وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
لم يقف كيد أمين مصطفى التني، عند هذا الحد، وإنما تضافرت جهوده وجهود حزب الأمة، ومكتب السكرتير الإداري لتقويض هذه الفكرة الثائرة.. فسعى إلى تكوين حزب باسم الحزب الجمهوري ليلبس على الناس أمر جماعتنا، وقد أعانه على هذا، أعوان سخرهم له مكتب السكرتير الإداري وجريدة الأمة إضافة إلى موقف الصحف الأخرى ومقاطعتها لنا.. فأصبحنا ذات يوم، لنرى جريدة الأمة تعلن في صفحة بارزة، الخبر الآتي:
" تكوين لجنة الحزب الجمهوري..
تكونت لجنة الحزب الجمهوري برئاسة صالح عبد القادر وسكرتارية أمين مصطفى التني وعضوية كلٌ من سليمان حسين والدكتور محمد آدم أدهم.. وفصلت محمود محمد طه، أمين محمد صديق، محمد فضل الصديق، منصور عبد الحميد ومحمد المهدي مجذوب".. انتهى..
على إثر هذا البيان، اجتمعت لجنة الحزب الجمهوري، ولم تر بأسا في أن تتسمى أي جماعة أخرى باسم الحزب الجمهوري.. ولكنها رأت السوء في أن يعلن فصلنا أناس لم تجمعنا بهم صلة من قبل، أمثال السيد صالح عبد القادر وسليمان حسين "وزير المواصلات على عهد عبود".. فرأت اللجنة أن تصدر بيانا، توضح فيه حقيقة هذه الجماعة، ولكن النشر لم يكن ميسرا، نظرا لموقف الصحف منا..
ومن جهة أخرى، سعى السيد منير صالح عبد القادر وأخوه سعد، وكانا عضوين بالحزب الجمهوري، لدى والدهما السيد صالح عبد القادر ليبعدوه عن هذه اللعبة القذرة، فلم يستمع لنصحهم..
وبعد اجتماعات متكررة، انفضت اللجنة على غير قرار في أمرهم.. ثم اتصلت أنا من ناحيتي بالسيد سليمان حسين، وكنت أعمل معه بمصلحة البوستة، فقلت له: يا سيد سليمان.. هل تعرف أعضاء الحزب الجمهوري الذين قررتم فصلهم من قبل؟ فقال: لا !!
قلت: كيف توافق على فصل جماعة لم تجمعك بهم وشيجة!؟
فقال: قد فعلت..
فقلت له: ألا تحسب حساب العاقبة ؟
قال: لا .. إذا لجأتم إلى تكذيبنا فلدينا من وسائل النشر ما لا تملكون، ومن ورائنا الحكومة تؤيد خطواتنا!!
فقلت له: من أدراك أن وسائلنا سوف تنحصر فيما ذهبت إليه!؟
قال: فليكن ما يكن..
أخبرت الأستاذ محمود بما تم بيني وبين السيد سليمان حسين، فطلب مني أن أترك التفكير في هذا الأمر مؤقتا ثم افترقنا..
وفي اليوم التالي، جاءني الأستاذ محمود بالخرطوم بحري يحمل عصاه المعتادة، وطلب مني أن أحمل عصاي.. فذهبنا إلى منزل الأستاذ صالح عبد القادر بالخرطوم بحري فلم نجده، ووجدنا ابنه الأستاذ منير صالح ومحمد المهدي مجذوب، فسألنا عنه فأخبرنا أنه في منزله بالخرطوم.. ويظهر أن السيد منير صالح، قد لاحظ على وجوهنا ثورة الغضب فأخبرنا أن كلامه مع والده لم يجد شيئا، وطلب منا أن يصحبنا إليه عله يرعوي.. فشكرنا له ذلك وأثنيناه، ثم ذهبنا إلى منزل والده بالخرطوم، فطرقنا الباب، فاستقبلنا ابنه الصغير، فسألناه عنه فأكد لنا وجوده، فطلبنا مقابلته.. ولكن يظهر أن ابنه منير قد اتصل به تلفونيا، في هذه الفترة، فرجع لنا الابن الأصغر يخبرنا أنه غير موجود!!
لم نصدق رواية هذا الابن، فرابطنا قرب المنزل.. وفي هذا الأثناء، شاهدت السيد سليمان حسين يتمشى جوار غابة الخرطوم، فلفتُّ نظر الأستاذ إليه، وهو لم يلتق به من قبل.. فسرنا نحوه، ولما اقتربت منه طلبت منه أن يقف قليلا، ليجادلنا في الأمر، فأصابه الفزع ثم أخذ يلعن الأستاذ صالح عبد القادر، واليوم الذي جمعه معه، ويقسم بالطلاق، أنه لم يكن معهم وإنما أقحم اسمه إقحاما في البيان الذي نشر، وأنه سوف يكذب هذا البيان في كل الجرائد السيارة!!
فتركناه يمضي في سبيله، وفعلا كذب صلته بهذه الجماعة في اليوم التالي..
