وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
إلى الابن المبارك أمين محمد صديق .. حفظه الله
سلاما واحتراما يليقان بموقفكم نحو أخيكم محمود..
وبعد..
فإني بخير والحمد لله وقد استلمت خطابكم وشكرا لكم على ما جاء به، وقد أكد لي ما سمعته عنكم من متنوع الجهود التي بذلتموها فيما أنتم بصدده..
بارك الله فيكم وحقق آمالكم ونفع بكم وطنكم..
الحقيقة إني غير منزعج، لأني كنت أتوقع من حين لآخر، أن يحصل لمحمود ما حصل، وأتوقع ما هو أصعب، وطبعا لا بد من ثمن مقابل التمسك بالمبدأ.. وفقط ألفت نظركم إلى أن الزعامة السياسية تحتاج إلى مرونة لا سيما في مثل هذا الأوان رغما عن أني أتمثل كثيرا بالبيت الآتي موجها لمحمود:
خلقت لعهد غير عهدي فلا تكن * جبانا إذا ما ضيم لا يتمرد
قدر الله ما فيه الخير، ووفقنا وإياكم لخدمة الوطن العزيز..
في مقابلتي لمدير الخرطوم بالنيابة تحدثت معه بخصوص محمود حديث المخلص الراغب في حسن سمعة حكومته، وقد تشعب الحديث كثيرا وأفهمته بأن عادتي الصراحة معهم منذ ما اجتمعنا بهم.. وإلى اللقاء..
رزق محمود بنتا وأبرقت لشريف بوقته، وجاءني الرد منهما ومن محمود منفردا تلغرافيا، والحمد لله على السلامة، وابنه محمد بخير وهو في غاية العربدة..
المبلغ وصل، ولا داعي مطلقا لأن يشغل محمود باله في هذا الخصوص، لأنه يعرفني تماما وخصوصا من الناحية المالية، ويتأكد من استعدادي لمساعدته في أي وقت، وإني أؤكد، عليكم بألا تعودوا لمثله..
أسأله تعالى أن يسمعنا عنه خيرا، ويهيئ له سبيل النجاح المادي والأدبي..
أحب أن تكتب لي من وقت لآخر بما وصلتم إليه، وإذا رأيت حضوري فإني مستعد ولولا شغلي الكثير بمباشرة بناء المدرسة لحضرت قبل ذلك..
والسلام عليك وعلى إخوانك من المعجب باتحادكم، المقدر لجهودكم، الداعي لكم بالنجاح..
والدك
محمد لطفي عبد الله
10/7/1946م
ملحوظة: كتبت لمحمود بواسطة مأمور السجن مطمئنه فقط على أولاده..