مسئولية تربية الطفل
قال النبي الكريم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصرّانه أو يمجسانه" .. ومن هنا يتضّح العبء الخطير، الدقيق، الموضوع على كاهل الأبوين، في حسن تربية الطفل، والمحافظة على سلامة، ونقاء فطرته، مع التجربة، ومعايشة الواقع، ومغالبته.. وهذا لا يتحقق الاّ إذا شعر الأبوان بدقة المسئولية التربوية العظمى، التي يجب أن يضطلعا بها، فهما قد أعطيا مشروعا كاملا لإنسان.. نعم إنسان سليم الفطرة، وعلى حسن تصرفهما يتوقف مستقبله، وصلاحه، أو فساده.. جاء في الحديث: "ما نحل والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن".. كما جاء التوجيه: "أكرموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم".. ومن ذا يتضّح أن أوجب ما نعطيه، ونورثه، الأبناء، ليس هو المال، الذي نلمه بكل سبيل، وإنما هو حسن التربية، والقيم الإنسانية، التي نغرسها فيهم، فهذه هي زادهم الحقيقي في رحلة الحياة، على أن نفهم في كل ذلك، أن كمال جيلنا الجديد، ليس هو في أن يكون صورة من الجيل القديم، وإنما من حسن التربية، وحكمتها، أن نراعي حكم الوقت، فقد رود: إن الأبناء أشبه بزمانهم، منهم بآبائهم، ولذلك يجب أن نعدّهم لزمانهم، الذي يستقبلونه، لا لزمان الآباء الذي ولّى. لقد جاء في الحديث: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والأمير راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".. ولما كانت تربية الأطفال على الدقة والخطورة التي ذكرنا، فإن أسلوب التربية الأساسي هو، أن يجسّد الأبوان القيم الإنسانية، والدينية العليا، في حياتهما، وفي علاقتهما، ولذلك ركّز الإسلام أساسا على القيم الدينية، في هذه العلاقة من أساسها، وعلى طول المدى، فالطفل ينطبع بما عليه أبويه، ويختزنه، ولذلك جاء اعتبار وجود الطفل، ودقة معاملته.. قال عبدالله ابن عامر: "جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتنا وأنا صبي صغير، فذهبت لألعب، قالت أمي يا عبدالله تعال حتى أعطيك، فقال صلى الله عليه وسلم "وما أردت أن تعطيه"، قالت: تمرا.. فقال: "أما أنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة".
إعالة الأطفال جهاد في سبيل الله أكبر من الجهاد
مرّ على النبي الكريم وأصحابه، شاب ذو جلد وقوة، وقد بكر يسعى، فقال الأصحاب: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله!! فقال النبي الكريم: "لا تقولوا هذا، فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفيها عن المسألة، ويغنيها عن الناس، فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين، او ذرية ضعاف، ليغنيهم، ويكفيهم، فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخرا، وتكاثرا، فهو في سبيل الشيطان".. من ذا يتضّح ان السعي على العيال، إن دخلته النية الحسنة، يكون جهادا، وتقرّبا، الى الله.. فقد حاء: "من طلب الدنيا حلالا، وتعففا عن المسألة، وسعيا على عياله، وتعطّفا على جاره، لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر".. هكذا واجب الإعالة، وهو واجب أسوأ ما يكون التفريط فيه، "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول".. ولما كان الكسب على العيال بهذه المكانة الدينية العالية، فإنه يصبح خطرا، ومهلكة إذا خلا من القيم الدينية، التي توجهه "يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته، وأبويه، وولده.. يعيّرونه بالفقر، ويكلفونه ما لا يطيق، فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه، فيهلك".. وكان العلماء يرون أن الإنفاق على العيال بالحلال أعظم من الجهاد "قال ابن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو: تعلمون عملا أفضل مما نحن فيه؟ قالوا: ما نعلم ذلك.. قال: أنا أعلم.. قالوا: فما هو؟ قال رجل متعفّف، ذو عائلة، قام من الليل فنظر الى صبيانه نياما متكشفين، فسترهم، وغطاهم بثوبه، فعمله أفضل مما نحن فيه".. "قال بعضهم لبعض العلماء من كل عمل أعطاني الله نصيبا حتى ذكر الحج والجهاد وغيرهما فقال له أين أنت من عمل الأبرال؟ قال: وما هو؟ قال كسب الحلال والنفقة على العيال"..
جاء في الحديث "إذا كثرت ذنوب العبد إبتلاه الله بهم العيال ليكفرها عنه".. والآن فإن الإنفاق على العيال بالكسب الحلال، في ظروف الحياة التي تعقّدت، هو من اوجب الواجبات، وأدقها، كما أنه تلزم مراعاة التسوية بينهم، ورعاية خواطرهم.. روى النعمان بن بشير فقال: "أعطاني ابي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أني اعطيت أبني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله.. قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا.. قال: فأتقوا الله، وأعدلوا بين أولادكم.. قال: فرجع فردّ عطيته".. وفي حديث آخر قال النبي الكريم: "اكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا.. قال: فأرجعه".
إحتساب الطفل والتعبير النبيل عن الحزن
قال أحد الأصحاب: "عاد النبي الكريم ابنه ابراهيم، فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وابراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف، رضى الله عنه: وأنت يا رسول الله! فقال: يا أبن عوف إنها رحمة! ثم اتبعها بأخرى.. فقال صلى الله عليه وسلم: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول الاّ ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا ابراهيم لمحزونون".. وقد ورد أنه رفع صبي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ونفسه تقعقع "ففاضت عينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة، وضعها الله في قلوب من شاء من عباده.. ولا يرحم الله من عباده الاّ الرحماء" وجاء في الحديث: "من قدّم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنا حصينا من النار، فقال ابو ذر: وأثنين؟ قال: وأثنين! قال أبي بن كعب: قدمت واحدا! قال: وواحدا".. وجاء عن الأطفال أنه يقال لهم: "أدخلوا الجنة.. فيقولون: حتى يدخل آباؤنا! فيقال: أدخلوا الجنة أنتم وآباؤكم".. كما ورد "إن الطفل يجر بأبوين الى الجنة" وهكذا بالفكر، والصبر، واحتساب أمر الله يصبح أمر المؤمن خيرا كله بالشكر في النعم، والصبر على المصائب، فأين هذا من وفياتنا ومآتمنا التي بعدت عن الدين وغرقت في العادات السيئة!!.
حق الوالدين على الولد
إن جق الأم بالذات، لمكانتها، وأثرها، وكبير معاناتها، وصبرها، ومحبتها، مؤكد في الدين أكثر من حق غيرها.. "جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك! قال: ثم من؟ قال: أمك! قال: ثم من؟ قال أمك! قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك".. وجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فأستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والداك؟ قال: نعم .. قال: فيهما فجاهد"!