إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الكتاب الثالث من سلسلة:
وقائع قضية بورتسودان

الجلسة الرابعة
الخميس 5/6/1975 م

/C]

الأستاذ محمود محمد طه
يواصل مناقشة الشاكي
الشيخ ابراهيم جادالله



الأستاذ: عندنا كلام بسيط عن مسألة الفقه والشريعة. ورد في المذاهب الأربعة الجزء الثاني صفحة 223 تفصيل المذاهب حول مبحث بيع الطير في الهواء وبيع النحل في الهواء .. وتمشي المذاهب لاتقرو لكن بعد بحث طويل بعدين يجي كلام يقول: ((لا يجوز بيع السمك في البحر لعدم القدرة على تسليمه، خلافاً لما قاله عمر بن عبد العزيز وابن ابي ليلى فانما أجازا بيع الطير في الهواء، والسمك في البركة العظيمة)) .. يجري المبحث ده ويقرر مثل هذا الرأي في الوقت اللي الشريعة فيه: (حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان، قال الذي حفظناه من عمرو بن دينار سمع طاؤوساً يقول: سمعت بن عباس رضي الله عنهما يقول: أما الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يُباع حتى يُقبض قال إبن عباس: "ولا أحسب كل شئ إلا مثله" وفي حديث آخر ((عن مالك، عن نافع، عن إبن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من إبتاع طعاماً فلا يبعه، حتى يستوفيه" زاد إسماعيل "من إبتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه")) طبعاً دي الشريعة ... الحديث شريعة، والرأى الوارد هنا في المباحث فقه ألا تعتقد أن مثل هذا البحث من الوهلة الأولانية ليس له مايبرره ما دامت الشريعة واضحة فيهو؟
الشاكي: ليست ... ربما كان هؤلاء الفقهاء مستندين إلى نصوص أخرى ثابتة ..
الأستاذ: هل تعتقد أن عقل الانسان يقبل أن يتباع الطير في الهواء والسمك في الماء؟
الشاكي: البيع يكون في المقبوض ... فحتى بيع التمر .. ده ما مرفوض بيجوزوه بشروط .. قابض النضج ... الفقهاء جزاهم الله خير...
الأستاذ: نحن نرجع لسؤالنا ثاني مرة يا شيخ ابراهيم نحن عندنا أنو الفقه قول بالرأي وحتى لو كان في بعض وجهات الإسراف فيهو عندما يسرف حتى ولو كان هناك نص قطعي ظاهر في الشريعة ... ونحن ضربنا أمثلة بالربا وضربنا مثال بمسألة العلاقة بين الزوجين في مسألة العلاج .. وجينا لمثل محدد نحن هنا في اتهامنا بنقول: ((فهم بطبيعة تعليمهم وتفكيرهم وميراثهم يمثلون أبلغ صور الإنحطاط الديني المتمثلة في إبتعاد الناس عن معين الشريعة الصافي إلى متاهات الفقه)) ونحن بنعتقد إذا كانت الشريعة بالوضوح دا فلا يمكن أن نقول لإنسان بيعمل بالرأى أنو ما شاف حديث ابن عباس - ما شاف الأحاديث القوية بالصورة دي - ثم يبيح لنفسو أن يجتهد بالرأي كأنو شاف أحاديث أخرى لذلك سألنا: ((هل يقبل العقل أن يباع الطير في الهواء؟)) هل البقول كلام ذي ده ما حقو يبحث حتى يستقصي كل شئ فإن ما وجد يجيب الرأي دا، وإن ما قبلناه نحن .. اما أن يكون في نص قطعي بأنو النبي نهى عن أن يبتاع أو أن يبيع أحد طعام حتى يقبضه وقال إبن عباس: ((ما أحسب كل شئ إلا مثله)) كل بيع يجب أن يكون ((هاك بهاك)) ونحن عندنا في المثل الساذج قال الشيخ العبيد، قال: ((البيع الحر دا يجر ودا يصر)) دا يجر الخروف اللي اشتراه، ودا يصر القروش اللي أخدا، ودا الدين، أما أن يقال لينا أنو يُباع الطير في الهواء، وتكون فيهو مباحث يُباع أو لا يُباع وينفق فيهو زمن .. دي المتاهات النحنا قصدناها .. فأنا سؤالي هسع الشريعة واضحة هنا قال: ((من إبتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)) زاد ((من إبتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه)) دي الشريعة بعدين تجي المباحث في زي ما قلنا .. ويقول ((عمر بن عبد العزيز وإبن ليلى فانهما أجازا بيع الطير في الهواء والسمك في بركة عظيمة)) فهل ما تعتقد أنو دي من متاهات الفقه البتخلي معين الشريعة ينحجب؟
الشاكي: لا أعتقد .. لأنو الشريعة ليست محصورة في نص واحد وهناك ناسخ ومنسوخ .. وربما من أجاز ذلك رأى بيع السمك ممكن ..
