وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
رسم الأستاذ محمود محمد طه الخطوط العريضة لسير الحزب في كلمة ضافية بتاريخ 20 ذو القعدة 1364ه الموافق 26 اكتوبر1945م، والمذهبية التي يسير الحزب على هداها.. وقام أعضاء الحزب بالاتصال بالنوادي المختلفة وبالمكتبة الوطنية بأم درمان للسماح للناس بالاستماع إلى هذه الكلمة ولكنهم لم يستجيبوا لنا, فقمنا بطبعها في كتيب "السفر الأول" ونشرناه عام 1945م , ونظراً لنفاد طبعات ذلك الكتيب رأينا أن نثبته هنا:
بسم الله الرحمن الرحيم
(( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فزادهم إيماناٌ، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل))
حسبنا الله ونعم الوكيل..
" أما بعد.. فعندما قيض الله للبلاد فكرة المؤتمر استجابت لها، و التفت حولها، فخرج المؤتمر مرعياٌ مرموقٌاٌ.. وانخرط الخريجون بزمامه في حماس باد، و أمل عريض.. فدعا إلى إصلاحات جمة، فأصاب كثيراً من النجاح، ووفق، بوجه خاص، في يوم التعليم.. فقد جمع الأموال، وأفتتح المدارس في شتي أنحاء القطر، أو، إن أردت الدقة، إنه ساعد العاملين من أبناء مدن القطر على إنشاء المدارس الوسطى التي أرادوها، وقد كان، كلما أنشأ مدرسة، أو ساعد على إنشاء مدرسة، تخلى عنها لمصلحة المعارف تسيرها وفق مناهجها، وأولاها ظهره، وتطلع إلى غيرها.. فقد جعل وكده إنشاء المدارس، ولا شيء بعد ذلك.. ثم إن المؤتمر كان له رأى ونشاط في الميدان الاقتصادي وفي إصلاح القرية، و إصلاح الفرد، و محاربة الأمية، وتحسين الصحة العامة، إلى آخر ما إلى ذلك، مما جعل المؤتمر مرجواً.. ثم ولدت الحركة السياسية في المؤتمر، و ذلك يوم بعث بمذكرة للحكومة يطالب فيها إلى جانب حقوق أخرى بحق تقرير المصير.. و قد أحاط المؤتمر هذه المذكرة بتكتم رصين، عاشت فيه، حتى اللجان الفرعية، في ظلام دامس.. ثم أخذ يتداول مع الحكومة الردود بهذا الشأن بدون أن يعني بأن يقول للجان الفرعية، بله الشعب، كيف يريد أن يكون هذا المصير الذي يطلب أن يمنح حق تقريره.. ثم انقضت فترة، و مشت في المؤتمر روح شعبت أتباعه، شيعاً، على أساس الصداقات، و تجانس الميول، بادئ الرأي، ثم اتخذ كل فريق اسما سياسياً، و جلس يبحث مبادءه، و دساتيره.. فمنهم من يريد للبلاد اندماجا مع مصر، و منهم من يريد لها اتحاداً، ومنهم من يريد لها شيئاً لا هو بهذا، و لا هو بذاك، و إنما هو يختلف عنها اختلافا، هو على أقل تقدير، في أخلاد أصحابه، كاف ليجعل لهم لوناً يميزهم عن هؤلاء، و أولئك.. انبثت هذه الأحزاب، و تعددت، واختلفت، فيما يوجب الاختلاف، و فيما لا يوجب الاختلاف.. و لكنها كلها متفقة على الاحتراب على كراسي المؤتمر، و على الاستمرار في حرب المذكرات هذه، مع الحكومة.. و إن الحال لكذلك، و إذا بالخبر يتناقل بقرب مولد حزب جديد . ثم ولد حزب الأمة بالغاً، مكتملاً.. و جاء بمبادئ يغاير المعروف منها مبادئ الأحزاب الأخرى مغايرة تامة، و يكشف المجهول منها غموض يثير الريب.. و المؤتمر في دورته هذه بيد الأشقاء، و هم قد كان مبدؤهم الاندماج، أول أمرهم، و لكنهم، عندما قدموا مذكرتهم للحكومة، حسب العادة المتبعة، ظهر أنهم اعتدلوا، و جنحوا إلى الاتحاد.. و لكن الحكومة ردت عليهم رداً لا يسر صديقاً.. فعكفوا عليه يتدارسونه حسب العادة أيضاً، و لكن هذه مساعي التوفيق تسعى، بين الأحزاب، لتتحد، و تقدم مذكرة جديدة للحكومة.. فكانت مساومات، و كانت ترضيات.. بين من يريدون الإنجليز، و بين من يريدون المصريين، و ظهرت الوثيقة ـ هكذا أسموها هذه المرة ـ الوثيقة التي تنص على حكومة ديمقراطية حرة، في اتحاد مع مصر، و تحالف مع بريطانيا..
