الاتحاد السوفيتي يريد حالة "اللاحرب واللاسلم"
وأكدت الأحداث صحة ما ذهب اليه الأستاذ محمود محمد طه في كتابه "مشكلة الشرق الاوسط"، من قبل عشر سنوات كما ذكرنا في الفصل الأول من هذا الكتاب، من أن الاتحاد السوفيتي لا يريد لمشكلة الشرق الاوسط أن تسوى فهو لا يريد لهذه المشكلة الاّ أن تكون في حالة "اللاحرب واللاسلم"، وذلك لما أسلفنا من الأسباب، فها هو السيد إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصري السابق يقول في الجلسة السرية لمؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد بتونس قبيل زيارة الرئيس المصري لإسرائيل:
(إن تجربة مصر مع الاتحاد السوفيتي أكّدت لنا أنه لا يمكن أن يعمل على رفع القدرة العسكرية لمصر الى مستوى القدرة الإسرائيلية، وعلى عكس ما يعتقد البعض، فالأزمة مع الاتحاد السوفيتي لم تبدأ بإخراج الخبراء، فإخراج الخبراء كان ردا على موقفه. ذلك ان الاتحاد السوفيتي يعرف أن مصر هي وحدها القادرة على ترجيح الكفة الحربية في المواجهة مع إسرائيل، ولذلك فهو يغدق السلاح على أية دولة عربية الاّ مصر، والمشكلة ليست مشكلة ديون، وحتى لو دفعنا له بالدولار فلن يعطينا السلاح الذي نحتاجه لتحقيق الحل العسكري الذي تنادون به، لأن الإستراتيجية السوفيتية تقوم على استمرار الصراع في المنطقة. إن هذه قناعة وصلنا اليها خلال أطول وأعمق تجربة عربية في التعامل مع السوفييت. وتؤكدها الأحداث، ولم نقف أمامها مستسلمين)..
هذه هي حصيلة تجربة مصر في تعاملها مع الاتحاد السوفيتي بشأن مشكلة الشرق الاوسط طوال ما يقرب من عشرين عاما.. (الإستراتيجية السوفيتية تقوم على استمرار الصراع في المنطقة).. أليس هذا هو ما قاله الأستاذ محمود محمد طه، قبل عشر سنوات: (إن الاتحاد السوفيتي لا يريد لمشكلة الشرق الاوسط أن تسوّى!!) كما سلف؟ بلى!! فلم تسعف العرب دقة التفكير، ونفاذه، اللذان يغنيان عن تكرار التجارب، بالتعلم السريع من الأحداث.
وفي زيارة أليكس كوسجين لبغداد ودمشق في أغسطس 1971، حمل مشروعا يقترح خلق جبهة رفض تضم، إضافة الى المنظمات والأحزاب، الأنظمة الرافضة للحلول السلمية! وقد وافقت الأحزاب والمنظمات الرافضة على الفكرة، وأيدتها العراق، وليبيا، والجزائر، في حين تحفظت سوريا نحوها.
وهاجم الاتحاد السوفيتي محادثات القاهرة التحضيرية التي أعقبت زيارة الرئيس المصري لإسرائيل، والتي ذكر الرئيس المصري أن غرضها إعداد جدول أعمال لمؤتمر جنيف، ودعا اليها منظمة الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وإسرائيل، وسوريا، والأردن، ومنظمة التحرير الفلسطينية، فأعلن الاتحاد السوفيتي أنها محاولة لنسف الجهود المبذولة لإستئناف مؤتمر جنيف للسلام، كما أعلن رفضه الاشتراك فيها، وفي الوقت نفسه أشاد بمؤتمر طرابلس "الغرب" الذي عقدته الدول العربية التي تكوّن ما يسمى "جبهة الرفض"، وقال إنه دليل على تعزيز القوى لمصلحة تسوية عادلة وشاملة! وقد جاء في افتتاحية قرارات ذلك المؤتمر أن من نتائج زيارة الرئيس المصري لإسرائيل (الإساءة الى علاقات الصداقة والتعاون بين الدول العربية من جهة، وبين الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي، من جهة أخرى، التي قدمت للأمة العربية المساندة والدعم في صراعها التاريخي ضد العدوان الإمبريالي الصهيوني.).. وقد أسفرت قرارات ذلك المؤتمر عن إدانة زيارة الرئيس المصري لإسرائيل، وعن رفض نتائج هذه الزيارة بما فيها محادثات القاهرة التحضيرية وعن تجميد العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وتشكيل جبهة مواجهة موّحدة بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية، لمواجهة إسرائيل، وقد إنضمت اليها الجزائر، وليبيا، واليمن الديمقراطية! وأعلنت منظمة التحرير الفلسطينية رفضها لقرار مجلس الأمن رقم 242. وكانت العراق قد انسحبت من المؤتمر بحجة عدم قبوله لإقتراح عراقى يرفض قرار مجلس الأمن رقم 242!! وعلى أثر المؤتمر قررت مصر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع كل من سوريا، وليبيا، والجزائر، واليمن الديمقراطية، والعراق!
وهكذا يواصل الاتحاد السوفيتي مخططه المبيّت لعرقلة مساعى التسوية السلمية الشاملة، وذلك عن طريق تقسيم البلاد العربية الى "رجعية" تقبل الحل السلمي، وتدور في فلك "الإمبريالية"، و"تقدمية" ترفض الحل السلمي، وتشكّل جبهة "للصمود والتصدى"!! بينما يدعو هو الى إستئناف مؤتمر جنيف للسلام، وهو الذي صنع، مع الدول الأخرى في مجلس الأمن، القرار رقم 242 الذي يدعو الى تسوية سلمية شاملة للمشكلة، والى إنهاء حالة الحرب بين العرب وإسرائيل!!