الأستاذ: يا شيخ ابراهيم إنت اتكلمت عن أن هناك الإجتهاد ... هل هناك إجتهاد فيما فيه نص ؟ هل هناك إجتهاد في ما فيه نص؟
الشاكي: لا
الأستاذ: يا شيخ ابراهيم هل تعتقد أن الأحاديث التي قرأتها عليك. اللي قال فيها إبن عباس ، - وإبن عباس حبر الأمة – قال: (أما الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يُباع حتى يقبض) وقال: (ماأحسب كل شئ إلا مثله) هل ده نص قطعي ولا ظني؟
الشاكي: معظم الفقهاء لم يجيزوا البيع.
الأستاذ: أنا هسع ما بتكلم في فراغ بتكلم في حديث معين .. انا قلت حديث إذا كان إنت ...
الشاكي: "يقاطع" ربما كان إبن عباس قال غيرو.
الأستاذ: أنا هسع سؤالي عن حاجة واضحة ((أما الذي نهى عنه النبي صلى الله
عليه وسلم فهو الطعام أن يُباع حتى يُقبض)) وقال إبن عباس: ((ولا أحسب كل شئ إلا مثله)) هل عندك داعي لتشك في أنو الحديث دا مُحكم؟ ده قول إبن عباس إما أن تنقضو أو توافق عليهو .. الحديث قال: ((أما الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يُباع حتى يقبض)) وقال إبن عباس: ((ولا أحسب كل شئ إلا مثله ..)) يعني دي القاعدة الجوهرية في البيع دا ما يباع إلا إذا قبض .. بعدين الحديث الثاني في الباب دا يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسنود لإبن عمر: ((من إبتاع طعاماً – إشترى طعاماً – فلا يبيعه حتى يستوفيه)) زاد إسماعيل: ((من إبتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه..)) السؤال يا شيخ ابراهيم الأنا سألتو هل هناك إجتهاد فيما فيه نص؟ أجبت: لا ... طيب الحديث دا ... الحديثين الوردن "البخاري الجزء الثالث" ص 89، 90 .. وإبن عباس وإبن عمر من أوثق من روى الأحاديث. فإذا كنت إنت في اللحظة دي ما عندك ما ينقض الحديثين المنسوبين لإبن عباس وإبن عمر أليس من توخي الحق أن تقبلهما؟
الشاكي: لكن أنا قلت ليك الفقهاء القالوا ببيع الطير في الهواء والسمك في البحيرة العظيمة هل رأيهم يمثل كل الفقهاء؟
الأستاذ: يا شيخ ابراهيم أنا قلت ليك في تفصيل المباحث حول بيع الطير في الهواء ... قلت ليك مجرد أن يكون في مذهب في البحث .. مجرد أن يكون في بحث في هذا الباب بعد أن قطعت الشريعة فيه ليأتينا بشئ العقل لا يقبلو وعملياً ما بتطبق ولا يُقبل .. دا ما متاهة؟
الشاكي: ما متاهة
الأستاذ: يا شيخ ابراهيم في مسألة الفقه نحن قلنا أمبارح الفقه هو القول بالرأي .. هل تعلم أن الأئمة الأربعة إتبرأوا من الرأي؟ الأئمة الأربعة أو من إجتهد في مذهب من المذاهب إتبرأوا الأربعة من الرأي؟
الشاكي: نعم قالوا رأينا .. وده تواضع منهم.
