وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
أخي العزيز .. تحية
آمل أن تكون وإخوانك بخير..
أظن فهمت من التلغراف أني رزقت بنتا أسميتها فاطمة..
أكتب هذا وأنا في نهاية يومي الثالث من الصيام، أو سمه إن شئت الخلوة.. فقد طاب لي أن أتجه إلى الله خاليا فلا أحمل في أحشائي أكلا ولا ماء، فأرجو أن يتقبلني الله فيقربني ويرفع الغشاوة عن بصري وبصيرتي حتى أرى الحقائق كما هي، والله المستعان..
عندما تقرر نقلي إلى الأودة التي كانت زنزانة لي من قبل، كان قصدهم أن يبعدوني عن باقي المساجين لأني أصررت على الجلوس وهم يؤذيهم أن تقع أعينهم على فلا أقوم..
وهذه الأودة موبوءة، ما في ذلك ريب، وهي زيادة على ذلك مظلمة من النور..
شاوروا دكتور تيجاني ونصح بها، وقد كتبت لك عن تيجاني شيء قبل هذا، فإن اتسع المقام هنا سأزيدك وإلا ففيما مضى الكفاية.. وسيحاول دكتور تيجاني إقناع الناس والمؤتمر، ولو علم الناس الحقيقة لنبذوه نبذ النواة، ولو علمها المؤتمر لفصله لوقته وستظهر الحقيقة يوما والله لا يهدي كيد الخائنين!!
أنا رغم الصعوبات التي ألاقيها، ورغم العنف الذي مستهدف له مستبشرا خيرا، فإن الزمن في صالح الحكومة وضدنا نحن السودانيين عامة، والجمهوريين خاصة..
في هذه القضية، لو سارت ظروفي في السجن سيرا لا احتكاك فيه فأنفقت العام في راحة ودعة، لما كان خير في هذه الحركة، ولكن مرحبا بالشدة فإنها تحيي موات النفوس وموات الشعوب!!
عندما أمرت بالسكن بهذه الغرفة، قابلت الحكمدار فسألته تعليماته، فقال هي أن تسكن بهذه الغرفة لأني لا مكان لي سواها.. وأنا أعلم أن لديه بالدرجة الثانية، القسم الخاص بالأوربيين، غرفا فوارغا، ولكنه لا يريد أن يميزني بسكن أفضل من سكناي الأولى تكون نتيجة لتعصبي ضدهم وامتناعي عن الإذعان لهم.. وطبيعي جدا أن يكيد لي كيدا، وأرفق لك مع هذا ورقة يظهر لك الفرق فيها بين قسمي السجن..
قلت ذلك حسن، والأمر أمر.. ولكن أحب أن تعرف رأيي وهو أن الحكومة قد أحضرتني إلى هنا لأني لم أمض تعهدا أريد به تقييدي وشل حركتي.. واعتراضي على هذا التصرف من جانب الحكومة كبير جدا، غير أني الآن أمام تصرف أبشع من الأول، هو أن تحاول الحكومة الضغط على بشتى الوسائل في السجن لتحملني على الإذعان لما تطلب من قيود!!
أنا أفهم المسألة على الوجه الآتي:
إن على الحكومة أن تقسرني على إمضاء التعهد، والمسدس مصوب إلى دماغي، فإن لم تفعل ذلك، فليس من النبل أن تغصبني بما يضايقني ويضيع وقتي ونشاطي في غير طائل.. فإن لها فقط أن تضع وتفرض على من قوانين السلوك ما يضمن لها عدم إذاعة آرائي السياسية.. أما وقتي فمن حقي وحدي تنظيمه تنظيما يكفل لي الاستفادة منه، وعليها فوق ذلك أن توفر لي كل ما من شأنه أن يعينني على ذلك، فرش معقول وسكن معقول ونور وسماح بمكتبة واستعمال ملابسي الخصوصية وأوراق وأقلام وزمن للرياضة يناسبني أنا، وغذاء يتفق معي.. فإن عجزت عن ذلك وما ينبغي أن تعجز، فإنه يجب عليها أن تطلق سراحي وليس من الجائز عقلا أن أدخل أنا في السجن في أودة مظلمة موبوءة لا شغل لي فيها إلا أن أجلس على حساب شعوري ونفسي ونشاطي، لا لشيء إلا لأن لي في خدمة وطني رأيا لا يسر الحكومة أن يذاع.. وأنا إزاء هذه المعاملة السيئة لا أجد احتجاجا لقومي مما أرى من وسائل..
ففهم عني ذلك جيدا، وتأثر له تأثرا ظاهرا، ولكن التعليمات لديه من الجهات العليا.. وقد طلبت منهم اليوم أن تقابلني، فلم يجيبوني إلى شيء بعينه إلى الآن..
أنا أعرف الضيق الذي تلاقونه من تخاذل الأعوان وربما الجرائد التي ينبغي أن تكون أول من ينفح عن هذه الحرمات.. ولكني أرى أن تقوموا بعمل حاسم، وتتصلوا بكل أعضاء مؤتمر السودنة، وتفهموهم أنهم بتعاونهم مع الحكومة في الوقت الحاضر، وهي تسلك هذا المسلك، مع رجال القضية الوطنية إنما يستعملونهم مخالب قطط!!
