الأحوال الشخصية:
ويقول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في تقريره: (ومن آرائه الباطلة فيما يتعلق بتشريع الأسرة في الإسلام قوله إن حظ المرأة في الميراث والشهادة حظ مبخوس، فان حظ المرأة في الشهادة، وحظها في الميراث أمر مثبت في التنزيل الحكيم حيث قال تعالى عن شهادتها وشهادة الرجل الآية: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فان لم يكونا رجلين، فرجل وأمرأتان، ممن ترضون من الشهداء.. أن تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى)) البقرة 282، وهو نص صريح لم ينسخ، محكم لا سبيل إلى تأويله ليؤدى فهما مغايرا لما فهمه النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية الكريمة وما فهمه أصحابه وجرى عليه العمل خلال عصور الإسلام التي خلت) ويقول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، أيضا: (وكيف يكون حظها مبخوسا في الميراث والله هو القائل ((للذكر مثل حظ الأنثيين)) وهو القائل ((ولكم نصف ما ترك أزواجكم)) وقال ((ولهن الربع مما تركتم)) الآية 12) هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية.. وهو قول ما كان يحتاج إلى أن يقوله.. فنحن نعلم حظ المرأة في الشريعة الإسلامية الموروثة، ولا نحتاج إلى أن يذكرنا أحد بأنه ((أمر مثبت في التنزيل الحكيم))، وما دعوتنا، في ذلك، الا إلى تطوير شريعة الأحوال الشخصية الموروثة، وذلك بالإنتقال من مستوى القوامة ((الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم..)) – وعلى مستوى القوامة قام حظ المرأة السلفي في الشهادة والميراث – إلى مستوى المساواة ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف..)) ولقد صدر كتاب ((تطوير شريعة الأحوال الشخصية)) في هذا الصدد، وهو كتاب قد أطلّع عليه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية قبل كتابة تقريره. وكتاب (بيننا وبين محكمة الردة) يفصل هذا الأمر تفصيلا كافيا لا يؤدى بمن يطلع عليه إلى أن يتهمنا بأننا ننكر حظ المرأة في الشريعة الإسلامية الموروثة.. واليكم ما جاء فيه من صفحة 11 (الطبعة الثانية):
(((وحين نجد حظ المرأة في القرآن، من المسئولية الفردية، مساويا لحظ الرجل مساواة مطلقة، نجد ان حظها، في تشريع الإسلام الذي بين أيدينا الآن، حظ مبخوس ... فهي علي النصف من الرجل في الشهادة .. وعلي النصف منه في الميراث، وعلى الربع منه في الزواج، وهي دونه في سائر الأمور الدينية والدنيوية. فلماذا؟؟
((هنا تبرز عوامل التاريخ الموروث، من سوالف الحقب .. فقد عاشت البشرية، حينا من الدهر، تحت قانون الغابة، حيث القوة هي التي تصنع الحقوق، وهي التي تتقاضي هذه الحقوق، وفي مثل هذا المجتمع، فان الفضيلة لشدة الأسر ، وقوة العضلات وليس للمرأة هنا كبير حظ، ولذلك فقد كانت تعتبر عبئا ثقيلا ينوء به ذووها من الرجال حين يطعمونها من ألم الجوع، وحين يصونونها من عار السبي، وهو ما يجعل الناس علي عهد الجاهلية يئدون البنات حيات ((واذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت)) أو "واذا بشر أحدهم بالأنثي ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتواري من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه علي هون أم يدسه في التراب الا ساء ما يحكمون" واذ ورث الإسلام هذا المجتمع الجاهلي فلم يكن مقبولا، عقلا ولا عملا الا أن يقيد من حرية المرأة مهما بلغ من تحريرها (ولقد بلغ من تحريرها، بالنسبة لما وجدها عليه من الذلة مبلغا يشبه الطفرة) ثم أنه أشار حين قيد من حريتها الي أسباب تلك القيود ((الرجال قوامون علي النساء، بما فضل الله بعضهم علي بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) فالقوامة معلولة ((بما فضل الله بعضهم علي بعض)) وهذا التفضيل يرجع الحظ الأكبر منه الي شدة المراس وطول المصابرة في مواطن البأس .. ثم ((وبما أنفقوا من أموالهم)) وتلك اشارة صريحة الي القوة التي بها يكون أقتناء المال من طول المثابرة وسعة الحيلة فإذا جاء الوقت – وسيجيء – الذي يقوم فيه القانون مقام القوة، والإشتراكية مكان الرأسمالية، فان القوامة تعطي مكانها للمساواة بلا أدني ريب، لأن ميدان المنافسة سينتقل الي معترك جديد، السلاح فيه ليس قوة العضلات، وإنما قوة العقل، وقوة الخلق، وليس حظ المرأة من ذلك بالحظ المنقوص.
