الزكاة:
يقول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في تقريره ((ويرى أن الزكاة التي فرضها الله في القرآن وحددت السنة النبوية مقاديرها في الماشية والثمار والنقد الخ... يرى أن الوقت قد حان ليصبح الناس شركاء على وجه التساوى في كل أولئك كما تذهب الشيوعية مستدلا على ذلك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فانه كان لا يملك شيئا وبآية ((ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)) البقرة 219 وأن من أوضح ما قيل في هذه الآية ما رواه القرطبى في تفسيره من أن هذه الآية من نفقات التطوع ولا تتعأرض مع الآيات الدالة على أن الزكاة فرض وركن من
أركان الإسلام، ولكن فريضتها قاصرة على مالكى النصاب من كل عين تزكى وبالمقادير التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم والتي تلقاها علماء المسلمين وبنوا عليها مذاهبهم...)) هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية.. وهو تخريج خاطيء لا يسوغه مطلقا ما نقول به حقا، في (الزكاة).. فقد جاء في كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية) صفحة 39 الطبعة الأولى – ما يلي عن شريعة النبي الفردية:
((.. فأركان الإسلام الخمسة، عنده، تختلف عنها، عندهم، وإن اتفقت في ظاهر الصورة.. وما ذلك إلا لمكان معرفته بالله.. وفي المال - الزكاة- والمال هو المحك دائما، الذي في التكليف بإخراجه تظهر خبايا النفوس، فقد كان يختلف عنهم اختلافا أساسيا.. فهو قد كان ركنه التعبدي، من حيث المال، في مستوى آية: (( ويسألونك ماذا ينفقون!! قل: العفو!!)).. وهو قد فسر (( العفو)) بكل ما زاد عن حاجته الحاضرة.. فهو، من ثم، لم يكن ليدخر رزق اليوم لغد..
ثم إن تكليف الأمة قد تنزل من هذا المستوى إلى مستوى يطيقونه.. ولقد جاء تكليفهم في الزكاة في مستوى آية:
(( خذ من أموالهم صدقة، تطهرهم، وتزكيهم بها.. وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)).. واعتبرت هذه الآية، في حق شريعة الأمة، ناسخة لتلك.. قامت على هذه الشريعة الجماعية.. وظلت تلك سنداً، وعمدة، لشريعة النبي الفردية، ولا حظ للأمة فيها، إلا حظاً يجيء عن طريق الندب، والتأسي، ومحاولة إتقان اتباع النبي، لمن استطاع منهم..))
وجاء في صفحة 42 من نفس الكتاب عن الإشتراكية ما يلي:
((.... فإن الإشتراكية في أصول الإسلام، وليست، في فروعه - أعني أنها ليست في شريعته.. فآية الإشتراكية ((ويسألونك ماذا ينفقون!! قل العفو!!)) وهذه هي آية الزكاة الكبرى، آية زكاة النبي.. وهي، في حق الشريعة، للأمة، غير ملزمة، وإنما هي منسوخة بالآية الفرعية، آية الزكاة الصغرى: (( خذ من أموالهم صدقة، تطهرهم، وتزكيهم بها.. وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم..)).. ونختم هذا الاستطراد القصير بكلمة أخيرة يجب أن تكون
مفهومة، فإن من يتحدث عن الديمقراطية، والإشتراكية، في الإسلام، من غير أن يتحدث عن تطوير الشريعة السلفية من مستوى آيات الفروع، إلى مستوى آيات الأصول إنما يدلي بباطل، ويتحدث فيما لا يعلم)) ..
