إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

أبعدوا رئيس القضاء

موضوع استقالة القضاة:


إن قضية الرواتب والوضع المالي للقضاة قضية مهمة حيث يجب أن يدفع للقضاة من الرواتب ما يعفهم عن التطلّع الى ما في أيدي الناس، ويصونهم عن التعوّد على الاستدانة، ويكفل لهم حياة كريمة تتقف مع ما يجب أن يكون للقاضي من وقار، ونزاهة.. وفي كل هذا تدعيم لمبدأ استقلال القضاء وارتفاعه عن الشبهات.
ولكننا في نفس الوقت لا نرى أن يكون السعي للحصول على الرواتب المطلوبة للقضاة بالوسائل الخاطئة والتي تخالف الدستور والقانون وتنتقص من مكانة وهيبة القضاة أنفسهم، مثل تقديم الاستقالات الجماعية والتوّقف عن العمل بغرض الضغط على الجهاز التنفيذي للحصول على الرواتب الكبيرة والامتيازات.
وأخطر آثار مثل هذا السلوك انه يظهر الجهاز القضائي بمظهر التابع للجهاز التنفيذي بصورة صارخة ومهينة، وهو الذي يجب أن يحرص على مظاهر استقلاله وقيامه بواجبه الأساسي في صيانة الدستور، وحكم القانون، ورعاية الحريات الأساسية للمواطنين.
وكان الأجدر بالسادة القضاة المطالبة، والإصرار، على الاستقلال المالي والإداري للهيئة القضائية، والسعي لذلك بكل الوسائل المشروعة واللائقة، مع الالتزام التام بأداء واجباتهم الدستورية والقضائية، كمّا وكيفا..
ولكن، وبكل أسف، فإن الدلائل تشير إلى أن السادة القضاة مقصرون تقصيرا كبيرا في أداء واجباتهم القضائية مما أضّر كثيرا بمصالح جمهور المتقاضين والمجتمع بصورة عامة. فهناك البطء الشديد، والتأجيل لأضعف الأعذار، وعدم الانضباط في مواعيد العمل وساعاته، واستهتار بعض القضاة بكرامة المواطن الذي يقف أمامه شاكيا، أو مدّعيا، أو مدّعى عليه، أو حتى شاهدا على الوقائع موضوع القضية.
وقد فقد المواطن العادي، ومن جرّاء كل ذلك، الثقة في الحصول على عدالة ناجزة في المحاكم لما ينتج من تعطيل ولسنوات طويلة.. والإحصائيات الواردة في بيان مجلس القضاء العالي حتى نوفمبر 1980 تشهد على ذلك:-
أ/ القضايا الشرعية (8,930) قضايا تركات و (4,906) قضايا أخرى.
ب/ القضايا المدنية (15,671)
ج/ القضايا الجنائية (36,850) منها 1,476 قضايا محاكم كبرى (جريدة الأيام بتاريخ 1/2/1981).
كما ترد في نفس البيان اشارات للآثار السلبية لضعف الأداء القضائي من رفض للعمل في المواقع البعيدة، وتأخير كبير في المحاكمات الجنائية، يمتد في بعض الأحيان الى أربع، وخمس، سنوات.. ومن صور التأخير في القضايا المدنية أن فيها ما استغرق أكثر من عشر سنوات، بينما تستغرق قضايا الإخلاء، وهي عاجلة بطبيعتها، تستغرق بين ثلاث، وأربع، سنوات، في المتوسط!!
ونلاحظ هنا أن بيان مجلس القضاء العالي لم يتعرّض للتأخير والإهمال الشديد في عمل محاكم الاستئناف والمحكمة العليا نفسها.. فالتأخير يعود في غالب الحال، لتأخير النظر، والفصل، في الاستئنافات التي تأخذ الشهور العديدة.. كما أن المحكمة العليا تأخذ السنين لتقرّر في أمر تأييد الإدانة، والعقوبة، بعد المحاكم الكبرى، بينما ينتظر الشخص المدان في السجن، وهو لا يعلم هل ينفذ عليه حكم الإعدام، أم يستبدل بالسجن..
فلماذا ينحصر هم السادة القضاة في أمر الرواتب والامتيازات ولا يتوفرون على دراسة هذه السلبيات الكثيرة، والعمل على علاجها؟؟ فقد كان من الأجدر بالسادة القضاة الوقوف بصلابة واصرار في الاحتجاج على انتهاك سيادة القانون، واهدار مصلحة العدالة الناجم عن فقر الإمكانات الضرورية للإعلانات، والمتابعة، والعمل الإداري الضروري، والاحتجاج كذلك على افتقار بعض المحاكم حتى لنسخ القوانين الأساسية المطبقة يوميا، مما أضطر القضاة للاعتماد على الذاكرة، أو الاستعانة بالمحامين، وهم، فيما يبدو للطرف الثاني على الأقل، طرف في الخصومة.