بسم الله الرحمن الرحيم
((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين))
صدق الله العظيم
مقدمة:
محنة الإسلام والفكر في مصر!
إن إثارة دعوة الاخوان الجمهوريين في الصحف المصرية قد كشفت لنا حقائق مؤسفة لا بد أن تواجه بالوضوح، وبالصدق. فالدين، والفكر، في مصر، يمرَّان بمحنة قاسية، والقوى السلفية هناك لم تكتف بعزل الدين عن الحياة، وتجريده من مضمونه الاجتماعي، وحسب، بل أخذت تجزئ الإسلام، وتقدمه كعقوبات، فقط، تطالب بتطبيقها... وهي بذلك تشوه الإسلام، وتقوم بدور الأصدقاء الذين رُزِئ بهم الإسلام أكثر مما نُكب بالأعداء، وهذه التجزئة للإسلام التي تسلبه محتواه الأساسي، وتصوره الاجتماعي والفردي الكامل، وتقدمه كمجرد قانون للعقوبات، تُقدم على اعتبار أنها التصور الإسلامي الصحيح والوحيد.. ثم إن أي مناقشة أو وجهة نظر أخرى تحاول أن توضح سعة الإسلام وشموله وجوهره تُرمى من المشايخ بالزندقة، والكفر، وتُقابل بالإرهاب الديني.. فلم تعد القوى السلفية هناك مجموعة تتحدث في حدود دراساتها النظرية التي تدمنها، وإنما أصبحت هي الإسلام نفسه.. وهذا ليس استنتاجاً منا، ولا هو رأي المشايخ في أنفسهم، وحسب، وإنما عبّر عنه مثقف مسئول في مواقع حرية الكلمة، وحق التعبير! فقال: "إن الأزهر عندنا هو الإسلام!"
ومن هنا ادعى أولئك المشايخ قداسة الإسلام، وأصبحوا لا يسمحون بالرأي المعارض لرأيهم، ولا بمجرد المناقشة لوجهة نظرهم، وإن "أخطأ عمر وأصابت امرأة"، فهم لا يخطئون، ولا أحد يجرؤ على الجريمة التي لا تُغتفر فيخالفهم الرأي، أو يُخَطِّئهم، وإن كان الخليفة الأول قد قال: "إن رأيتموني على باطل فسددوني" فمن أين أتى هؤلاء المشايخ بهذه القداسة الكاذبة التي يدارون بها عجزهم عن الصراع الفكري الذي سيبرز ميز الإسلام التي لا تُجارى، ويُمكِّن المواطنين من التمييز، والفصل بين الدين "ورجال الدين".. وبالطبع قد تكون هذه "بابوية" أو قد تكون أي شيء آخر.. ولكنها قطعاً لن تكون من الإسلام في شيء.
إننا قبل التجربة التي عشناها مع الصحف المصرية، مع القوى السلفية هناك، لم نكن نتخيل أن تقوم مثل هذه الظاهرة في مصر، وباسم الإسلام، وفي الثلث الأخير من القرن العشرين! ولكنه الواقع الغريب الذي يفوق الخيال.. فالحديث عن الدين هناك لم يعد يقوم بقيمته، ويستمد أحقيته من محتواه وإنما يستمد قيمته، وأحقيته من وظيفة ولقب من قاله.. وتوأد الحقيقة، ويُضطهد الحق، إذا جاء من خارج تلك الوظائف والألقاب التي أوشكت أن تُزهِّدنا في أرض مصر، لولا يقيننا التام بمستقبل الإسلام، وبخلاص الشعب المصري من وصايات القُصَّر.
فمحنة الإسلام تتجلى في أن فهمه، والحديث عنه أصبح محتكراً لجهات متخلفة، فالإسلام الذي هو ثورة التغيير ومدنية المستقبل الشاملة، أصبح على يد أولئك المشائخ جزءاً يُسمى العقوبات! وكانت هذه مساهمة المشائخ في حل مشاكل الانسان المعاصر، وهذا هو عطاؤهم للانسان الجديد الذي يقف في مفترق الطرق، ولا منقذ له إلا الإسلام، ولكن يحول بينه وبين الإسلام قُطَّاع الطريق هؤلاء!! وحين يصبح الفهم المتخلف هو الناطق الوحيد عن الإسلام، ويوقف عليه فهم الإسلام، ويُحمى هذا الفهم من أن يواجه الصراع الفكري، ومن الاجابة على تحديات مشاكل الحياة الجديدة، فللمرء أن يتساءل: هل هذا أمر تلقائي؟! أم أنها مؤامرة للقضاء على الإسلام؟!