هذا ما جاء في كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية) عن "الزكاة" و"الإشتراكية".. وقد أغفله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ولم يواجهه، ثم ذهب ليقول ((ويرى أن الزكاة التي فرضها الله في القرآن وحددت السنة النبوية مقاديرها في الماشية والثمار والنقد الخ... يرى أن الوقت قد حان ليصبح الناس شركاء على وجه التساوى في كل أولئك كما تذهب الشيوعية مستدلا على ذلك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فانه كان لا يملك شيئا وبآية ((ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)) البقرة 219) .. فما رأى السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في أن آية الزكاة الكبرى هي ((ويسألونك ماذا ينفقون، قل العفو))؟ وهي هي آية الإشتراكية؟ وأن الوقت قد حان، ببزوغ شمس الإشتراكية، لنسخ آية الزكاة الصغرى - الزكاة ذات المقادير، بآية الزكاة الكبرى، آية الإشتراكية.. وذلك بعد أن كانت آية الزكاة الكبرى منسوخة بآية الزكاة الصغرى لحكم الوقت – كما أسلفنا؟
أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: (وأن من أوضح ما قيل في هذه الآية –ما رواه القرطبى في تفسيره من أن هذه الآية - يقصد آية "ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو من نفقات التطوع ولا تتعأرض مع الآيات الدالة على أن الزكاة فرض وركن من أركان الإسلام، ولكن فريضتها قاصرة على مالكى النصاب من كل عين تزكى وبالمقادير التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم والتي تلقاها علماء المسلمين وبنوا عليها مذاهبهم) فقول لا يقال في حقنا، فنحن نعلم – كما أسلفنا- أن آية الزكاة الصغرى، الزكاة ذات المقادير، صارت الركن التعبدى
في حق الأمة، بعد أن نسخت آية الزكاة الكبرى – زكاة النبي- التي هي الركن التعبدى الأساسى، وأن آية الزكاة الكبرى صار لا حظ للأمة فيها الا من باب الندب والتأسى بالنبي. ونحن، بدعوتنا إلى تطوير التشريع، إنما نقصد إلى أن تستلهم الشريعة الجماعية أكبر قدر من شريعة النبي الفردية.. وهذا يقتضي الإنتقال بالتشريع من مستوى آية الزكاة ذات المقادير إلى مستوى آية الإشتراكية "ويسألونك ماذا يتفقون!!
قل العفو!!). ولقد حاول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية أن ينقل ما رواه القرطبى في تفسير هذه الآية، ولكنه، كدأبه معنا في النقل المخل، لم يوف النقل حقه في الدقة.. فقد أغفل ما رواه القرطبى، في تفسير هذه الآية، وذلك حيث قال:
(أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة..
وعن ابن عباس: ((العفو ما فضل عن العيال ونحوه)).
وقال قيس بن سعد: هذه الزكاة المفروضة.. وقيل: هي منسوخة.. وقال الكلبى: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، وان كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقى حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية..)
هذا ما رواه القرطبى في تفسيره.. فهل هو غير ما ذهبنا اليه من أن الركن التعبدى الأساسى هو آية زكاة النبي – آية الزكاة الكبرى – وهي منسوخة بآية الزكاة الصغرى - الزكاة ذات المقادير؟..
ما رأى السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية فيما دعونا اليه من تطوير شريعة المال، وذلك بالإنتقال من النص الفرعي إلى النص الأصلي – من الزكاة ذات المقادير إلى زكاة النبي، وقد أظلنا عهد الإشتراكية؟ هذا ما نريد السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية أن يواجهه في غير مواربة..
ونضيف إلى تفسير القرطبى لآية الزكاة الكبرى ((ويسألونك ماذا ينفقون!! قل العفو!!)) تفسير النسفى، وتفسير ابن كثير، وتفسير الرازى.. وكلها تتجه إلى أن آية الزكاة الكبرى قد كانت محكمة، ثم نسخت بآية الزكاة الصغرى - الزكاة ذات المقادير ..
جاء في تفسير النسفي: ("ويسألونك ماذا ينفقون!! قل العفو!!" أى الفضل، أى أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة... وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام فرضا فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل فنسخت بآية الزكاة..)
وجاء في تفسير ابن كثير ((العفو: الفضل.. قيل إنها منسوخة بآية الزكاة..))
وجاء في تفسير الرازى ((القائلون بوجوب العفو: أن هذا كان قبل نزول آية الصدقات، فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم ثم ينفقوا الباقى، ثم صار هذا منسوخا بآية الزكاة.. فعلى هذا التقدير تكون الآية منسوخة))..
