إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الإخوان الجمهوريون
في جريدة الأيام السودانية

بسم الله الرحمن الرحيم
((إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم..))
صدق الله العظيم

المقدمة:


كتب محرر الصفحة الأخيرة بجريدة (الأيام)، في عددها الصادر بتاريخ 30/9/1976، تعليقا تحت عنوان: (ظاهرة ملفتة خلال ايام العيد)، تعرض فيه لنشاط الاخوان الجمهوريين، خلال ايام عيد الفطر الماضي، تعرضا لا ينبغي أن يشرف أحداً من حملة الأقلام، ولا أن يشرف جريدة عليها التوعية الشعبية في أمانة لا تلتوي مع سوء الغرض! فقد اتجه المحرر إلى الطعن في أعراضنا، وإلى استعداء السلطة علينا، متورطاً، بذلك، في أسوأ صور الخصومات الفكرية.
أما ((الظاهرة الملفتة)) التي استنكرها فهي حركة الاخوان الجمهوريين لنشر الوعي الديني الصحيح بين افراد شعبنا في الشوارع والاماكن والميادين العامة، حاملين الدعوة إلى بعث كلمة التوحيد: ((لا اله الا الله)) لتعود حارة، خلاقة، في صدور الرجال والنساء، كما كان العهد بها، أول مرّة، في مكة، فتحرر العقول من الأوهام، والقلوب من المخاوف، وتفجر الطاقات الكامنة في نفوس افراد هذا الشعب، فتقيم أخلاقه على لباب الإسلام، بعد أن أخذ يعيش على قشوره، كما هو الشأن، دائما، في عهود التخلف الديني، مما يشير إلى ان أزمتنا الحاضرة ليست إلا أزمة أخلاق.. وهذه الدعوة إنما هي إلى الطريق النبوي العظيم ليكون محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، هو قدوة الجميع، وشيخ الجميع، فتتوحد هذه الامة (التي فرقتها الطائفية، وجمدت طاقاتها، وضللت سعيها) على محبة رجل واحد، واتباع رجل واحد.. هذه الدعوة إنما هي إلى بعث أصول القرآن التي قامت عليها السنة النبوية لتكون هي عمدة التشريع، لأنها هي، وحدها، القادرة على حل مشكلات الإنسان المعاصر، واستيعاب طاقاته، وتلبيه حاجاته، التي وقفت، بإزائها، سائر الفلسفات، والأنظمة المعاصرة، عاجزه، وبعد أن خدمت الشريعة السلفية، التي قامت على فروع القرآن، غرضها في خدمة مجتمع سالف أقل طاقة، وأقل حاجه، بقدر كبير - خدمته حتى استنفدته..
ويحمل هذه الدعوة رجال ونساء تربوا على نهج السنة النبوية فصفت سريرتهم، واستقامت سيرتهم، حتى جرى لسان مقالهم بصادق القول وعبر لسان حالهم عن سجيح الخلق.. هذه هي ((الظاهرة الملفتة)) التي استرعت اهتمام محرر (الأيام)، فاستنكرها، وهي الحقيقة بأجل صور التكريم وتحت تأثير الغرض الاعمى، راح يطففها، ويشينها، ويلقى عليها ظلال الريب، متحلل من كل مسئولية خلقيه، ظانا انه في مأمن تام من كل حساب!
لقد حاول المحرر أن ينال، بالتجريح، من حركة الاخت الجمهورية، وهي تدعو المواطنين، في الشوارع، والميادين العامة، إلى البعث الإسلامي، بسمتها المحتشم، وخلقها القويم، وقولها المقتصد، مقدمة إليهم، من نفسها، الأنموذج الصالح للمرأة المسلمة، حاملة كتاب هذه الدعوة، عاقدة حولها حلقات النقاش الهادئة، في موضوعية واقتدار .. فهل يدرك المحرر مدى القمة التي ارتفعت إليها المرأة، بهذه الطفرة الكبرى، فبلغت أن تتحمل المسئولية الكاملة في الدعوة إلى الدين، في جديه وكفاءة، لأول مره في التاريخ؟ من المؤسف أن يبلغ سوء الغرض بالمحرر أن ينكر على المرأة المحصنة بأدب الدين، المسلحة بالمعرفة بالله، هذا الحق، ومجتمعنا، اليوم يحتاج، أكثر ما يحتاج، إلى المرأة ذات الدين، التي تعيش فضائله، وتنشرها، وتربي عليها الناشئة..
