إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الطفل والسنّة النبوية

الطفل والسنّة


إن جوانب العظمة النبوية، المجهولة الآن، حتى عند المسلمين أنفسهم، تتجلى، أظهر ما تكون، في "الإنسانية" و"العادية" التي كان عليها النبي الكريم.. فالنبي الكريم، على مكانته العالية، العظيمة، ووسط نفوذه الكبير، وجاهه الواسع، وبين أجواء الطاعة، والولاء، والتقدير، كان يتصرّف من منطلقاته الذاتية، من ذات إنسانية، وفي عادية تحكي صحته الداخلية – صحته النفسية – وتعلن براءته من عقد النقص.. ومن ثم لم ير كماله في التميّز على الآخرين، أو السيطرة عليهم، أو في تمييز نفسه عليهم بأي صورة، بل كان أبعد ما يكون عن السيطرة على الآخرين، وعن تمييز نفسه عليهم.. بل كان يشعرهم بعاديته التي هي أمر طبيعي عنده، وكل ذلك هو ثمرة المعرفة بالله، وذلك لأن العلم بالله يلزمنا مكاننا، وهو العبودية، ومن كمال العبودية، الفناء عن العبودية، بأن لا يكون العبد شاعرا بأنه يعمل شيئا حين يكون عبدا، وإنما هذا وضعه الطبيعي، الذي في الخروج عليه النقص، والانحراف، وإذا كان العارفون يقولون أن الكمال الإنساني هو العودة للطفولة، بوحدتها وبراءتها، ونقائها، وطبيعة تعابيرها، وكل ذلك مع حكمة الشيوخ، وحصيلة التجربة، فإننا سنستعرض فيما يلي مواقف محمد الإنسان، مع الطفل، وهي مواقف لها دلالاتها العرفانية العميقة، كما لها التوجيه السديد للنظرة للطفل، لذاته كإنسان، واعتباره، وتكريمه، والتصرّف معه بالفكر مع العاطفة، وكل ذلك يخرجنا من النظرة الجاهلة للطفل، التي تؤدي لإهماله، أو رؤية الكمال أو الحزم في الترّفع عليه، أو معاملته على اعتبار نقص وعيه، مع أنه في هذه الفترة يختزن كل مستقبله، ولذلك ففترة الطفولة هي أدق الفترات، وأخطرها، مما يضع على من حول الطفل، مسئولية حفظ فطرته، التي ولد عليها، وعدم مسخها، وتشويهها، بالعفوية، أو التصرفات الجاهلة.. فالأطفال الذين نحسبهم صغارا، لا يعون، هم أول التحدّي لقامتنا الإنسانية، ومدى صحتنا النفسية وتعبيرنا السوي أو المنحرف.

النبي الكريم والطفل


كان النبي الكريم يحب الأطفال، ويلاطفهم، ويفرح بهم، ويكرمهم، ويعزّهم.. فقد كان "من أفكه الناس مع صبي" وكان يكنّي الصبيان، ليستلين قلوبهم.. وكان "إذا مرّ على الصبيان سلّم عليهم، ثم باسطهم".. وكان إذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته.. "لما قدم النبي مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب، فحمل واحدا بين يديه، والآخر خلفه".. وكان أرحم الناس بالصبيان، والعيال. قالت، أسماء بنت أبي بكر: "ولدت عبد الله ابن الزبير بقباء، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة، فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم حنّكه بتمرة، ثم دعا له وبرّك عليه".. "وكان صلى الله عليه وسلّم يزور الأنصار ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم".. "وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما قال: سمّاني رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوسف، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي".. "وكان صلى الله عليه وسلّم يلاعب زينب، بنت أم سلمة، ويقول يا زوينب، مرارا".. "وكان صلى الله عليه وسلّم يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه، ورجليه، ويقول: نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما، وربما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض".. "ودخل الحسن، وهو صلى الله عليه وسلّم قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ في سجوده، حتى نزل الحسن، فلما فرغ قال له بعض أصحابه: يا رسول الله، لقد أطلت سجودك!! قال: أن أبني ارتحلني، فكرهت أن أعجله، أي جعلني كالراحلة فركب على ظهري.. وعن ابن مسعود رضى الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصلّي، والحسن والحسين يلعبان، ويقعدان على ظهره".. "وكان يرّقص الحسن والحسين" أي "ينقزهما" ويلعبهما. وعن أسامة بن زيد رضى الله عنهما: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: اللهم أرحمهما، فإني أرحمهما".. قال ابو قتادة: "خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلّم، وأمامة بنت العاص، على عاتقه، فصلى، فإذا ركع، وضع، وإذا رفع، رفعها"..