هذه صورة سريعة جداً، مقتضبة جداً، لنشاط المؤتمر في السياسة، و في الإصلاح.. ولسائل أن يسأل لماذا لم يسر المؤتمر في التعليم الأهلي على هدى سياسة تعليمية موضوعية، منظور فيها إلى حاجة البلاد كلها، في المستقبل القريب، و البعيد ؟
و لماذا لم يعن المؤتمر بمناهج الدراسة كما عنى بإنشاء المدارس؟
و له أن يسأل لماذا، عندما ولدت الحركة السياسية في المؤتمر، اتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات و لم تتجه إلى الشعب، تجمعه، و تنيره، و تثيره لقضيته ؟؟
و لماذا قامت عندنا الأحزاب أولاً، ثم جاءت مبادؤها أخيراً ؟؟
و لماذا جاءت هذه المبادئ، حين جاءت، مختلفة في الوسائل مختلفة في الغايات ؟؟
ولماذا يحدث تحور، و تطور، في مبادئ بعض هذه الأحزاب، بكل هذه السرعة ؟
ثم لماذا تقبل هذه الأحزاب المساومة، في مبادئها، مساومة جعلت أمراً كالوثيقة عملاً محتملاً، و قد وقع واستبشر به بعض الناس؟
نعم لسائل أن يسأل عن منشأ كل هذا ـ والجواب قريب: هو انعدام الذهن الحر، المفكر، تفكيراً دقيقاً، في كل هذه الأمور، فلو كان المؤتمر موجهاً توجيهاً فاهماً لعلم أن ترك العناية بنوع التعليم خطأ موبق، لا يدانيه إلا ترك العناية بالتعليم نفسه.. و لأيقن أن سياسة (سر كما تشاء) هذه المتبعة في التعليم الأهلي سيكون لها سود العواقب في مستقبل هذه البلاد . فإن نوع التعليم الذي نراه اليوم لن يفلح إلا في خلق البطالة، و تنفير النشء من الأرياف، و تحقير العمل الشاق في نفوسهم.. وانعدام الذهن المفكر تفكيراً حراً دقيقاً هو الذي طوع للمؤتمر يوم ولدت فيه الحركة السياسية، وهي قد ولدت ميتة، أن يعتقد أن كتابة مذكرة للحكومة تكفي لكسب الحرية، حتى لكأن الحرية بضاعة تطلب من الخارج، و يعلن بها الزبائن بعد وصولها، حتى تكون مفاجأة، و دهشة!! و لو أن جميع الأحزاب القائمة الآن استطاعت أن تفكر تفكيراً دقيقاً لأقلعت عن هذه الألاعيب الصبيانية التي جعلت الجهاد في سبيل الحرية ضرباً من العبث المزري.!!
و آية العجز عن التفكير الدقيق عند قوم أن تراهم يخلطون تخليطاً مشيناً بين الوسائل و الغايات، أو بين الوسائل التي تفضي عن قريب إلى الغاية، و الوسائل البعيدة الإفضاء.. فتراهم ينفقون جهداً جهيداً فيما لا يستحق أن يعنى الرجل الرشيد طرفة عين!! و قديماً طوع العجز عن التمييز بين الوسائل و الغايات لبعضهم أن يقول (الغاية تبرر الوسيلة) و هو قول خطأ من أصله.. فإن الغاية لا تبرر الوسيلة، و إنما تعينها، أو تعين حظها من مراقي الرفعة.. فالغايات الرفيعة، كالحرية مثلاً، لا يمكن أن يتوسل إلى منازلها بغير وسائل التضحية، و وسائل النبل، و وسائل القصد الصريح، ذلك بأن الوسائل بسبيل من الغابات.. و هي، في سبحاتها العليا، تلتقي بها، و تتواشج معها، حتى لقد يصبح التمييز بينهما رياضة تستعصي حتى على فحول العقول.. و المقدرة على التمييز الدقيق بين الوسائل و الغايات هي أول، و ألزم ما يجب أن تتحلى به العقول التي تتصدى لتوجيه مصيرنا.. نحن، لأنا ضعفاء، ننشد القوة، فما نقوى على إنفاق الجهد في غير غناء، و لأنا قلال، نبغي الكثرة فما نطيق أن نذهب شيعاً، وأهواء !!