وأخذ المحرر يتساءل، فيما يتعلق بنشاط الاخوان الجمهوريين ((وهل هناك حزب جمهوري؟ ألم تحل الاحزاب؟))
.. وهو تساؤل الغرض وراءه بيّن، وهو استعداء السلطة علينا، بأرخص صور الاستعداء!! فهل هو يريد أن ينبّه السلطة إلى واجب تقاعست عنه، أم يريد أن يحرجها بانحاء اللائمة عليها في موقف اتخذته؟؟ ولمصلحة من يطرح هذا التساؤل المغرض؟؟
وتعقيبا على حديث (الأيام) كتب أحد الاخوان الجمهوريين كلمة موضوعية، هادئة، لم تستجب لروح المحرر العدائية، وإنما ذهبت تدحض مزاعمه بالأسانيد، وتبدد شبهاته بالوقائع. واتصل، في سبيل نشر، هذا الرد، اثنان منَّا برئيس هيئة التحرير بالجريدة، فما كان منه إلا أن أبدى الرفض التام لنشر الرد متعللا بتعلات واهية لا تستند إلى منطق، ولا تلقي احتراما!! وسيجد القارئ صوره لمقالة الرد، وصورة قلميه للقاء برئيس هيئة التحرير، في متن هذا الكتاب، حتى يلم بكافة أطراف الموضوع.
فبم يفسر رئيس هيئة التحرير إصراره على حماية محرره الذي حاول أن يجرح أعراضنا، ويستعدي السلطة علينا؟؟ إن للمواطنين حقاً علينا – نحن الإخوان الجمهوريين – في الرد على هذه الشبهات والاتهامات التي اثارتها الجريدة ضدنا.. إن لنا، وللمواطنين، على الجريدة حقاً في نشر ردنا عليها.. وحقنا هذا من الحقوق الأساسية التي على الدولة رعايتها، وحمايتها وعلى الصحافة، بوجه أخص، العمل على ضمان كفالتها.. بل إن ذلك مما يقتضيه مجرد العرف الصحفي!!
إن جريدة (الأيام) لمسئولة عن تبني آراء هذا المحرر، مسئولية تامة.. وإلا فلماذا، إن كانت مسئولية هذه الآراء تقع على كاتبها فحسب، ترفض جريدة (الأيام) نشر ردنا عليه؟؟ إن جريدة (الأيام) بذلك، إنما تتخذ موقفا عدائيا واضحاً منا، وهو موقف يسلكها في عداد معارضينا من السلفيين، والطائفيين، والاخوان المسلمين، وسدنة الدستور الإسلامي المزيف!! ونحن نرصد هنا بدقه الخط الذي تبنته هذه الجريدة في مناصبتنا العداء بغير وجه حق.. قد تكون الصحيفة واقعة تحت ضغط العناصر المعادية لنا، أوقد لا تكون!! ولكنها بالتأكيد قد حددت موقفها منّا – في غير موضوعية، أو أمانة علمية!! حدد هذا الموقف لها رئيس هيئة تحريرها في المقابلة التي جرت بيننا وبينه – كما سيرى القارئ في متن هذا الكتاب.. وهو موقف العداء الذي تعزي اليه الروح العدائية التي كتبت بها الجريدة تعليقها على نشاطنا..
فلتعلم جريدة (الأيام) أن كينونة الاخوان الجمهوريين في هذا البلد كينونة شرعية، لا مرية فيها، ولا شبهة، وهي شرعية استمدوها من ماضيهم النظيف المشرف الذي شرفوا فيه العمل الوطني بفضائل الصدق الواعي، وصلابة المواجهة الشريفة، من غير أن ينتظروا عونا، أو شكوراً، ومن غير أن يحدثوا أنفسهم بأي مغنم من المغانم التي تسابق عليها الآخرون، واحتربوا عليها، ثمناً لاشتراكهم في النضال الوطني ضد الاستعمار.. وكينونة الاخوان الجمهوريين الشرعية إنما يستمدونها، ايضا، وبأكثر مما مضى، من حاضر عامر بالعمل، الدؤوب، الجاد، لإحداث الثورة الفكرية، والثورة الثقافية، بين أفراد شعبنا، حتى يضطلع بما هو معد له، ومرشح، من دورة الريادة، والاستاذية، لسائر شعوب العالم، فتخرج بها من حيرتها، واضطرابها إلى سلامها، ورخائها..
