قانون الأحوال الشخصية:
الولاية في قانون الأحوال الشخصية
إن العمل بمذهب الحنفية في الولاية بمصر، وقد كان به العمل في السودان حتى سنة 1933. ولكن في هذا العام تحرك جهاز الأحوال الشخصية، الذى يسير عكس تطور المرأة في بلادنا، فأصدر المنشور الذى يسلب المرأة حقها الذى اكتسبته منذ أكثر من ثلاثين عاما.. وهذا المنشور العجيب لم يكتف بحرمان المرأة من ولاية عقدها في أخص شئونها، بل جعل لوليها أن يجبرها على من يريده هو زوجا لها.. واستمر جهاز الأحوال الشخصية يمارس هذا القمع والتعذيب مدة تقارب الثلاثين عاما، رغم صيحات المعذبات وتعدد الضحايا، فتعرضت المرأة السودانية في هذه الفترة لإمتحان قاسي ورهيب، وكثرت المنتحرات حتى قارب عددهن عدد كساوي الشرف التي يتجلبب بها القضاة الشرعيون.. وأخيرا وقد ازدحمت المحاكم بأفواج التعيسات (المجبرات)، وضج النساء والرجال، وكثرت المناقشات، واستفاض النقد والتندر، أصدر قاضى القضاة النشرة الآتية للمحاكم: ((أثير في الأيام الأخيرة نقاش كثير حول الولاية في الزواج وحول التشريع الذى أشتمل عليه المنشور نمرة 35 وملحقاته ولكي نتمكن من البت في إبقاء هذا التشريع أو تعديله بما يتمشى مع المصلحة العامة نرجو افادتنا برأيكم عنه وما تقترحون بشأنه على ضوء الحوادث أمامكم بسببه)) وفى عام 1960م تمخض جهاز الأحوال الشخصية عن المنشور 54.. وهذا المنشور لم يرد للمرأة حقها في ولاية أمر نفسها، بل وكد واشترط أن يكون وليها رجلا، ولكنه رفع ولاية الاجبار. وهكذا أصبحت ولاية الرجل سارية في قانون الأحوال الشخصية، وان المرأة مهما كان مستواها من الرشد والمسئولية، وان تكن وزيرة مسئولة تبت بحكمة في كبريات المسائل، فإنها في قانون الأحوال الشخصية القائم لاينعقد تصرفها في أخص شئونها إلا اذ تولى أمرها رجل.. ومما يعزز ظواهر التآمر والمراوغة ومحاولة إخفاء حقيقة قانون الأحوال الشخصية عن النساء أن الشيخ الجزولي، حين تحدث عن المنشورات التي يقوم بها لعمل خارج المذهب الحنفي، لم يشر للمنشور 35، وهو منشور أضيرت به المرأة السودانية أبلغ الضرر، وانتقل به قانون الأحوال الشخصية من المذهب الحنفي - عمدة العمل - الى النقيض... فالمنشور 54 رغم صدوره المتأخرة، وفى وقت برزت فيه كفاءة المرأة ومقدرتها، ونشطت فيه الحركات النسوية، وانتشر الوعى العام، فإنه قد تأثر بعقلية وتخلف مصدريه.. فهو لم يرجع بولاية المرأة الى أصلها الذى كانت عليه في المذهب الحنفي، ولم يرد لها حقها الذى كان مكفولا لها زهاء ثلاثين عاما، وسلب منها عند ازدياد وعيها وتعليمها.. جاء كتاب "محاضرات عن نظام الأحوال الشصية المطبق في المحاكم الشرعية بالسودان" للدكتور صديق الضرير (المادة الأولى من المنشور 54 الذى يجري عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية السودانية هي نفس المادة الأولى من منشور 35 وهى تقتضي بأن الولي للمرأة شرط لصحة الزواج ومن شروط الولي أن يكون رجلا فعقد الزواج لا ينعقد لعبارة المرأة مهما كانت درجتها من الرشد ولو أذنها وليها ولابد من أن يتولى العقد رجلان أحدهما ولى الزوجة والآخر ولى الزوج أو من يقوم مقامها).