هذا ما جاء في تفسير الآية.. ولقد أسلفنا الحديث عن النسخ فقلنا، نقلا من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام صفحة 10:
((..فليس النسخ، اذن، إلغاء تاما وإنما هو ارجاء يتحين الحين، ويتوقت الوقت.. ونحن في تطويرنا هذا إنما ننظر إلى الحكمة وراء النص.. فإذا خدمت آية الفرع، التي كانت ناسخة في القرن السابع لآية الأصل، غرضها حتى استنفدته، وأصبحت غير كافية للوقت الجديد – القرن العشرين- فقد حان الحين لنسخها هى، وبعث آية الأصل، التي كانت منسوخة في القرن السابع، لتكون هي صاحبة الحكم في القرن العشرين، وعليها يقوم التشريع الجديد.. هذا هو معنى تطوير التشريع... فانما هو إنتقال من نص خدم غرضه.. خدمه حتى استنفده، إلى نص كان مدخرا يومئذ إلى أن يحين حينه. فالتطوير، اذن ليس قفزا عبر الفضاء، ولا هو قول بالرأى الفج، وإنما هو إنتقال من نص إلى نص)) ..
ولقد قلنا إن عمدتنا في تطوير شريعة المال هي شريعة النبي الفردية.. زكاة النبي، صلى الله عليه وسلم..
ولقد قلنا إن عهد الإشتراكية قد أظلنا، وبذلك فأن أوان احكام آية الزكاة الكبرى ونسخ آية الزكاة الصغرى قد آن..
فما رأى السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في ذلك؟!!
وما رأى السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في حديثنا عن الإشتراكية؟..
لقد أغفل السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ما جاء في كتبنا عن الإشتراكية اغفالا تاما.. وذهب ليتهمنا بالشيوعية، وهو يعنى الماركسية.. جاء في صفحة 143 من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام):-
((الإشتراكية أن يكون الناس شركاء في خيرات الأرض)) كما جاء في صفحة 146 من نفس الكتاب:-
((فالإشتراكية العلمية، عندنا، تقوم على دعامتين اثنتين، وفي آن واحد: أولاهما زيادة الانتاج، من مصادر الانتاج، وهي المعدن، والزراعة، والصناعة، والحيوان. وذلك باستخدام الآلة، والعلم، وبتجويد الخبرة الادارية، والفنية. وثانيتهما عدالة التوزيع، وهي تعني، في مرحلة الإشتراكية، أن يكون هناك حد أعلى لدخول الأفراد، وحد أدنى. على أن يكون الحد الأدنى مكفولا لجميع المواطنين، بما في ذلك الأطفال، والعجائز، والعاجزين عن الانتاج، وعلى أن يكون كافيا ليعيش المواطن في مستوى معيشة تحفظ عليه كرامته البشرية.. وأما الحد الأعلى للدخول فيشترط فيه ألا يكون أكبر من الحد الأدنى بأضعاف كثيرة حتى لا يخلق طبقة عليا تستنكف أن تتزاوج مع الطبقة ذات الدخول الدنيا.. ومن أجل زيادة الانتاج وجب تحريم ملكية مصادر الانتاج، ووسائل الانتاج، على الفرد الواحد، أو الأفراد القلائل في صورة شركة، سواء كانت شركة إنتاج، أو شركة توزيع.. ولا يحل للمواطن أن يملك، ملكا فرديا، إلا المنزل، والحديقة حوله، والأثاثات داخله، والسيارة، وما إلى ذلك مما لا يتعدى إلى استخدام مواطن آخر استخداما يستغل فيه عرقه لزيادة دخل مواطن آخر. والملكية الفردية، حتى في هذه الحدود الضيقة، يجب ألا تكون ملكية عين للأشياء المملوكة، وإنما هي ملكية ارتفاق بها، وتظل عينها مملوكة لله ثم للجماعة بأسرها..))