الأستاذ: المسألة مش مسألة تواضع .. المسألة مسألة رجوع للحق .. أحسن اسمعك كلام الإمام مالك .. قال عن عبد الله بن مسلم قال: دخلت مالك فوجدته باكياً فسلمت عليه فرد على السلام ثم سكت عني يبكي فقلت يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال يا إبن أخي إنا لله على ما فرط مني، ليتني جلدت بكل كلمة قلتها في هذا الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل وقد كان لي سعة فيما سبقت إليه. قلنا أرجع عن ذلك. فقال كيف لي بذلك وقد سارت به الركبان وأنا على ما ترى! قال الراوي: فلم نخرج حتى غمَّضناه – حتى مات – وكل الأئمة أقوالهم موجودة، هنا كلهم إتبرأوا من الرأي.
الشاكي: ده تواضع منهم.
الأستاذ: يا شيخ ابراهيم الأمر ليس أمر تواضع الأمر أمر بحث عن الحق. والإمام مالك تبرأ من الرأي. فإذا كان من باب الورع ما الذي يصرفنا نحن عن الورع؟ وهل شكوانا كلها من دين الفقهاء اليوم، إلا هي من ترك الورع؟!
الشاكي: إعتبرو ورع منهم.
الأستاذ: يا شيخ ابراهيم الكلام ما كان كده إنت بتقول دا ورع منهم .. قلت ليك ما الذي يمنعنا نحن الآن من الورع .. وهل تَركَنَا نحن للورع ما هو من باب شكوانا نحن وهجومنا على الفقهاء والقضاة ...
الشاكي: لا شئ يمنعنا من الورع أو الإجتهاد.
الأستاذ: الإجتهاد في شنو يا شيخ ابراهيم نحن أمبارح اتكلمنا عن مسائل تعيب الأخذ في الدين بالصورة الحصلت بيها دي.. مسألة الزوجة وعلاجها وأكلها ثم .. ثم ما يحصل فيه من إجتهاد في الأمر ده .. الإجتهاد في المتأخرين في تحريم الربا، زي ما حصل مثلاً من علماء الأزهر. ودا أمبارح من الأمثلة الجبناها .. هل إنت مطمئن لإجتهاد الأزهريين؟
الشاكي: أنا لم أقول أنو علماء الأزهر، إجتهدوا ليحللوا الربا، لا اختلاف على أنو أمر الربا حرام .. أنا بقول دي الوقت إنت قفزت فوق كل شخص. من التابعين، وفوق تابعي التابعين، وفوق المصلحين، وفوق الصحابة. وأتيت برسالة ثانية. فليه ترجع تناقش أقوال الفقهاء؟ إنت أتيت برسالة تانية؟
الأستاذ: دي موضوعها جاهز .. لكن دا ما موضوع المحكمة .. نحن في بابنا هسع يا شيخ ابراهيم، نحن في بابنا.. ولولا الكلام الأنا بقول بيهو ما اتوصلت للحقائق الأنا بناقشك فيها .. أنو الفقه ذهب بالناس في متاهات .. أنا حيكون سؤالي محدد: ألا تعتقد أن يكون عندنا بحث عن بيع الطير في الهواء، يجوز ولاَّ ما يجوز، دي ما متاهة؟
الشاكي: أنا أجبت على السؤال ده
الأستاذ: طيب يا شيخ ابراهيم .. الأمر النحن ضدو وهو زي ما قلنا موروث دراسة الفقهاء، والقضاة في الوقت الحاضر، اللهو الفقه بالصورة دي، والطريقة البيُصرف فيها الوقت من متاهات مشى فيها الفقه حتى طوع للفقهاء أن يفصِّلو الشريعة لخدمة الحكام، زي ما هي المسألة في تحليل التعامل مع البنوك بالربا، مع انو نص الشريعة فيهو واضح، وقريناه ليك البارحة .. الحاجة التانية النحن ضدها، ودي هاجمناها – بعد تعليم القضاة الشرعيين، طبيعتو، وما تركه من أثر في عقولهم – زي القضاة الشرعيين .. الزي .. هل هو زي إسلامي؟
القاضي: ((يطلب توضيح السؤال))
الأستاذ: السؤال هو: هل زي الفقهاء أو زي القضاة الشرعيين لأنهم موضوعنا – زي إسلامي؟
الشاكي: والله أنا لا أعرف أنو للإسلام زياً خاصاً .. الإسلام لم يحدد للناس زي خاصاً .. دي أمور تركها للناس على حسب ظروفهم .. إذا إتفقوا على شئ ليس ضار ما ...
