إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

أبعدوا رئيس القضاء

القضية الخطأ بالوسيلة الخطأ:


مع أخذ السادة القضاة بالأمور الأقل أهمية، أو على الأقل الانحصار في أضيق المسائل، فهم قد اتخذوا الوسائل الخطأ في عملهم هذا.. فإذا كان القضاة، وهم الأدرى بالقانون، والأجدر بالانضباط، والاعتدال، يخرقون القانون، ويلجؤون لوسائل الاستقالات الجماعية، والتوقف عن العمل، فماذا ننتظر من البسطاء، والأميين، من عامة الشعب؟!
ففي تصرّف السادة القضاة، من تجميع، واصرار، على الاستقالات الجماعية، ثم التوقف عن العمل بصورة فورية، وقبل الفصل في استقالاتهم، في كل هذا ما يمكن أن يقع تحت طائلة المادة (143) من قانون العقوبات لأنه تخلّ من موظف عام عن واجبه بغير وجه شرعي باتفاق سابق، ان كانت نتيجة ذلك اعاقة اداء خدمة عامة الى حد تسبيب ضرر، أو خسارة، أو متاعب جسيمة، للمجتمع، كما يمكن أن يشكّل جريمة تحت المادة (17) من قانون أمن الدولة لسنة 1973، لأنه امتناع جماعي عن العمل، ولو في صورة استقالة جماعية، بغرض تعويق سير مرفق من المرافق العامة.
وليس المقصود من هذه الملاحظة بالطبع تحريض السلطات على معاقبة السادة القضاة بموجب هذه المواد، ولكن فقط لتقرير أن السادة القضاة قد خالفوا القانون الذي يطبقونه على الناس كل يوم، وهو بين أيديهم.. فهم لم ينتفعوا في سلوكهم الخاص بدراستهم للقانون واشتغالهم به!!
وقد مكّن القضاة، بكل ما قاموا به من أعمال في تنفيذ مخططهم للاحتجاج على وضعهم المالي الجديد، مكّنوا الجهات المعارضة لثورة مايو من استغلال قضية السادة القضاة لأغراضها السياسية العدائية. ففي صور الاستقالات الجماعية، والمواكب الصامتة، والتوقف عن العمل من القضاة بالذات – في كل ذلك مادة جاهزة للمعارضة لتحاول استغلالها، وتصعيدها، الى مستوى العمل المستهدف للسلطة نفسها، وبصورة مباشرة.
ونحن لا نخال أن السادة القضاة قد قصدوا أيّا من ذلك، ولكننا نأخذ عليهم غفلتهم التي مكّنت من استغلال موقفهم بهذه الصورة.
ومن متابعة الموقف، بعد قبول الاستقالات، نلمس زاوية سلبية أخرى، وهي أنه قد ظهر أن السادة القضاة لم يحسبوا حساب قبول الاستقالات، وما يتبع ذلك من تطورات.. فهم قد اطمأنوا الى أن العمل الجماعي الكبير في الاستقالة الجماعية، والتوقف عن العمل، سيضطر السلطة الى التسليم إلى مطالبهم فورا فيعودوا إلى أعمالهم موفورين منتصرين.. ولم يحسبوا حساب الاحتمال الثاني إذا ما قبلت الاستقالات كما حدث فعلا.. فبهتوا وأسقط في أيديهم.