلة الأولي، الي اشراكه في حكم نفسه بكل وسيلة، والي تمكينه من أن يخدم نفسه ومجموعته في جميع المرافق، التشريعية والتنفيذية والقضائية وذلك بتشجيع الحكم الذاتي، والنظام التعاوني ولما كان السودان قطرا شاسعا وبدائيا فإن ادارته من مركزية واحدة غير ميسورة، هذا بالإضافة الي ما تفوته المركزية على الأفراد من فرص التحرر والترقي والتقدم، بخدمة أنفسهم ومجموعتهم، ولذلك فانا نقترح أن يقسم السودان الي خمس ولايات:-
(1) الولاية الوسطي (2) الولاية الشمالية (3) الولاية الشرقية (4) الولاية الغربية (5) الولاية الجنوبية..
ثم تقسم كل ولاية من هذه الولايات الخمس الي مقاطعتين وتمنح كل ولاية حكما ذاتيا يتوقف مقداره على مستواها ومقدرتها على ممارسته، على أن تعمل الحكومة المركزية، من الوهلة الأولي، على اعانة كل ولاية لتتأهل لممارسة الحكم الذاتي الكامل، في أقرب فرصة، وأن تمنحها سلطات أكثر كل ما بدا استعدادها. ويقوم الحكم الذاتي في كل ولاية على قاعدة اساسية من مجالس القري ومجالس المدن ومجالس المقاطعات ومجالس الولايات حتى ينتهي الشكل الهرمي بالحكومة المركزية التي تسيطر على اتحاد الولايات الخمس، وتقويه، وتنسقه بسيادة القانون لمصلحة الأمن والرخاء في سائر القطر.)..
وعندما فشلت الأحزاب بالصورة التي أدت الي قيام الحكم العسكري في 17 نوفمبر 1958، كتب الجمهوريون للسيد ابراهيم عبود، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس الوزراء آنذاك، يقترحون عليه بعض الإجراءات الاصلاحية، يهمنا منها هنا ما يتعلق بمشكلة الجنوب.. فهم في هذا الصدد قد أرسلوا اليه مع خطابهم الذي اقترحوا فيه الاصلاحات كتاب (أسس دستور السودان)، ودعوه للأخذ بالنظام اللامركزي، بالصورة المبينة فيه.. وكان مما جاء في الخطاب للسيد عبود: (ونري أن تشرع في نظام اللامركزية على الطريقة التي اقترحناها في كتيبنا المرفق مع هذا نسخة منه لأن ذلك يعجل بتطوير القطر. ويخلق قومية سودانية ناضجة.)
وبعد قيام ثورة 21 أكتوبر 1964، واصل الجمهوريون دعوتهم لحل مشكلة الجنوب بإعطاء الجنوب حكما ذاتيا في إطار السودان الموحد، على أساس النظام الفدرالي، الوارد في كتاب (أسس دستور السودان).. وقد أصدروا عدة منشورات كان من بينها منشور (مشكلة الجنوب)، والذي ضمن ما جاء فيه: (للجنوب مشكلة ما في ذلك أدني ريب وهي بذلك تحتاج حلا سريعا وشاملا.. وأول الحل تصور المشكلة في ابعادها الحقيقية ومواجهتها بشجاعة، ولقد أحسنت الحكومة حين اعترفت باختلاف العنصر، واختلاف اللغة، واختلاف العقيدة، بين الشمال والجنوب ويمكن ان يضاف واختلاف الجغرافيا أيضا.. وفي الحق أن الجنوب ليس بدعا في هذا الاختلاف، وانما هناك سمات من هذا الاختلاف في شرق السودان، وفي غربه وفي شماله عن وسطه، وكل ما يقال عن الجنوب أن الاختلاف فيه أشد توكيدا، وأبلغ ظهورا مما هو في بقية الأجزاء. وكون السودان قطرا شاسعا وفيه من اختلاف اللهجات، والعنصريات، والعادات ما فيه، انما هو من دواعي التفاؤل بمستقبل هذا البلد، وليس من دواعي اليأس او الخوف، هو من دواعي التفاؤل لأن خصائص كل عنصرية من هذه العنصريات إذا ما نميت، وهذبت، وتفتقت طاقاتها الأصيلة، فستزيد من حيوية الأمة السودانية في مجموعها، وتخصب شخصيتها، وتزيد من وزنها وزنا، ومن قيمتها قيمة).. ويمضي المنشور ليقول: (والناس كالنبات خصائصهم تتأثر بالتربة والمناخ الي حد كبير، ومع أنهم قادرون على أن يتأقلموا حيث وجدوا، الا ان استجابتهم لعوامل التهذيب والتمدين أسرع إذا هيئت لهم فرصة في تربتهم التي فيها نشأوا)..
ثم يذهب المنشور ليؤكد ضرورة الأخذ بالنظام اللامركزي في السودان فيقول: (ولما كان السودان قطرا شاسعا، وبدائيا، متأخر المواصلات، وقليل السكان، فان ادارته من مركزية واحدة خطأ، هذا بالإضافة الي ما تفوته هذه المركزية على الناس من فرصة ممارسة الحرية في حكم أنفسهم، وخدمة مجموعتهم، وما يترتب على كل أولئك من تنمية خصائصهم وابراز أصالتهم، ولذلك فان الجمهوريين يقترحون أن يقسم السودان فورا الي خمس ولايات).. ثم ذهب المنشور يفصل في النظام اللامركزي الذي يريده بالصورة الواردة في كتاب (أسس دستور السودان)..
وعندما قامت ثورة مايو 1969، استطاعت أن تتوصل الي الحل السياسي، لمشكلة الجنوب فأعطت الجنوب حكما ذاتيا إقليميا ثم اتجهت الي تطبيق النظام اللامركزي فأجازت نظام الحكم الإقليمي الذي قسمت بمقتضاه بقية السودان الي خمسة أقاليم، لكل إقليم مجلسه الشعبي الخاص به كهيئة تشريعية ولكل إقليم حاكم وهيئة تنفيذية، تمثل حكومة الإقليم، كما وضعت ثورة مايو قانون الحكم الشعبي المحلي لعام 1981، وهو في اتجاه تدعيم الحكم اللامركزي..