أما موقف الاخوان الجمهوريين، من ثورة مايو فهو موقف مبدئ ومعلن، ومثبت، ضمنوه عدداً من كتبهم، وحملوه إلى سائر المناسبات.. إنه موقف التأييد والدعم الايجابيين.. وقد جاء على أساس من مبادئنا، كتداع طبيعي لمواقفنا التاريخية المشهودة في محاربة الطائفية.. فقد جاءت ثورة مايو، في الساعة الحرجة، فأوقفت مؤامرة الدستور الطائفي التي دبرتها الاحزاب الطائفية، ومن ورائها رجال الدين، ثم وقفت هذه الثورة سداً حائلاً بين الطائفية والسلطة.. كما اتجهت إلى قطع الطريق أمام عودة الطائفية بعملها في مجال الأمن، وفي مجال الوحدة الوطنية، وفي مجال التنمية الاقتصادية. فكان طبيعيا، ومنطقياً، أن تجد ثورة مايو تأييد، ودعم، الأخوان الجمهوريين، وهم الذين يسير خط حركتهم، وفي تاريخها القريب والبعيد، في اتجاه محاربة الطائفية، والتفكير الديني السلفي الذي يسير في ركابها..
وانطلاقاً من هذا الأساس المبدئي وقف الأخوان الجمهوريون مواقف ايجابيه مشهوده في مساندة هنا النظام، في أحلك الظروف، كما قد حدث إبان مؤامرة شعبان، وإبان مؤامرة سبتمبر، وإبان الغزو الطائفي الليبي.. فهل ترصد جريدة (الأيام) هذه المواقف؟؟ هل اطلعت هيئة تحريرها على كتابنا ((الطائفية تتآمر على الشعب)) الذي أخرجناه في مؤامرة سبتمبر؟؟ وماذا كان دورها في تسليط الأضواء عليه وهو كتاب عملنا على نشره في جميع بقاع السودان؟؟ وهل اطلعت على كتابنا ((الطائفية وحوادث الجمعة وعار الأبد)) الذي كتبناه في ثاني أيام الغزو الطائفي الليبي، فجبنا به أنحاء العاصمة المثلثة، ننشره بين المواطنين وفلول الغزاة لاتزال تطلق الرصاص وهي لائذة بالفرار؟؟ ألم يشكل التحليل العلمي الذي اتسم به الكتاب، وتوقيت صدوره المبكر بالنسبة للأحداث، ((ظاهرة ملفتة)) تسترعي اهتمام هيئة تحرير (الأيام)؟؟
إن حركة الاخوان الجمهوريين حركه أصيلة، وجادة، لبعث الإسلام كطريق أوحد لاجتثاث جذور الطائفية التي لاتزال ضاربة بجذرها في الصدور.. فحركتنا ليست، كما أرادت جريدة (الأيام) أن تضعها، حزباً سياسياً كالأحزاب السياسية التي تعرفها.. إننا اليوم، نقف، وحدنا، في ميدان نشر الوعي الديني الصحيح.. وهو ميدان لا يقوى على العمل فيه سوانا، وذلك بحكم مبادئنا القويمة، واساليبنا الإيجابية، ومواقفنا المشهودة.. وتفريغنا لهذا العمل إنما هو في مصلحة أية سلطة جاده في القضاء على الطائفية، وإقامة أخلاق هذا الشعب على جادة الدين القويم..
لقد برهنت المؤسسات الدينية السلفية على فشلها في محاربة الطائفية، بل أن، هذه المؤسسات بحكم تفكير رجالها السلفي، لتلتقي، أكمل اللقاء، مع الطائفية في الاهداف.. أكثر من ذلك فإن هذه المؤسسات تشكل، كما يدل تاريخ السودان القريب، رصيدا جاهزاً للطائفية!! ألم يتطوع رجال الدين ليكونوا مفكري، ومشرعي الدستور الطائفي، الذي كادت الاحزاب الطائفية أن تفرضه على الشعب قبيل ثورة مايو؟؟
إن موقف جريدة (الأيام) العدائي منا يصنفها في حظيرة المعسكر الطائفي السلفي الذي يقف اليوم ضدنا، وضد تطور الحياة في بلادنا.. فلتراجع جريدة (الأيام) هذا الموقف، لاسيما وهي مؤسسة مملوكة ملكاً عاماً، في عهد سلطة مهمتها الأساسية الحيلولة دون عودة النفوذ الطائفي إلى مواقع المسئولية.. إننا نعلم أن كثيراً، من مواقع المسئولية اليوم، يقع تحت مسئولية عناصر طائفية سلفية، وهي تستغل هذه المواقع للكيد للإخوان الجمهوريين!! ولكن أن تتحول جريدة يومية، بليغة الأثر على رأي المواطنين العام، إلى موقف معاد لفكر إسلامي تقدمي، أصيل كفكرنا، فهذا نذير صارخ بخطر النفوذ الطائفي الماثل!!
