إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

مهزلة محكمة الردة مكيدة سياسية

قصور قانون الأحوال الشخصية:


إن قصور قضاة الأحوال الشخصية إنما هو امتداد لقصور قانون الأحوال الشخصية الذي هو حتى في أحسن احواله في جوانبه المبنية على الشريعة به من القصور ما يبعده عن قامة المرأة المعاصرة وقامة الرجل المعاصر .. ولقد كانت الشريعة في وقتها حكيمة كل الحكمة وكانت كافية كل الكفاية لحاجة المرأة وحاجة الرجل في القرن السابع .. ولكنها قد كانت مقيدة بتلك الحاجة وبذلك الوقت .. فهي قد جعلت القوامة للرجال على النساء: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) .. وقد انبنى على هذه القوامة تمييز واضح وأساسي للرجل على المرأة في الزواج فقد أبيح ولحكمة بالغة في وقته للرجل تعديد الزوجات (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة) .. كما انفرد الرجل في العلاقة الزوجية بحق الطلاق ما لم يتنازل من تلقاء نفسه عن هذا الحق فيشرك زوجته فيه ..
كما استوجبت القوامة طاعة الزوجة للزوج بعد وفائه بشروط السكن الشرعي وتوفير العيش المناسب لها ففي هذه الحالة لا حق لها في المطالبة بالطلاق .. وإذا ذهبت إلى بيت اهلها فإنها تعتبر ناشزاً وتحكم المحكمة برجوعها إلى منزل زوجها .. ولا نفقة لها على زوجها ما لم تنفذ هذا الحكم وهو ما يعرف بحكم (بيت الطاعة) ويمكن به ان تظل الزوجة معلقة حتى نهاية عمرها ، لا حق لها في الطلاق .. فهي أما ان تظل هكذا معلقة أو ان تضطر إلى الرجوع إلى منزل زوجها منكسرة ومهينة بينما قد يكون زوجها ذهب وتزوج بغيرها!! إن هذا الوضع غير مناسب للمرأة المعاصرة .. هذه المرأة التي أصبحت رئيسة جمهورية ورئيسة وزراء ومع ذلك فإن قانون الأحوال الشخصية الحاضر إنما يميز بينها وبين زوجها تمييزاً غير كريم .. بل ان هذا القانون ليجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل: (واستشهدوا شهيدين من من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى) .. شهادة المرأة هي نصف شهادة الرجل في قانون الأحوال الشخصية الحاضر مهما تعلمت المرأة ومهما تسنمت من المناصب المناصب السياسية والقانونية!! وهذا التمييز في الشهادة قد ناسب المرأة في الماضي ولكنه ليس مراد الاسلا اليوم .. وهو ليس في مستوى المرأة المعاصرة التي أصبحت قاضية تقوم شهادة الرجال أنفسهم!!
بل أن في قانون الأحوال الشخصية الحاضر ما لا يمكن ان يناسب بأي حال من الأحوال مستوى المرأة المعاصرة والرجل المعاصر .. ففيه للزوج أن يتدرج في التشديد تأديباً لزوجته حتى يبلغ به الأمر حد ان يضربها (واللائي تخافون نشورهن فعظوهن وأهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) ..
وقد كانت هذه المعاملة مبررة في الماضي حيث خرجت المرأة من حفرة الوأد لتوها ، ولكن هذه المعاملة قطعاً ليست مناسبة للمرأة المعاصرة التي تتخرج اليوم من الجامعة!!
إن قانون الأحوال الشخصية المعمول به في محاكمنا لم يقتصر على هذه الجوانب الشرعية التي ذكرناها انفاً بل خرج عنها إلى مستويات منحلة أبعدته كل البعد ليس فقط عن أصول القران المدخرة للمرأة المعاصرة وإنما ابعدته حتى عن روح الشريعة التي شرعت لقامة المرأة في القرن السابع .. ومن أمثلة ذلك أن الزوج غير ملزم بنفقة زوجته إلا إذا كانت موجودة في منزله وحتى في هذه الحال إلا إذا كانت غير مريضة!! والا إذا كانت (كبيرة) اي بالغة، فهم يقولون وبعبارات مسفه ان الذي يوجب النفقة على الزوج هو تواجد الزوجة وصلاحيتها لاستمتاع الرجل: (استحاق النفقة منوط باحتباس مشروع واستعداد له يستطيع الزوج ان يصل به إلى حقه متى اراد ..) .. (ان الزوجة إذا كانت صغيرة لا تشتهي فلا نفقة لها لأن احتباسها لا يوصل المقصود من الزواج لأن النفقة منوطة بالاحتباس مع امكان استيفاء الاحكام وهذا غير مقصود بالنسبة للصغيرة). راجع كتاب الأحوال الشخصية حسب المعمول به في المحاكم الشرعية المصرية والسودانية لمعوض محمد مصطفى صفحة 236 – 240.. بل أسوأ من ذلك ان الزوج ليس ملزماً بعلاج زوجته لنفس العلة السابقة وهي عدم صلاحيتها لاستمتاعه بها: (حق الزوجة حيث هي زوجة يوجب عليه ان ينفق ما به قوام الحياة العامة وهي حياة الصحيحة لا المريضة فلا يجب عليه الدواء على اي حال). الفقه على المذاهب الأربعة – ص 557 –
هذا المستوى الهابط في الفقه المستمد منه كثير من جوانب قانون الأحوال الشخصية إنما يجافي كل المجافاة روح الشريعة وروح الدين .. فالزواج هو قمة العلاقة الإنسانية .. فاسمع لقول الله تعالى عنه: (ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) .. الزوجة من نفس الزوج – من ذكر وأنثى بعضهم من بعض – والله يجعل بين هذين الزوجين الرجل والمرأة (مودة ورحمة) ومع ذلك يجيء الفقهاء ليناقضوا قول الله تعالى ويخالفوا مراده أشد التناقض وأبشع المخالفة حين يفتون أن ليس للزوج النفقة على زوجته إذا كانت مريضة .. وإن ليس عليه علاجها!! إن مجرد ايراد هذه اللغة الجافة الغليظة في قاموس هذه العلاقة الزوجية مجرد ايراد هذه اللغة كاف لأن يدمغ قانون الأحوال الشخصية الحالي بالقصور الشنيع ..