إكرام البنات ثمنه الجنة
وإذا كنا قد فصّلنا في حق الولد، في تهيئة المنبت الحسن له، فإن له في الحديث الشريف حقوقا أخرى "من حق الولد على الوالد أن يحسن إختيار أمه، وأن يحسن أختيار اسمه، وأن يحسن تربيته، وتأديبه".. ومن ذلك أن يحسن استقبال المولود الجديد.. وهذا أمر يؤكد في ضرورة حسن استقبال البنت، وذلك لأننا بحكم نظرتنا المتخلّفة للمرأة، وهي نظرة جائرة، وجاهلة، تهدر كل انجازات المرأة العصرية، وتنكر قامتها الحاضرة، فإننا لا نخجل، ولا نستحي، من أن نعيش رواسب من الجاهلية الأولى، ونسعى بها في رؤوسنا، وقلوبنا، ونحن نستمتع بانجازات، وتطورات، وقيم المساواة في أخريات القرن العشرين!! وذلك فيما يخص استقبال إنسان، آنس إنسان، المرأة، وقد حكى القرآن الكريم استقبال الجاهليين وأدانه فقال تعالى: "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب، الا ساء ما يحكمون".. نعم "الا ساء ما يحكمون"!! وساء حكمنا، واستقبالنا، للبنت الآن، بفعل تلك الرواسب، التي لم تبذل مجهودا في التربية، والعبادة، للخلاص منها.. فتحجرت، وتجمدت، في جوانحنا، طول هذا المدى..
ونحن الآن، وإن لم ننظر للمرأة كذات، وكإنسانة، فإنها من حيث المنفعة، والإنتاج والإستهلاك، لم تعد عبئا على ذويها، من الرجال.. يحمونها، ويعذونها، كما كانت أيام الجاهلية، ولذلك يضيقون بمقدمها، وإنما أصبحت المرأة بفضل الله، ثم بفضل حكم الوقت، وفرص الثقافة، والعلم، والوعي، والتأهيل، أصبحت إمرأة منتجة، ومؤثرة، في ترقية الحياة الخاصة، والعامة، وفي صنع المستقبل، وهي منفقة، وعائلة لغيرها.
وقد جاءت الأحاديث الشريفة، في حسن استقبال البنت، وحسن معاملتها، وحسن تربيتها: "ما من أحد يدرك ابنتين فيحسن اليهما ما صحبتاه الاّ أدخلتاه الجنة".. "من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة، أنا وهو كهاتين، وضم النبي الكريم أصابعه".. "من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن، وضرّائهن، أدخله الله الجنة، برحمته إياهن، فقال رجل: وثنتان يا رسول الله! قال: وثنتان".. فقال رجل: وواحدة! فقال "وواحدة".. "من كانت له أنثى فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله الجنة" .. "من كان له إبنة فأدبها فأحسن تأديبها، وغذّاها فأحسن غذاءها، وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه، كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة".. وأورد الغزالي في الإحياء عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خرج إلى سوق من أسواق المسلمين، فاشترى شيئا، فحمله الى بيته، فخصّ به الإناث دون الذكور نظر الله اليه، ومن نظر الله اليه لم يعذبه".. ومما أوردنا من النصوص، يتّضح حرص الشريعة على حسن استقبال البنت، وحسن تربيتها، وحسن معاملتها، إذ أجزلت ثواب هذا العمل، الجليل، العظيم، بأن جعلت مقابله، وثوابه، الجنة نفسها، وذلك لأن كرامة المجتمع، بكرامة أفراد، وكرامة الأفراد، تنبع من كرامة المرأة، كما وضحنا... وكرامة المرأة تتوقف أساسا على عزتها، ومكانتها، في بيت اسرتها أولا، وذلك بأداء واجب إكرامها، وحسن التفهم لها باعانتها على التخلّص من موروثها الطويل، لترفع رأسها، وتقوّي شخصيتها، وتبرز إلى مكان عزتها على مسرح الحياة، الذي أخذ يتهيأ لتقوم المرأة بدورها الإنساني، دورها الطليعي الرائد.
وكما أوصى الإسلام بالبنت، فقد أوصى برعاية اليتيم، جاء في الحديث الشريف: "انا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما".