إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الطفل والسنّة النبوية

رحمة الله مقرونة بالرحمة بالطفل


قال ابو هريرة: "قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلّم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد، ما قبّلت منهم أحدا.. فنظر اليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم قال: من لا يرحم لا يرحم".. جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: تقبّلون الصبيان فما نقبلهم!! فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة"!!

التوحيد هو أس حسن معاملة الطفل.. والمعاملة عامة..


قال أنس بن مالك: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لما تركته".. وعنه أيضا قال: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنا ابن ثمان سنين، خدمته عشر سنين، فما لامني على شيء قط، فإن لامني لائم من أهله، قال: دعوه، فإنه لو قضي شيء كان" قال أنس "كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم من أحسن الناس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة فقلت والله لا أذهب، وفي نفسي أذهب، لما أمرني به رسول صلى الله عليه وسلّم.. فخرجت حتى أمر على الصبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد قبض بقفاي، من ورائي، قال، فنظرت اليه، وهو يضحك، فقال: يا أنيس، ذهبت حيث أمرتك!! قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله".. قال أنس رضي الله عنه وكان الخادم إذا أغضبه يقول صلى الله عليه وسلّم "لولا خشية القصاص يوم القيامة لأوجعتك بهذا المسواك".

المسالمة هي الإسلام


إن من فقد نعمة السلام الداخلي – وهو حقيقة الإسلام وجوهره – تستفزه الأشياء الخارجية، وتثير حيوانيته، فينزلق الى العنف، والسخط، خاصة في وجه الضعاف، مثل الأطفال، والخدم.. أما من يجد السلام الداخلي، فإنه ينضح بالسلام، والرقة، والمودة، والحب.. وسبيل هذا السلام الذي به وحده يصبح الإنسان إنسانا، هو التوحيد.. هو الحضور مع الله، الذي يجعلنا في كل حركاتنا، وسكناتنا، ومضطربنا اليومي، نتعامل مع الله، ونستشعر حضرته، كأننا في محراب صلاة، فلا ننحجب عنه بالوسائط.. "فإن لامني لائم من أهله قال دعوه فإنه لو قضي شيء كان"، وهذه اليقظة الداخلية.. هي التي قال عنها النبي الكريم: "تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة".. وهي التي تهبنا فرديتنا، وإنسانيتنا، بما تعطينا من حسن التصرّف في الحرية الفردية المطلقة، إذ تعتقنا من حالة الجهل، والقصور، التي لما كنا فيها نحن بحاجة الى رقيب علينا، يهذبنا، ويقوّمنا، غير ضميرنا.. وهي التي تضعنا في دقة المسئولية حتى مع الذين لنا عليهم حق التربية، والتوجيه، وحتى مع الطفل، والخادم، الذين نهدر، ونقتحم، اعتباراتهما الآن في غفلة جاهلة.. "لولا خشية القصاص يوم القيامة لأوجعتك بهذا المسواك".. ومن خفي اللطف، والحكم، أننا حين تتيقظ دواخلنا بالممارسة الواعية بالمنهاج النبوي، ونتربى ونربي في نفس الوقت، وذلك لأن ما نلاقيه هو تنبيه، وتعليم، من الله لنا.. وقد قال أحد الصوفية: "ما عصيت الله في شيء قط الاّ وجدت ذلك في زوجتي أو ابني أو دابتي".. وقال تعالى "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" فسمي ما يحصل لنا ابتداء عقابا.. وسبيل هذا الفهم وذاك السلام الداخلي هو التوحيد، كما قلنا.. وسبيل التوحيد، هو العمل المتقن، بالمنهاج النبوي: "اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه".