إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

المنشور الأول بمناسبة: عَام الطِّفْل العَالَمي
عام ١٩٧٦

عَام المرأة وَعَام الطفل


لقد جعلت الأمم المتحدة عام 1975 عاماً للمرأة.. وقد توجنا نحن نشاطنا، في العمل من أجل قضية المرأة، والذي بدأ منذ بداية دعوتنا في الأربعينات، بعمل مكثف في الندوات والكتابة للصحف وإخراج الكتيبات، التي تعالج قضايا المرأة المختلفة، وتعطيها حقوقها في أصول القرآن.. وذلك في نطاق عملنا في الإحتفال بعام المرأة العالمي، ولقد أخرجنا في هذه السلسلة خمسة عشر كتيباً بين يناير وديسمبر من العام.. ولكن فوق ذلك، وأهم منه، كان احتفالنا، بإخراج النماذج النسائية الحية، التي تعلم أن قيمتها إنما هي في الفكر والخلق.. فقد برزت الإخوات الجمهوريات كرائدات للحركة النسائية، يجسدن قيم الدين، ويدعون لها، وهذا هو أكبر انجاز في هذا المجال، وهو الضمان الوحيد لنصرة قضية المرأة، وتصحيح ثورة النساء، وضبطها بالفكر، والقيم الدقيقة التي تعصمها من التخبط والجنوح، وتنقيها مما لحق بها من الشوائب.. ومن حسن التوفيق، أن جعلت الأمم المتحدة، هذا العام 1976، عام الطفل العالمي – ولقد كان لنا شرف المبادرة، في الإهتمام بقضايا الطفولة، وقد اتجهنا لمعالجة هذا الموضوع بعد الإنتهاء من كتابة منشورنا الثاني عشر حول قضية المرأة، ثم بعد ذلك علمنا بقرار الأمم المتحدة الذي يجعل عام 1976 عاماً للطفل.. فسرنا هذا التوافق والتوفيق، الذي جعل للطفل، عاماً يأتي مباشرة بعد عام المرأة.. فالصلّة وثيقَة بين الطفل والمرأة.. فهما معاً يمثلان أكبر من استضعف في الأرض، ولا يزالان، والمرأة هي أكبر من يؤثر على الطفل وقد ورد عن هذا التأثير، في كتابنا ((تطوير شريعة الأحوال الشخصية)) ما يلي: ((فإن الولد، إنما هو، من الناحية العضوية، يكاد يكون كله من المرأة.. هو من عظمها، ودمها، ولحمها.. فهي تعطيه في أحشائها كل تكوينه الجسماني، تقريباً، إلى أن يفطم.. هذا من الناحية العضوية، وأما من الناحية الروحية، فإن حالتها النفسية، ومزاجها يؤثران عليه، وهو جنين، ثم يؤثران عليه وهو رضيع، ثم يؤثران عليه وهو طفل يشب في مدارج اليفاعة، تأثيراً يكاد يكون كاملاً ويكفي أنه، عندما تفتح عيناه لأول مرة، إنما تفتحان عليها هي.. فيلفح وجهه دفء أنفاسها، وتمس جلده نعومة أناملها، وتستقر في أعماق عقله، نظراتها الحنينة، ويطرق أذنيه عذب مناجاتها، ومناغاتها وبالاختصار، فهو يأخذ منها، كل مزاجه، وكل تكوينه، الجسماني، والروحي، والخلقي، والفكري، ثم هو لا يكون سعيه فيما بعد، بين الناس، إلاّ متأثراً، تأثراً كاملاً بكل هذا التكوين المبكر..)) هذه الصلة الوثيقة، بين الطفل والمرأة، تقتضي الوقوف، والتأمل، في الحكمة الحكيمة، والتدبير اللطيف، الذي جعل للاحتفال بالمرأة، والطفل، عامين متتالين.. ونحن في كتابنا هذا، إنما نفتتح إحتفالنا، بعام الطفل العالمي.. والذي سنسعى فيه بعون الله، إلى معالجة قضايا الطفولة المختلفة، بشتى وسائل التعبير.. معالجة شاملة تربطها، بقضايا الإنسان، وقضايا الحياة المتباينة.. ومعالجة عميقة، تنفذ، الى أصول الأشياء.. وكل ذلك، يتم، على أساس أصول القرآن، ومع الإستفادة، من التراث البشري المتاح، بعد عرضه على ميزان الكلمة ((لا إله إلا الله)).. لتنقيته، وتنمية الصالح منه.. ونحن بعملنا هذا نصل، إلى آخر، قائمة المستضعفين، الذين جاء ترتيبهم في الآية هكذا: ((والمستضعفين من الرجال، والنساء، والولدان)).. فالأطفال دون بقية المستضعفين لا يملكون أن يثوروا لأنفسهم.. وهذا، مما يجعل، العمل من أجل نصرتهم، أوجب، وأوكد، من كل عمل من أجل نصرة سواهم..
وقضايا الطفولة، مرتبطة، بقضايا المرحلة التي تليها، مرحلة الشباب، ولذلك، سوف نمدد إحتفالنا، بعام الطفل العالمي، ليشمل قضايا الشباب عامة، والطلاب خاصة..
هذا وعلى الله قصد السبيل، وعليه التكلان، وهو وحده المسئول أن يهدينا، ويهدي بنا، فإنه نعم المولى، ونعم النصير..