في هذا الأثناء أفلت منا السيد صالح عبد القادر، ووجد طريقه إلى استديو الإذاعة بالخرطوم، الذي كان يعمل به، وكان الاستديو بالطابق الأرضي من الجناح الغربي لوزارة المالية..
وبينما نحن ننتظر خروج الأستاذ صالح، أمام الاستديو، حضر ابنه منير حوالي الساعة السابعة والنصف مساء، وكان المكان خاليا إلا من ثلاثتنا.. ولعله توقع شرا، فطلب أن يبقى معنا ليراجع والده، لكنا طلبنا إليه الانصراف فانصرف.. وبقينا نحن في حيرة مما يسفر عنه تصرفنا مع الأستاذ صالح إذا أصر على موقفه، وما يقتضيه حق الزمالة تجاه ابنيه منير وسعد، ورجونا الله ألا يدخلنا في تجربة..
خرج الأستاذ صالح من الاستديو، وطلب منا أن نمهله لفرصة أخرى ليفكر في الأمر، ولكنا أصررنا على أن نحسم الأمر في تلك اللحظة وأصر هو من جانبه، وقد كان عنيدا شجاعا.. وكاد أن يقع بيننا مكروه، ولكن الله لطف، فاستجاب الأستاذ صالح ووقع على البيان الذي أعددناه، فانصرف وانصرفنا، بعد أن أكد وعده بنشر البيان بصورة أوسع يوضح فيها الحقائق، وينفض به يده من تلك المؤامرة.. ولم ينس أن يسدي لنا بعض النصح مذكرا إيانا موقف هذا الشعب، من المتحمسين أمثالنا في ثورة عام 1924م.. وقد كنا نلاحظ الصدق في وجهه فشكرناه وانصرفنا..
في اليوم التالي أعد الأستاذ صالح البيان، وبعث به إلى الأستاذ يوسف مصطفى التني رئيس تحرير جريدة الأمة للنشر.. ولكن الأستاذ يوسف، كما علمت من الأستاذ منير، لم يوافق على نشر البيان، ولما هدده الأستاذ صالح بنشر البيان بجريدة أخرى، وافق في الظاهر وأبطن أمرا !!
وصدرت جريدة الأمة في اليوم التالي، لدهشتنا ودهشة الأستاذ صالح، تنوه باستقالة الأستاذ صالح من رئاسة الحزب بطريقة من التضليل تلبس الأمر وتعقده أكثر من ذي قبل..
اتصل بي الأستاذ صالح، وطلب مني موافاته في مكتبه ليشرح لي القصة، فذهبت إليه ووجدت معه الأخ حسن طه.. فشرح لي كل شيء فلم أصدقه، فأيد حسن طه كل ما قال.. فطلبت منه أن يطلب الأستاذ يوسف التني تلفونيا ويشركني في الاستماع إليه، ففعل ودارت بينهما المحادثة التالية:
صالح : يوسف.. لماذا لم تنشر بياني كما جاءك؟
يوسف : اسكت يا جبان !! ما عهدتك تخشى هؤلاء الأحداث!!
صالح : أشعر أني قد تجنيت عليهم وأردت أن أرجع إلى الحق..
يوسف : سوف لا أزيد على ما نشر حرفا.. ثم قفل الخط!!
شكرت السيد صالح وأكدت له أننا نبرئ ساحته بعد الذي سمعت فأعطاني صورة من البيان وانصرفت..
قابلني الأستاذ محمود أمام المالية، فشرحت له ما حصل وأخبرته بأني سوف أذهب لمقابلة الأستاذ يوسف التني.. فهون على الأمر وطلب مني ألا أعلق على النشر كبير أهمية، ثم تناول البيان وانصرف..
وبعد مضي قليل من الوقت، قابلني الأستاذ محمد الخليفة طه الريفي وأخبرني أنه شاهد الأستاذ محمود يضرب بعصاه جماعة من أسرة تحرير جريدة الأمة، فذهبت أتحقق من الأمر وكان قد تم على الوجه الآتي:
ذهب الأستاذ محمود إلى دار جريدة الأمة، ثم استفسر الأستاذ يوسف التني عن أسباب امتناعه عن نشر بيان الأستاذ صالح.. فقال إنه فعل ذلك بوصفه رئيس التحرير المسئول، ومن حقه أن ينشر في صحيفته ما يراه هو لا ما يراه الناس.. فقال له الأستاذ محمود إنه بنشره لبيان جماعة الأستاذ صالح الذي فيه كثير من التجني، والتلبيس، على أعضاء الحزب الجمهوري، يفقد ذلك الحق ويصبح ملزما بنشر اعتذار الأستاذ صالح عن تلك المساءة.. فقال يوسف إنه يمكن أن يجمع بين الجماعتين ويوفق بينهما، إذا طلب منه الأستاذ محمود ذلك.. فأخبره الأستاذ، أنه لا يرغب في شيء من هذا، لأن كثيرا من أعضاء هذه الجماعة لم يجمع بينهم وبين جماعتنا تنظيم مشترك.. فأخذ يوسف يراوغ، ويداهن، إزاء إصرار الأستاذ، ولما لم تجد المراوغة قال: "إن طريقا واحدا يجعلني أنشر هذا البيان هو أن تقول بصفتي أخوك وزميلك أرجوك أن تنشر هذا البيان".. فقال الأستاذ محمود: ما أقوله هو: "بحقي وحق الجماعة التي أصابها رشاش من تلك المساءة، الذي أوضحته لك، من قبل، أطلب منك نشر هذا البيان ولا شيء خلافه"..