الأستاذ: يا شيخ ابراهيم .. لو كان زي القضاة الشرعيين ليس ضاراً لما عارضناه .. هل على زي القضاة الشرعيين ما إنبتت طبقة معينة سُميت طبقة رجال الدين؟
الشاكي: هذا الزي ليس خاصاً بالقضاة الشرعيين. وإنما هو خاص بكل الفقهاء، والعلماء والمثقفين الإسلاميين.
الأستاذ: أنا قلت الحقيقة العلماء كلهم، لكن قلت القضاة الشرعيين لأنهم موضوع المحكمة، لكن طبعاً هو زي الأزهريين وزي الفقهاء كلهم .. أما ماهو موضوعنا في الوقت الحاضر: هل الزي العليهو القضاة الشرعيين – وهو نفس الزي العليهو الفقهاء – ما إنبنت عليهو طبقة معينة، سُمّيت طبقة رجال الدين؟
الشاكي: إذا كان الأمر كذلك، يمكن نقول زي رجال الأمن، ورجال الجيش، أو رجال القضاء المدني، برضو إنبنت عليهو طبقة معينة!
الأستاذ: إمكن الإجابة على السؤال تودينا لتوضيح أكثر.. مع وجود إعتراضاتك الأخرى، هل إنبنت على هذا الزي طبقة معينة، سُمِّيت طبقة رجال الدين؟
الشاكي: ما قلت ليك، إذا أخذنا بهذا المنطق، فكل زي خاص تنبني عليهو طبقة معينة.
الأستاذ: جميل .. أنا راح أميز ...
القاضي: الإجابة. لا .. يعني؟
الشاكي: أيوه لا
الأستاذ: كلامك صحيح في أنو فئات كثيرة في العمل عندها زي .. لكن دا ما بهمنا، لأنو ما بتتبعو قداسة معينة، نحن وراء القداسة البتتبع طبقة رجال الدين .. الأمر مش أمر الزي بس. فهل زي رجال الدين بتتبعو قداسة خاصة بالدين؟
الشاكي: يا سيدي القاضي: الدين الإسلامي ليس له رجال .. ليس للدين الإسلامي رجال، وإنما هناك مثقفون للدين الإسلامي .. الدين الإسلامي ليس دين كهنوت، ولا دين رهبنة .. الدين الإسلامي دين متطور، ودين حديث، ودين عمل .. ليس هناك رجال دين.
الأستاذ: دا بالضبط الأنا جاييه، لكن: هل هناك زي خاص لرجال الدين، يُسمون به رجال الدين؟
الشاكي: إذا ما كان، لا يوجد رجال دين في الدين الإسلامي، يبقى لا معنى للسؤال.




في الكتاب القادم الأستاذ محمود يواصل مناقشة الشاكي