نحن اليوم بسبيل حركة وطنية تسير بالبلاد في شحوب أصيل حياة العالم هذه المدبرة، إلى فجر حياة جديد، على هدى من الدين الإسلامي، و برشد من الفحولة العربية، و بسبب من التكوين الشرقي.. و لسنا ندعو، أول ما ندعو، إلى شيء، أكثر و لا أقل، من إعمال الفكر الحر فيما نأتي، و ما ندع من أمورنا.. الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد، و يسأل عن قيمة كل شيء، و في قيمة كل شيء.. فليس شيء عنده بمفلت عن البحث، وليس شيء عنده بمفلت عن التشكيك.. فلا يظنن أحد أن النهضة الدينية ممكنة بغير الفكر الحر.. و لا يظنن أحد أن النهضة الاقتصادية ممكنة بغير الفكر الحر.. و لا يظنن أحد أن الحياة نفسها يمكن أن تكون منتجة ممتعة بغير الفكر الحر .
إن الحزب الجمهوري لا يسعى إلى الاستقلال كغاية في ذاته، و إنما يطلبه لأنه وسيلة إلى الحرية.. و هي التي ستكفل للفرد الجو الحر الذي يساعده عل إظهار المواهب الكمينة في صدره و رأسه . و يؤمن الحزب الجمهوري، إيماناً لا حد له، بالسودان.. و يعتقد أنه سيصبح من الروافد التي تضيف إلى ذخر الإنسانية ألواناً شهية من غذاء الروح، و غذاء الفكر، إذا آمن به أبناؤه، فلم يضيعوا خصائصه الأصيلة، و مقوماته، بالإهطاع نحو الغرب، و نحو المدنية الغربية، في غير روية، ولا تفكير.. و رأي هذا الحزب في المدنية الغربية، هو أنها محاولة إنسانية نحو الكمال.. و هي ككل عمل إنساني خطير، مزاج بين الهدى و الضلال.. و هي لهذا، جمة الخير، جمة الشر، و شرها أكبر من خيرها.. و هي كذلك بوجه خاص على الشرقي الذي يصرفه بهرجها، و بريقها، و زيفها، عن مجال الخير فيها، و مظان الرشد منها!!
ويرى هذا الحزب : أننا ما ينبغي أن نتقي هذه المدنية، بكل سبيل، كما يريد المتزمتون من أبناء الشرق.. و لا ينبغي أن نروج لها، بكل سبيل، و نعتنقها، كما يريد بعض المفتونين، المتطرفين، من أبناء الشرق.. و إنما ينبغي أن نتدبرها، و أن ندرسها، وأن نتمثل الصالح منها.. هذه المدنية تضل و تخطئ، من حيث تنعدم فيها معايير القيم، وتنحط فيها اعتبارات الأفكار المجردة.. فليس شيء لديها ببالغ فتيلاً إذا لم يكن ذا نفع مادي، يخضع لنظام العدد، والرصد.. فهي مدنية مادية، صناعية، آلية، وقد أعلنت إفلاسها، وعجزها، عن إسعاد الإنسان، لأنها كفرت بالله، و بالإنسان.. و يعتقد الحزب الجمهوري أن الشرق، عامة، و السودان، خاصة، يمكنهما أن يضيفا عنصراً إلى المدنية الغربية هي في أمس الحاجة إليه، وذلك هو العنصر الروحي..
