وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
كانت الحركة الوطنية منذ قيامها تسير في تهيب شديد من خشية الإنجليز.. وكان قادة الأحزاب الكبيرة، كأنما يمشون على البيض من الحذر.. فالحركة السياسية، كما أسلفنا القول، قد ولدت ميتة، تحمل في يمينها فراغ الفكرة وفي يسارها فراغ الحماس والجرأة والشجاعة.. فأخذ الجمهوريون على عاتقهم ملء هذا الفراغ علهم يفتحوا أبواب السجون للقادة، حتى تقوم الحركة الوطنية على تضحيات، وبسالة تربي روح الإعزاز في أفراد الشعب.. ومن أجل هذا، فقد قررنا مواجهة الإنجليز وتحدي كل القوانين المقيدة للحريات العامة، فأخذ أعضاء اللجنة التنفيذية أنفسهم بهذه البيعة:
بيعة الحزب الجمهوري
1/ نحن مقتنعون أن المدنية الغربية فاشلة في إسعاد الإنسان..
2/ إن طريق النجاة لنا نحن الشرقيين خاصة والعالم أجمع هو الإسلام..
3/ يرد الإسلام إلى أصوله الأولى – القرآن وحياة الرسول..
4/ ليس في الإسلام عنصرية ولا أوطان..
5/ في الإسلام ما دمت مؤمناً فلك كامل الحرية في البحث..
6/ نعاهد الله أن نقول الحق أينما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم ..
7/ نعاهد الله على الاستمساك بالدعوة الدينية التي ترد الأصول إلى الله والرسول، ولا نلين ولا نداجي ولا نخاف فيها أذى ولا مساءة ولا قتلاً ولا تشريداً..
8/ نعاهد الله على أن نبذل في نصرة القضية النفس والمال والراحة، في عسرنا ويسرنا وفي منشطنا ومكرهنا..
9/ نعاهد الله على أن نعمل في إعلاء كلمته منكرين ذواتنا وحظوظ نفوسنا، موقنين بان الله لا يضيع أجر العاملين..
10/ نعاهد الله على ألّا نسرق ولا نزني ولا نكذب، ولا نأتي بفاحشة مبينة بين أيدينا وأرجلنا، مبتهلين إلى الله ليثبت ويقود عزائمنا وينجح مقصدنا..
بسم الله الرحمن الرحيم
(( والعصر .. إن الإنسان لفي خسر .. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر..))..
صدق الله العظيم
التوقيع:
محمود محمد طه
أمين محمد صديق
منصور عبد الحميد
محمد فضل الصديق
محمد المهدي مجذوب
6/11/1945م
انطلاقا من هذه البيعة اتجه الجمهوريون لإشعال الحركة الوطنية، وكان لابد من الشجاعة، ومن التهور، ومن التطرف لاسترعاء انتباه الحركة الوطنية.. فأخذوا في إصدار المنشورات المثيرة علنا، وبتوقيعاتهم، والخطابة في المقاهي العامة والمساجد.. وكان شعارهم في ذلك الوقت:
" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل"..
كان موقف السلطات منهم، في بادئ الأمر، أن أصدرت تعليمات سرية بعدم التعرض للجمهوريين حتى لا نخلق منهم بطولات تستدر عطف الشعب عليهم، وتدفعه إلى الالتفاف حولهم، كما حدثنا السيد إسماعيل محمد بخيت ضابط البوليس.. ولما لم تفلح، بعملها هذا، في قتل روح الحماس في نفوس القائمين بأمر الحزب، لم تصبر طويلا..