أكثر من ذلك، فان جريدة (الأيام)، بهذا الموقف إنما تتناقض حتى مع ماضيها في العهد السابق!! وتتراجع عن موقف تقدمي حر وشجاع!! لقد فتحت الجريدة أبوابها للدفاع عن الحقوق الاساسية للإخوان الجمهوريين إبان مهزلة محكمة الردة عام 1968م.. تلك المؤامرة التي دبرها التحالف الرّجعي من الاحزاب الطائفية، والاخوان المسلمين، ورجال الدين، في محاولة لإسكات صوت الأستاذ محمود محمد طه الذي ارتفع في صلابة، وموضوعيه، يكشف تضليل الطائفية، واحزابها، للشعب، وينبه إلى زيف الدستور الطائفي الذي انتحلت له الطائفية اسم الإسلام، وينشر الوعي الديني الصحيح.. وكانت جريدة (الأيام) من المنابر السباقة إلى نشر رأي الأستاذ محمود محمد طه في مهزلة محكمة الردة، والذي أكد فيه عدم شرعيتها لعدم اختصاص المحكمة، وحدد الأصابع التي حركتها، وقومها كمكيدة سياسية دنيئة، استغلت فيها الطائفية رجال القضاء الشرعي، استغلالاً سيئاً، هم أكثر الناس استعدادا للاستجابة اليه.. وكتب رئيس تحرير (الأيام)، يومئذٍ، الأستاذ بشير محمد سعيد، يشجب مهزلة محكمة الردة، وفتح المجال لرجال القانون، والفكر، والسياسة، يشجبونها، ويشجبون مدبريها.. فضمت صفحات هذه الجريدة سجلا خالداً في الدفاع عن حرية الفكر، وإدانة التآمر الطائفي عليها، ولرجال مثل الدكتور منصور خالد، والاستاذ محمد ابراهيم خليل، والمرحوم السيد حسن بابكر المهندس، والمرحوم الأستاذ صالح محمود اسماعيل.... فأين موقف جريدة (الأيام) منا، اليوم، من موقفها أمس؟؟ لقد وقفت هذه الجريدة معنا، موقف المناصر للحق، في وقت كانت فيه السلطة حربا علينا، ذلك بأنها كانت سلطة طائفية، نهدد، نحن الاخوان الجمهوريين، وجودها. فما بال جريدة (الأيام)، اليوم، تقف ضدنا في الوقت الذي تقوم فيه بيننا وبين السلطة علاقة الصداقة التي تمليها مصلحة البلاد العليا؟؟ إننا نطالب هيئة تحرير (الأيام)، بمراجعة موقفها، وبالتفطن إلى حقيقة دور الجريدة كمنبر من منابر التوعية الشعبية التي تستهدف القضاء على الاتجاهات الطائفية السلفية..
إن مهمة هذا الكتاب أن ينبه إلى الخطر الطائفي المندس، المتستر بالولاء الزائف للنظام.. وأن ينبه إلى نكوص الصحافة بوجه عام، وسائر اجهزة الإعلام عن دورها في التوعية الشعبية، وذلك بتجاهلها لأكبر حركة تضطلع اليوم، بالتوعية الشعبية، هي حركة الأخوان الجمهوريين.. إن ((مؤامرة الصمت)) التي تنفذها ضدنا أجهزة الإعلام المختلفة، وروح العداء الذي تواجهنا به جريدة (الأيام) إنما عمل مضاد للتوعية، بل هو عمل لمصلحة الطائفية مباشرة.. فلتراجع هذه المواقف، قبل فوات الأوان.. وبالله الاستعانة.