هذا هو إيمان الحزب الجمهوري بالشرق، وبالسودان، وذلك هو رأيه في المدنية الغربية، وعلى هذا الإيمان، وذلك الرأي، اتخذ الحزب طريقه على النحو الآتي:
أ- المسألة السياسية :
أما هذه فالمبدأ فيها الجلاء التام.. والوسيلة الحكومة الجمهورية الديمقراطية.. والغاية إسعاد الفرد بإشاعة فرص الكسب حتى يعيش في مستوى يليق بكرامة الإنسان، وبضمان الجو الحر الذي يساعد على إظهار المواهب الكمينة في صدره، ورأسه، وقد جاء بياننا في الصحف كافياً عن إطالة الكلام في هذا.. ولكننا نريد أن نذكر هنا أن عتادنا في هذه المسألة هو الشعب السوداني الموحد المستنير.. ولخلق هذا، فإن علينا أن نبث فيه روح الإعزاز، وأن نوقظه، وأن نثيره، وأن نكتبه، وأن نجمعه حولنا.. وإن علينا أن نبعث في الأمة حياة نابضة، شاعرة، وأصيلة، إلى جانب حياة كل فرد، وكل طائفة، وكل مجموعة، حتى تضطرب الأمة في ميادين التجارة، ومعامل الصناعة، وحقول الزراعة، ودور العلم، ومحافل السياسة، وهي شاعرة بحياتها، مأخوذة بروح مشبوب إلى الكمال، موكل باقتحام السدود المضروبة دون الحرية والاستقلال.. فإن الأمة التي لا يعتلج صدرها بدواعي القلق، ودوافع الحياة، ليست خليقة بأن تعز، ولا بأن تعلو، بل هي لا يمكن أن تعز وأن تعلو، فقد قضى ربك ألا تكون الحرية شيئاً مسفاً يناله المستلقي على هينته، والجالس.. ولو قد كانت، لما طويت عن أخ الخنع اليراع..
والحزب الجمهوري هذا لن يتقاضانا أكثر من أن نؤمن بحقنا في الحياة الحرة الكريمة.. ولا أكثر من أن نستيقن من أنه من ألزم واجباتنا أن نهيئ لأخلافنا حياة ترتفع عن حياة السوائم والأنعام، فإن هذه الحياة التي نحياها نحن اليوم، هذه الحياة التي تستغرق مطالب المعدات والأجساد كل جهادها، وكل كدها، لهي حياة لا يغبط عليها حي حياً.. فإن نحن رضيناها لأخلافنا من بعدنا إنا إذن لخاسرون.. لن يطلب إلينا الحزب الجمهوري أكثر من هذا الإيمان، ولا أكثر من ألا نجعل في حسابنا موضع إهاب للهمم الفواتر التي رمتها نوازع الشكوك، واعتركت على مقعد يقينها غوائل الظنون، وشعبتها مصارف الزيف.. فإن تلك الهمم لهي بئس العتاد إذا احلولكت بهمة الظلام، واستبهم طريق اليقين، والتبست مسالك النجاة..
ب ـ المسألة الاقتصادية :
كل الموارد الاقتصادية ستلقى عناية تامة، والمورد البشري بوجه خاص.. فإنا أفقر إليه منا إلى أي شيء آخر عداه.. فإن عدد السكان يجب أن يزيد.. وصحة الفرد يجب أن تتحسن.. وذلك يقتضي العناية بغذاء الأطفال، وسكنهم، وتعليمهم في الهواء الطلق، وتحبيب الرياضة البدنية إلى نفوسهم، وبذلك يستطيع السودان أن يقوم على سند من شباب قوي الأسر، قوي الأخلاق، قوي العزم على القيام بمناصرة الحق، في ثقة، وثبات، حتى لكأنه الطود الأشم.. أو لكأنه العيلم المسجور ـ والمكان الأول من هذه العناية سينصرف لمواطنينا سكان الجنوب الذين قضت عليهم مدنية القرن العشرين أن يعيشوا حفاة، عراة، جياعاً، مراضاً، جهلة بمعزل عنا.. فهؤلاء يجب أن نسلكهم فينا، وأن نخلطهم بنا.. ويجب أن نستقل الأراضي النضرة الخصبة التي يقومون فيها، ويجوسون خلالها كأنهم الظلال . ويجب أن نريهم كيف يستغلونها ليحيوا حياة الأناس ..
إن الإنسان لا يمكن أن يحب بلاده، وأن يفخر بها، وأن يستقتل في سبيل الدفاع عنها، وعن حريتها، إذا كان إنما يحيا فيها بائساً، جائعاً، محروماً.. وإن الإنسان لا يمكن أن يصح رأيه في نفسه، وأن يحترمها، وأن يربأ بها عن مواقف الذل والهوان، إلا إذا كان يشعر بأنه يحسن عملاً شريفاً يكسب منه قوتاً شريفاً.. وكذلك سيولي الحزب الصناعة المحلية، والمقدرة الفردية، عناية خاصة.. سيعنى الحزب بالصناعات التي تنتظم الإنتاج الزراعي..
