مهزلة محكمة الردّة
إنّ من أسموا أنفسهم
((علماء السودان
)) قد عوّلوا، في مذكّرتهم، على حكم ما سمّيت بـ
((محكمة الخرطوم الشرعية العليا
)) التي انعقدت في نوفمبر ١٩٦٨، وزعمت أنّها حكمت على الجمهوريين بالردّة عن الإسلام.. ولقد فضحنا أمر تلك المحكمة، وكشفنا كذب الأقوال التي قدّمها إليها المدّعيان وشهودهما، في كتابينا
((بيننا وبين محكمة الردّة
)) و
((مهزلة محكمة الردّة مكيدة سياسـية
)).. وسنكتفي هنا بإيراد مثلين من أمثلة الكذب المتعمّد، والقصد المبيّت للتشويه، وذلك من أقوال المدّعيين في تلك المحكمة: الشيخ الأمين داؤود، المحاضر بجامعة أم درمان الإسلامية، والشيخ حسين محمّد زكي المدرّس بالمعهد العلمي بأم درمان، آنذاك، وهما من الموقّعين على المذكّرة المرفوعة إلى رئيس الجمهورية في الوقت الحاضر..
فلقد إدّعى الشيخ الأمين في تلك المحكمة أنّ الأستاذ محمود محمّد طه قد نسب إلى الله تعالى عدم العدل.. ولكي يضلّل الشيخ الأمين المحكمة، والرأي العام، تعمّد نقل كلمات ناقصة من أقوال الأستاذ محمود فجاءت على يد الأمين داؤود هكذا:
((يقول بالحرف الواحد (يعني الأستاذ محمود): نجد أنّ المرأة في تشريع الإسلام الذي بين أيدينا حظ مبخوس.. فهي على النصف من الرجل في الشهادة، وعلى النصف منه في الميراث، وعلى الربع منه في الزواج.. وهي دونه في سـائر الأمـور، الدينية، والدنيوية.. فلماذا؟
))..
ويقف الشيخ الأمين عند هذا الحد في نقله عنّا، ويذهب ليخرّج على ذلك إتّهامه لنا، قائلاً، وهو يعني الأستاذ محمود:
((نسب المولى، سبحانه وتعالى، إلى عدم العدل
)).. ولكن الشيخ الأمين لو نقل قولنا بأمانة، لما استقام له تخريجه الخاطئ، وادّعاؤه الباطل، الذي ادّعاه.. فقد جاء قولنا هكذا:
((وحين نجد حظ المرأة، في القرآن، من المسئولية الفردية، مساوياً لحظ الرجل، مساواة مطلقة، نجد أنّ حظّها، في تشريع الإسلام الذي بين أيدينا الآن، حظ مبخوس.. فهي على النصف من الرجل في الشهادة، وهي على النصف منه في الميراث، وهي على الربع منه في الزواج، وهي دونه في سائر الأمور الدينية، والدنيوية.. فلماذا؟؟
هنا تبرز عوامل التاريخ الموروث، من سوالف الحقب.. فقد عاشت البشرية، حيناً من الدهر، تحت قانون الغابة، حيث القوّة هي التي تصنع الحقوق، وهي التي تتقاضى هذه الحقوق، وفي مثل هذا المجتمع، فإنّ الفضيلة لشدّة الأسر، وقوة العضلات.. وليس للمرأة هنا كبير حظ، ولذلك فقد كانت تعتبر عبئاً ثقيلاً ينوء به ذووها من الرجال، حين يطعمونها من ألم الجوع، وحين يصونونها من عار السبي، وهو ما يجعل الناس، على عهد الجاهلية، يئدون البنات حيّات: (وإذا الموؤودة سئلت، بأي ذنب قُتلت؟؟) أو: (وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم.. يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به، أيمسكه على هون، أم يدسّه في التراب؟؟ ألا ساء ما يحكمون)..
وإذ ورث الإسلام هذا المجتمع الجاهلي فلم يكن مقبولاً، عقلاً، ولا عملاً، إلا أن يقيّد حرّية المرأة، مهما بلغ من تحريرها (ولقد بلغ من تحريرها، بالنسبة لما وجدها عليه من الذلّة، مبلغاً يشبه الطفرة) ثم أنّه أشار حين قيّد من حرّيّتها، إلى أسباب تلك القيود (الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم).. فالقوامة معلومة (بما فضّل الله بعضهم على بعض).. وهذا التفضيل يرجع الحظ الأكبر منه إلى شدّة المراس، وطول المصابرة في مواطن البأس.. ثم (وبما أنفقوا من أموالهم) وتلك إشارة صريحة إلى القوّة التي بها يكون إقتناء المال من طول المثابرة، وسعة الحيلة.. فإذا جاء الوقت – وسيجيء – الذي يقوم فيه القانون مقام القوّة، والإشتراكية مكان الرأسمالية، فإنّ القوامة تعطي مكانها للمساواة، بلا أدنى ريب، لأنّ ميدان المنافسة سينتقل إلى معترك جديد، السلاح فيه ليس قوّة العضلات، وإنّما قوّة العقل، وقوّة الخلق، وليس حظ المرأة من ذلك بالحظ المنقوص..