هذا ما جاء في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) عن الإشتراكية التي ندعو اليها، وذلك بتطوير شريعة المال من آية الزكاة الصغرى، الزكاة ذات المقادير، إلى آية الإشتراكية – آية الزكاة الكبرى.. والحديث عن الإشتراكية يقتضينا الرجوع إلى كتاب ((الدستور الإسلامي؟ نعم .. ولا)) الذي أصدره الأستاذ محمود محمد طه في يناير 1968، حينما كان سعى الأحزاب الطائفية على أشده لاقرار دستور يسمى (الدستور الإسلامي)، وهو لا يحمل من الإسلام الا الاسم! وكانت قد تكونت هيئة تسمى ((الهيئة الوطنية للدستور الإسلامي الكامل)).. وكان السيد أحمد البيلي (مدير مصلحة الدراسات الدينية، بالأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف، حاليا) مقررا لتلك الهيئة. وقد جاء في ديباجة المذكرة التي وضعتها تلك الهيئة بعنوان (الدستور الإسلامي الكامل لجمهورية السودان):
((وقد اتصلت الهيئة بالسادة رؤساء الأحزاب وزعماء الطوائف فوجدت منهم ترحيبا وتأييدا ومنهم من رغب إلى هذه الهيئة أن تضع مذكرة تحدد فيها السمات البارزة التي يتميز بها الدستور الإسلامي عما عداه من الدساتير)).. وكان السيد أحمد البيلي أحد أعضاء لجنة الصياغة التي صاغت تلك المذكرة. وجاء في المذكرة حول الإشتراكية ما يلي:
((.. كذلك يحمل لفظ "الإشتراكية" من المعاني المتناقضة ما يجعل استعماله في أى شكل من الأشكال وسيلة لإستغلاله للانحراف بمبادئ العدالة الإنسانية واشعال حرب الطبقات بين المجتمع، وإذا كان الإسلام متضمنا لجميع معاني العدالة والشورى وكل مبادئ الإنسانية السليمة اذن فلا نرى أى مبرر لورود كلمتى "الإشتراكية" و"الديمقراطية" ضمن بنود الدستور، ويكفي أن يوصف الدستور بأنه إسلامي..
اللهم الا إذا اتهمنا الإسلام بالقصور وعدم الكمال والشمول وهو أمر لا يدور بخلد واحد من المسلمين..))
هذا ما جاء في مذكرة تلك الهيئة التي كان السيد أحمد البيلي (مدير مصلحة الدراسات الدينية حاليا) مقررا لها.. ولقد جاء في التعقيب على ذلك في كتاب ((الدستور الإسلامي؟ نعم .. ولا!!)) للأستاذ محمود محمد طه ما يلي (صفحة 21):
((وماذا قالت هذه الهيئة عن الإشتراكية؟ قالت:
" كذلك يحمل لفظ "الإشتراكية" من المعاني المتناقضة ما يجعل استعماله في أى شكل من الأشكال وسيلة لإستغلاله للانحراف بمباديء العدالة الإنسانية واشعال حرب الطبقات بين المجتمع"..
وهنا أيضا غاب عن هذه الهيئة جوهر الإشتراكية وتورطوا، فنسبوا لها سوء التطبيق، والتزييف الذي تعرضت له، كما تعرضت صنوها "الديمقراطية". فالإشتراكية هي "الديمقراطية الاقتصادية" حين كانت الديمقراطية هي "الإشتراكية السياسية"، وهما لا ينفصلان، وإنما هما، للمجتمع الراقى، كالجناحين للطائر.. فكما أن الطائر لا يستطيع أن يستقل في الجو بجناح واحد، فكذلك المجتمع، لا يستطيع، أن ينهض بغيرهما معا، وغرضهما احراز كرامة الإنسان. ولقد سبق أن قررنا أن المدنية الغربية الحاضرة إنما أعلنت إفلاسها عن استيعاب طاقة الإنسان المعاصر لأنها عجزت عن الجمع بين الديمقراطية والإشتراكية في جهاز حكومي واحد .. فالإنسان "المعاصر يريد الحرية ، ويرى أن الإشتراكية حق طبيعي له ، ووسيلة لازمة لتحقيق هذه الحرية ، ومن خطل الرأي عنده ، أن يطلب إليه ، أن يتنازل عن حريته لقاء تمتعه بالحقوق التي تكفلها له الإشتراكية ، كما تريد له الشيوعية الماركسية الآن ، أو أن يطلب إليه أن يحقق حريته الديمقراطية في ظل نظام اقتصادي رأسمالي لا تتوفر له فيه حاجة المعدة والجسد إلا بشق الأنفس ، كما تريد له الرأسمالية الغربية."