ج ـ مسألة التعليم :
يطمع الحزب الجمهوري بأن يسير بالحياة على هدى الدين الحنيف.. ويطمع في أن يرد الحياة إلى ما كانت عليه أيام عمر ـ عمر العظيم.. أيام كان فيها الناس آدميين كآدم ـ أيام كان الناس يخافون الله ولا يخافون شيئاً عداه ـ أيام كانوا ينشدون العزة، فيطلبونها عند الله، ويعلمون ان العزة لله جميعاً ـ نعم يطمع الحزب الجمهوري في أن يرد الحياة إلى ما كانت عليه في تلك الأيام الغر، وسبيل الحزب الجمهوري إلى ذلك هو التعليم على أسلوب غير هذا الأسلوب المضلل الذي نسير عليه اليوم..
فالتعليم لدى هذا الحزب إن هو إلا إعداد للرجل ليحيا حياة نافعة في مجموعة الرجال الذين سيعيش بينهم.. وإعداد للمرأة لتحيا حياة نافعة في مجموعة النساء اللائي ستعيش بينهن.. فهو إذاً تنمية للمواهب الطبيعية، وحفز على استخدامها بطريقة تكفل للفرد السعادة، وتعود على الجماعة التي يعيش فيها بأبر الخدمات.. وستشمل برامج التعليم الرياضة البدنية في الهواء الطلق، وقواعد الصحة العامة.. وسنرمي بمزاولة الأعمال اليدوية إلى تحبيب العمل الشاق إلى نفوس النشء، وإلى تثقيف اليد والعين.. وسيعمد إلى تحبيب الأرياف إلى النشء بتحبيب الطبيعة، وبدرس حياة النبات، والطيور والزهور، وسنقصد إلى غرس أصول الأخلاق كالثقة بالنفس، والصبر، والمثابرة، وقوة الابتكار، والكلف بالدفاع عن الحق، والتأذي من رؤية الظلم والفساد ـ وما يرى الحزب الجمهوري أن يكون هناك تعليم ديني، وتعليم مدني، كل في منطقة منعزلة عن الأخرى.. ولا يرى أن يكون للرجل أخلاق في المصلى، وأخرى غيرها في الحانوت، أو الشوارع، وإنما يرى أن يتعلم كل الناس أمور دينهم، وأمور معاشهم، ثم يضطربون في ميدان الحياة بأجسام خفيفة، وأرواح قوية، وقلوب ترجو لله وقاراً..
إن التعليم يجب أن يبدد السخافات التي رانت على جوهر الدين، وأن يذهب القشور التي حجبت المعين، وأن يرد بالشعب المناهل التي شرب منها عمر، وأصحاب عمر..
د ـ مسألة المرأة :
وهى مسألة تنذر بسود العواقب، وتهدد بتدهور أخلاقي ما له من قرار.. وسيولي هذا الحزب هذه المسألة عناية ما عليها من مزيد.. وسنرى !! وأما عن تعليم المرأة عندنا فيرى الحزب أن سيره على هدى الغرب فاشل فشلا ذريعا.. فهم قد حاولوا أن يسيروا بها في مراحل الرجل، فلم يفلحوا إلا في جعلها شيئا لا هو بالرجل، ولا هو بالمرأة . وإذا كان التعليم هو، كما أسلفنا، تنمية المواهب الطبيعية، والحفز على استعمالها بطريقة تكفل للفرد السعادة، وتعود على الجماعة التي يعيش فيها بأبر الخدمات، كان من المحقق أن تعلم المرأة تعليما هو بسبيل من هذا ـ تعليما يسلكها في ميدانها الخاص، لا في ميدان الرجل.. هذا من ناحية التعليم في التوفر على أسباب المعاش.. وأما التعليم الديني فهو يخاطب المرأة، كما يخاطب الرجل، ويطلب من كليهما حسن السيرة، وقوة الخلق..
هذه هي أصول أهم الشعاب التي ينساب فيها نشاط الحزب الجمهوري، منذ اليوم.. ولدى الحزب جمعيات اختصاص بكل مسألة من هذه المسائل تتوفر على الدرس، والاستقصاء، والفهم المستقيم، والتوجيه الصحيح، والعمل النافع.. وإن على التفكير الدقيق، والفهم المستقيم، ليتوقف كل النجاح ..
ورائد الحزب الجمهوري في اعتساف هذا الطريق هو الإيمان ـ الإيمان القوي الذي لا يتطرق إليه الوهن، بالله، وبأن الإسلام هو طريق النجاة للعالم أجمع، وبأن الشعب السوداني يملك أكثر من غيره، أسباب الرشد، وأسباب الإنابة.. وشعار الحزب الجمهوري قول الذين قال عنهم الله تعالى :- "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"
حسبنا الله ونعم الوكيل