بسم الله الرحمن الرحيم
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)
صدق الله العظيم
مقدمة
يسرنا أن نقدّم للقاريء الكريم، منشورنا الشهري الرابع، في عام الطفل العالمي.. والمنشور يخرج تحت اسم "الطفل والسنّة النبوية".. فهو يتناول قضايا الطفولة على ضوء السنّة، وموضوع المنشور يقتضي منا في هذه المقدمة أن نقدم تعريفا موجزا للسنة كما نعنيها.. فالسنّة عندنا غير الشريعة، هي القرآن المكي، أو آيات الأصول التي كان يعيشها النبي الكريم في خاصة نفسه، هذا في حين أن الشريعة هي القرآن المدني، أو آيات الفروع، وقد نزلت الشريعة لتخاطب الناس في القرن السابع الميلادي، وتحل مشاكل مجتمعهم، ولذلك فهي في جوانبها المتعلّقة بتنظيم المجتمع، مرحلية، وهي لذلك لا تستطيع أن تقدّم الحلول العملية لقضايا الطفولة، في وقتنا الحاضر، وأكبر ما يجعل الشريعة قاصرة عن معالجة قضايا الطفولة، نقص وقصور قانون الأحوال الشخصية، الذي يقوم عليها، فوفق هذا القانون، فإن الأسرة معرّضة للتفكك، وحياة الأطفال معرّضة للضياع.. فقانون الأحوال الشخصية يفتح الباب أمام تعدّد الزوجات إلى الزوجة الرابعة، دون قيد، ثم أن الطلاق فيه بيد الرجل يستعمله كيف شاء، ومتى شاء، ومما زاد من سوء هذا القانون أنه هبط حتى دون مستوى الشريعة، هذا في وقت ضعفت فيه القيم الأخلاقية، وضعف فيه الوازع الديني!! والطلاق، والتعدّد، أكبر ما يعرّض حياة الأطفال للضياع، ويبذر في نفوسهم بذور الحقد والكراهية، ويرّسب في أعماقهم من العقد النفسية ما تصعب معالجته..
وحالة الخوف التي تعاني منها الأمهات، بسبب الإضطهاد والظلم الذي يقع عليهن، من جراء تطبيق قانون الأحوال الشخصية القاصر، تنعكس على تكوين الأطفال، وعلى تربيتهم، فيكون لها أسوأ الأثر، ولذلك فإن الشريعة، وما يقوم عليها من قوانين، تنظّم حياة الأسرة تقصّر دون خدمة قضايا الطفولة في مجتمعنا المعاصر.. والمعالجة النهائية، والكاملة، لقضايا الطفولة، إنما تأتي من بعث السنّة.. والحق أن الدين كله لا يمكن أن يبعث ليحل مشاكل الإنسانية المعاصرة المختلفة، إلاّ إذا بعث في مستوى السنّة.
وبعث السنّة، بالصورة التي ذكرناها، وما يترتب عليه من تشريع، يقوم على أصول القرآن، يجعل تحقيق "حقوق الإنسان"، أمرا عمليا وممكنا، بعد أن أصبح شعارات ترفعها، وتتطلّع الى تحقيقها جميع الأمم والشعوب.. والأمر الذي يجعل الاسلام، في مستوى السنّة، قادرا على تحقيق "حقوق الإنسان"، هو وجود منهاج التربية "طريق محمد"، إلى جانب التشريع، ووجود القيمة الروحية، إلى جانب القيمة المادية.. والطفل، في السنّة، ينال من الحقوق الأساسية، القدر الذي يطيقه، ويحتاجه، ثم تظل بقية الحقوق مدّخرة له، لينالها متى ما استعد لذلك.
ونحن في منشورنا هذا لم نتجه إلى تفصيل كيفية معالجة السنّة لقضايا الطفولة، وإنما اتجهنا أساسا إلى ابراز روح العمل، من خلال تقديم نماذج لتعامل النبي الكريم مع الأطفال، واهتمامه بهم، وتقديره لهم.. ونحن لم نتجه إلى التفصيل لأننا نعتقد أن العنصر الأساسي المفقود هو القيمة، والمنهاج الذي يحقق هذه القيمة، ولذلك كان اهتمامنا بهذا الجانب.