إنّ آية الآيات، في مستقبل المرأة في القرآن قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة).. والمعروف هو العرف الذي تواضع عليه الناس ما لم يتعارض مع مراد الدين من تسيير الخلق إلى الله على بصيرة.. وأمّا قوله (وللرجال عليهن درجة) فلا يعني أنّ مطلق رجل أفضل من مطلق امرأة.. وإنّما يعني أنّ على قمّة هرم الكمال البشري رجلاً تليه امرأة هي قرينته، تكاد تتخطّى بذلك كل ما عداها من الرجال.. وأس الرجاء في الآية أنّ الطريق بها انفتح للمرأة ليتطوّر حقّها وحرّيتها في المجتمع بتطوير مسئولياتها وواجباتها في الحياة العامّة والحياة الخاصّة، وذلك تطوّر لا يحدّه حد على الإطلاق))..
وها أنتم ترون أنّ الشيخ الأمين بدلاً من أن يبدأ نقله بـ
((وحين نجد حظ المرأة في القرآن، من المسئولية الفردية مساوياً لحظ الرجل مساواة مطلقة)) حذف هذه الكلمات ليبدأ نقله من:
((نجد أنّ حظّها في تشريع الإسلام الذي بين أيدينا
))..
وهو بدلاً من ان يواصـل النقل بعد كلمة
((فلماذا؟؟
)) توقف وامتنع عن نقل إجابتنا على هذا التساؤل..
إذن لماذا لم ينقل الشيخ الأمين قولنا نقلاً أميناً؟؟ الجواب قريب!! وهو أنّه لو نقل نص قولنا كاملاً لن يستطيع أن يرمينا باتّهامه المنكر.. أليس في هذا كذب، على كل المستويات؟؟ نكتفي بهذا المثل من كذب الأمين داؤود..
وهاكم مثلاً آخر، من أقوال المدّعي الثاني الشيخ حسين محمّد زكي، فقد قال أمام تلك المحكمة عن الأستاذ محمود بأنّه
((يصف الله بالحقد
)).. ويدلل الشيخ على زعمه هذا فيقول:
((يقول السيّد محمود محمّد طه في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام، صفحة ٨٧ النص الآتي: (وما من نفس إلا خارجة من العذاب في النار، وداخلة الجنة حين تستوفي كتابها في النار، وقد يطول هذا الكتاب، وقد يقصر حسب حاجة كل نفس إلى التجربة ولكن لكل قدر أجل، وكل أجل إلى نفاد.. والخطأ، كل الخطأ، ظن من ظن أنّ العقاب في النار لا ينتهي إطلاقاً، فجعل بذلك الشر أصلاً من أصول الوجود، وما هو بذاك.. وحين يصبح العقاب سرمدياً يصبح انتقام نفس حاقدة.)))..
وقف الشيخ حسين في نقله عند هذا الحد، في حين أنّ النص يجري هكذا:
((وما من نفس إلا خارجة من العذاب في النار، وداخلة الجنة حين تستوفي كتابها في النار، وقد يطول هذا الكتاب، وقد يقصر حسب حاجة كل نفس إلى التجربة ولكن لكل قدر أجل، وكل أجل إلى نفاد..
والخطأ، كل الخطأ، ظن من ظن أنّ العقاب في النار لا ينتهي إطلاقاً، فجعل بذلك الشر أصلاً من أصول الوجود، وما هو بذاك.. وحين يصبح العقاب سرمدياً يصبح إنتقام نفس حاقدة، لا مكان فيها للحكمة، وعن ذلك تعالى الله علوّاً كبيراً))..
أنتم ترون كيف بتر النص، وهو إنّما بتره ليصح له أن يقول عنّا، على وفق هواه:
((فهو يصف الله بالحقد..
))
أيصف الله، تعالى، بالحقد من يقول، في نفس السياق،
((وعن ذلك – أي عن الحقد – تعالى الله علوّاً كبيراً
)) ؟؟.. يا هؤلاء!! ما لكم كيف تحكمون؟؟
ولمّا كانت المحكمة مدبّرة، وحكمها جاهزاً، فقد أخذت بهذه الأقوال من غير تمحيص..
إنّ المثّلين اللذين سقناهما آنفاً عن محكمة الردّة يدلان دلالة قاطعة على الكذب، والتشويه، الذي قامت عليه تلك
((المهزلة
)).. وإنّه لمن المؤسف أن يصر هؤلاء الشيوخ على التشويه والتحريف والكذب الغليظ بالرغم من مضي سبعة أعوام على تلك
((المحكمة
)) التي انكشف، في حينها، كذبها، وافتضح الكيد السياسي الذي دبّرها..