فقال يوسف: أليس لديك كلام ألين من هذا !؟
فقال محمود: لديّ أخشن منه..
فرمى يوسف البيان في وجه محمود وقال: خذه.. فأهوى محمود عليه بعصاه وقال: خذها إذن!!
فأسرع يوسف نحو التلفون، يستدعي البوليس، ومحمود يلاحقه بعصاه.. وفي هذا الأثناء دخل محمد أحمد عمر مدير الإدارة، وألقى بطاولة أمام الأستاذ محمود ليعطل ملاحقته للسيد يوسف، فتعثر فيها قليلا وأصيب ببعض الخدوش ثم انقلب على محمد أحمد عمر وضربه بعصاه.. فذهب هذا إلى الخارج يستنجد بخفير الدار، وجاء الخفير يحمل هراوة فتلقاه الأستاذ محمود بضربة أطارت الهراوة.. ثم ناوله أخرى فارتمى على الأرض، واستمر محمود يضرب ثلاثتهم إلى أن حضر البوليس وساق الجميع إلى الضبطية، ثم إلى المستشفى.. وبلغ الخبر قادة حزب الأمة فامتلأت الساحة أمام مستشفى الخرطوم بالعربات الفارهة..
وجد مكتب السكرتير الإداري فرصته السانحة، لينتقم من الأستاذ محمود، ومهد له حزب الأمة طريق التشفي بأن أوسع أثاثات دار صحيفة الأمة تكسيرا، وتخريبا، ليلصق بالأستاذ تهمة التخريب كما حكى الأستاذ إسماعيل بخيت ضابط البوليس.. وفي الحق إن الأستاذ محمود لم يخرب شيئا من الأثاثات، وكل ما حصل هو أن السيد يوسف مصطفى التني حاول الاتصال بالبوليس عدة مرات عن طريق التلفون، أثناء مطاردة الأستاذ له.. وفي أثناء هذه المحاولة أهوى عليه الأستاذ بالعصا، فعرض بآلة التلفون فانكسرت..
أشفق الأخوان بشير محمد سعيد ومحمد إبراهيم خليل، من هذا الذي بيته مكتب السكرتير الإداري وحزب الأمة للأستاذ محمود، وأشفق غيرهم من المواطنين.. فسعوا إلى الأستاذ يوسف التني موضحين، وطالبين منه التنازل عن هذه الشكوى، حتى يفوت على مكتب السكرتير الإداري بغيته.. لكن يوسف أصر على التمسك بشكواه، واشترط للتنازل عنها أن يسعى إليه الأستاذ محمود معتذرا دون أن يبدي هو أسفا على ما بدر منه، فلم يوافق محمود..
أرسلت القضية إلى القاضي، فحضر محمود ولم يحضر يوسف، ولكن القضية لم تشطب ولم ترجأ.. فبعث القاضي البوليس للبحث عن يوسف في كل مظانه، ليحضر نظر القضية فلم يجدوا له أثرا، فأرجئت القضية ليوم آخر..
في المرة الثانية حضر محمود ويوسف كلاهما، ولكن قبل نظر القضية بدقائق ذُكّر القاضي تلفونيا من الخرطوم بحري، بموعد نظر قضية كان قد نسيه.. وكان اليوم سبتا، فذهب القاضي لموعده وأرجأ القضية ليوم السبت التالي..
في يوم الخميس السابق ليوم القضية، اتفق حزب الأمة مع أحزاب الوحدة واشترك في وفد السودان المسافر إلى مصر، على أساس وثيقة الأحزاب الهزيلة، وسافر يوسف التني ضمن أعضاء حزب الأمة مع الوفد صباح الجمعة.. وبهذا ظلت القضية معلقة إلى أجل غير مسمى..
استمر الوفد بمصر، وأخذ يتراجع خطوة خطوة، عن وثيقة الأحزاب أمام الضغط المصري، إلى أن اضطر للموافقة على وحدة وادي النيل.. وتحت ضغط طلاب المدارس العليا والأحزاب المعارضة، اضطر حزب الأمة لاستدعاء ممثليه، فانشق الوفد وعاد يوسف مع بقية أعضاء حزبه..
فتحت القضية مرة أخرى، وحضر الأستاذ محمود وبقي مع السيد أمير الصاوي ضابط البوليس بمكتبه في انتظار طلب القاضي.. وحضر يوسف فقابل في ساحة المحكمة الأستاذ بشير محمد سعيد، فأوضح يوسف للأستاذ بسير أنه لا يرغب في الاستمرار في هذه الشكوى، وأنه يريد أن يتنازل عنها.. فذهبا سويا إلى مكتب أمير الصاوي وذهب الجميع للقاضي، وأعلن يوسف تنازله، واصطلحا وكل منهما مبديا أسفه للآخر على ما بدر منه..