وأرى أن يكون ترككم المكاتب بطريقة مؤثرة كأن يحضر عبد القادر ومكاوي إليك في المكتب الساعة الحادية عشر على مرأى من الموظفين فتخرجوا طوافا على كل أعضاء الحزب الجمهوري، كل في مكتبه، على مرأى من الموظفين معه، فيخرج معكم إلى أن تطوفوهم جميعا، ثم تمروا على الصحف تعلنوا احتجاجكم وتفهموها ما عملت، وتمروا على من تهابه من جهات وهيئات..
فإن رأيتم معي هذا الرأي، فاعتقدوا أن الطريق قريب جدا وأن الحكومة لا تلبث أن تذعن لأنها تخشى أن يتسع الخرق وتصبح القضية الوطنية عامة.. فإن ملكتم ما تريدون فتستطيعون أن تقنعوا الحكومة بأحد أمرين: إما عرضي على المحاكمة كما طلبتم في جوابكم، وهو مطلب معقول.. وإما أن تقتحموا السجن كلكم، هو سعد لكم، فيه المنازل وهي استماتة ليست بالكثيرة ولكنها ستخرج الأصول من هذه الحكومة التي أصبحت أعضاؤها لا تحتمل شيئا..
ولكن لا تفعلوا شيئا من هذا إلا بعد أن تقيموا الأرض وتقعدوها.. انشروا بياناتكم هذه في الجرائد لتلهبوا بها الشعور..
أنا أعرف أن الرأي العام نائم!!
ولكن أعمال البطولة والجسارة الظاهرة لن يطيق عليها صبرا.. وقد أزفت الأزفة والله معنا ولن يتبر أعمالنا وسترون أنكم منتصرين في وقت قريب.. وثقوا أني هنا أجد لذة في الألم لا تعادلها لذة، ولذلك فإني أتعرض للاحتكاك بهم في كل ما أرى فيه مسا بكرامة القضية الوطنية، وليس بكرامتها مقصد بالذات، ولكنها لن تتأثر على يديّ ولا تضمخ بالتراب وفي عروقي دم وفي صدري نفس!!
وأما دكتور تيجاني فلا أريد أن تحملوا عليه إلا عند المؤتمر، فإنه وطني - سوداني أقصد، مهما كانت حالته، وربما يجيء يوم حسابه..
((الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل))..
المخلص
محمود محمد طه
أدناه الكشف الذي أشار إليه الأستاذ محمود في جوابه آنفا، والذي يوضح التمييز بين الأجانب والسودانيين من مسجوني الدرجة الثانية، قبل أن يحصل الأستاذ محمود للسودانيين على حقهم المهضوم:
القسم الأجنبي *** القسم السوداني
1 سرير *** 1 كنبة خشب
2 مرتبة *** لا شيء
2 مخدة *** لا شيء
2 ملاءة *** لا شيء
3 بطاطين *** 3 بطاطين
1 تربيزة مكتب*** لا شيء
1 كرسي مكتب*** لا شيء
1 كرسي جلوس*** لا شيء
1 أودة *** نصف أودة أو جزء من الأودة
لحم ضاني *** لحم بقري
عشاء طازة *** عشاء من نفس الغداء
بلح *** لا شيء
مكتبة وجرائد *** لا شيء
زيارة القسيس *** لا شيء
يساق الوطنيون للعمل بالورش ويخاطبون بأعنف الكلمات، وللأجانب مطلق الحرية في أن يذهبوا أو لا يذهبوا..
هذا الكشف يعطي فكرة عن الفوارق الكبيرة جدا بين قسمي الأجانب والسودانيين بسجن الدرجة الثانية، وهذه الفوارق الظاهرة في العتاد والحطام ليست نتيجتها فوارق الراحة فقط، وإنما فوارق الحرية والمعاملات.. فإن الحراس والموظفين المسئولين يعاملون مساجين القسم الأجنبي بمجاملات ظاهرة جعلت حياتهم في السجن أكثر راحة منا بمرحل كثيرة.. فهم مثلا، يستطيعون أن يخرجوا متى شاءوا، ويستطيعون أن يذهبوا للمكتب، وأن يجلسوا في الفرندات، وأن يتحدثوا بالتلفون، وأن يستعملوا ساعاتهم ووابورات الجاز الخصوصية، وأن يخرجوا للفسحة في الوقت المحدد للجنينة وأداؤها جماعات، بينما يقف ببابنا نحن، حارس لا يريم..
كل هذه الفوارق لا نرى فيها مبررا إطلاقا، فنرجو إزالتها كما نرجو إزالة الآتي:
1/ الأدبخانات الحاضرة قريبة جدا من الغرف يمتلئ المكان برائحتها، فنرجو أن تستعمل الأدبخانات التي بالحوش الخارجي، وأن تفرغ الجرادل مرتين في اليوم مع الإكثار من استعمال الفنيك..
2/ مرضى السل بكرنتينة الدرجة الثانية غير مراقبين، فهم يتفون حيثما اتفق في الحوش، وأحيانا عند الباب وفي ذلك خطر واضح في نشر العدوى فنرجو ترحيلهم..
3/ نرجو إحضار حلاق خاص بالدرجة الثانية..
4/ نرجو أن تصرف المهمات للكل على الكمال، وللمجانين أيضا، الذين لا تؤمن ساحتهم ومن أجل خطرهم والذين جيء بهم للحفظ هنا..
(قمنا بشرح هذه الحقائق للأحزاب والهيئات والصحف كما وضحنا في الصفحات السابقة)