والعبارة التي أوردتها هذه الهيئة في مذكرتها ، وهي قولها "وإشعال حرب الطبقات بين المجتمع" تدل أتم الدلالة على أن الهيئة تعتقد أن الإشتراكية هي الماركسية ، وهذا وهم شائع ، إن جاز أن يتورط فيه قارئ الصحف اليومية العادي ، فلا يجوز أن يتورط فيه نفر يتصدون للكتابة ، ولتوجيه الشعب ، في أمر من أهم أموره ، ألا وهو الدستور ، فإن الماركسية مدرسة من مدارس الإشتراكية ، لها حسناتها ، وعليها سيئاتها وما ينبغي أن نحسب أخطاء الماركسية على الإشتراكية ، بحال من الأحوال : والإشتراكية تعني ببساطة ، أن يكون الناس شركاء في خيرات الأرض ، فلا يكون لبعضهم حق وللبعض الآخر صدقة .. ولقد جاءت كنتيجة طبيعية للصراع الطويل المرير بين " الما عندهم والعندهم" وقبل أن تظهر الإشتراكية العلمية كانت الإشتراكية البدائية ، وهي تعني المشاركة في الخيرات التي لا تضيق بأحد ، ولا يقع عليها الحوز ، ولقد عبر المعصوم عن هذه حين قال "الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار" وفي هذا الحديث إشارة رصينة إلى وجوب الإشتراكية بين الناس حين تفيض الخيرات بإستغلال الموارد الطبيعية والصناعية ، وهو ما عليه قامت الإشتراكية العلمية.))
وجاء في الحديث عن الماركسية، في هذا الكتاب (صفحة 27) ما يلي:-
((.. وفي وفي الحق أن الماركسية لن تستطيع أن تطبق إلا ديمقراطية زائفة – دكتاتورية تسمى زورا وبهتانا ، ديمقراطية – وذلك لأن قصر نظر الماركسية الذي ورطها في إنكار القيم الروحية قد أعجزها عن تقديم بديل لدافع الإنتاج التقليدي الذي قوضته ..))
كما جاء في صفحة 31 من هذا الكتاب (وقصور الماركسية يكمن فيما تتبجح به جهلا ، وتسميه علما ، وهو الإلحاد . ولن يكون الإلحاد علما ، إلا إذا انطمست العقول ، وتخلت عن وظائفها . وإلا فإنه قد قيل :-
فليس يصح في الأذهان شئ: إذا احتاج النهار إلى دليل . وهنا يجئ دور الإسلام ليتمم النقص في الماركسية بإدخاله عنصر الروح الذي جحدته ، وبإدخاله لعنصر الروح تصبح القيمة على مستويين : المستوى المادي ، والمستوى الروحي : والمادة وسيلة للروح ، بمعنى "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة من الله" كما قال المسيح أو "الدنيا مطية الآخرة" كما قال المعصوم .))
هذا ما جاء في كتاب (الدستور الإسلامي؟ نعم .. ولا!!) عن "الإشتراكية" و"الماركسية".. ونحن نتسآل: لماذا لم يتطرق السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية لحديثنا عن الإشتراكية، وهو حديث يتكرر في الكثير من كتبنا؟ .. الا يزال على رأيه في الإشتراكية الذي جاء في مذكرة (الهيئة الوطنية للدستور الإسلامي الكامل) التي كان مقررا لها، وأحد أعضاء لجنة صياغة مذكرتها؟ لقد جاء في تلك المذكرة:
((كذلك يحمل لفظ "الإشتراكية" من المعاني المتناقضة ما يجعل استعماله في أى شكل من الأشكال وسيلة لإستغلاله للانحراف بمباديء العدالة الإنسانية واشعال حرب الطبقات بين المجتمع)).. الا يزال السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية على هذا الرأى؟ أم أنه قد عدل عنه في هذا العهد الذي تتجه فيه السلطة اتجاها اشتراكيا؟!!
أما زعم السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية بأننا نذهب مذهب الشيوعية (وهو يعنى الماركسية) فزعم مغرض، يحاول أن يستعدى به السلطة علينا.. وذلك ما يباعد تماما بين تقريره والموضوعية.. ولقد رأينا كيف أغفل حديثنا عن الإشتراكية، ودعوتنا إلى تطوير شريعة المال من آية الزكاة الصغرى إلى آية الزكاة الكبرى..
ليس ثمة تعليل لعدم الأمانة الذي أتسم به تقرير السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، في نقله المخل، وتخريجه المغلوط، الا سوء الغرض!! ولذلك فان تقريره قد جاء تنفيسا عن خصومة حائدة عن الحق، غاشمة، لا ترعى حرمة..