((ان آية الآيات، في مستقبل المرأة في القرآن، قوله تعالي ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة)) والمعروف هو العرف الذي تواضع عليه الناس ما لم يتعأرض مع مراد الدين من تسيير الخلق الي الله على بصيرة .. وأما قوله ((وللرجال عليهن درجة)) فلا يعني أن مطلق رجل أفضل من مطلق أمرأة وإنما يعني أن على قمة هرم الكمال البشري رجلا تليه أمرأة هي قرينته، تتكاد تتخطي بذلك كل من عداه من الرجال .. وأس الرجاء في الآية أن الطريق بها انفتح للمرأة ليتطور حقها وحريتها في المجتمع، بتطوير مسئولياتها وواجباتها في الحياة العامة، والحياة الخاصة، وذلك تطور لا يحده حد على الاطلاق.
((فتشريع قوامة الرجل على المرأة في الإسلام ليس أصلا، وإنما الأصل المساواة، وتشريع تعدد الزوجات في الإسلام ليس أصلا. وإنما الأصل الزوجة الواحدة، للزوج الواحد. ومثل هذا يقال عن المهر في الزواج، فانه يمثل ثمن شراء المرأة، حين كانت تسبي، او تختطف أو تشتري، وإنما الأصل في الإسلام التكافوء بين المرأة والرجل في انشاء عش الزوجية .. ((هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)) .. فهذه اشارة بالغة الرفعة في تصوير التكافوء بين المرأة والرجل في الشراكة في الحياة الزوجية..))
هذا ما جاء في كتاب (بيننا وبين محكمة الردة) حول تطوير شريعة الأحوال الشخصية. ونحب أن يلاحظ القاريء هذه العبارات التي وردت فيه:
((وحين نجد حظ المرأة في القرآن، من المسئولية الفردية، مساويا لحظ الرجل مساواة مطلقة، نجد ان حظها، في تشريع الإسلام الذي بين أيدينا الآن، حظ مبخوس..)) كما نحب أن يلاحظ هذه العبارات:
((واذ ورث الإسلام هذا المجتمع الجاهلي فلم يكن مقبولا، عقلا ولا عملا الا أن يقيد من حرية المرأة مهما بلغ من تحريرها (ولقد بلغ من تحريرها، بالنسبة لما وجدها عليه من الذلة مبلغا يشبه الطفرة").. وهي عبارات لا يحتاج من يقولها إلى أن يذكره أحد بأن حظ المرأة في الشريعة الإسلامية الموروثة ((أمر مثبت في التنزيل الحكيم)) كما ذهب السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية..
ان ما ندعو اليه، في ذلك إنما هو تطوير شريعة الأحوال الشخصية، وذلك بالإنتقال من نص فرعي في القرآن، إلى نص أصلي فيه. أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية عن آية شهادة الرجل وشهادة المرأة، في الشريعة الإسلامية الموروثة: ((وهو نص صريح، لم ينسخ، محكم لا سبيل إلى تأويله ليؤدى فهما مغايرا لما فهمه النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية الكريمة وما فهمه أصحابه وجرى عليه العمل خلال عصور الإسلام التي خلت)) فهو قول يعطينا الفرصة لأن نبين حقيقة الخلاف بين (الدعوة الإسلامية الجديدة) وما عليه دعاة التفكير الديني السلفي..
أولا: أن شريعة الأحوال الشخصية الموروثة شريعة وصاية، فللرجل على المرأة فيها قوامة، ولهذا كان حظ المرأة، فيها، في الميراث والشهادة، دون حظ الرجل.. ونصوص القوامة نصوص صريحة في القرآن.. فنحن لم نقل إنها ليست كذلك. وهي إنما أحكمت في مقابل نسخ نصوص المساواة (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف).. أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية عن نص شهادة الرجل وشهادة المرأة في الشريعة الإسلامية الموروثة (... لا سبيل إلى تأويله، ليؤدى فهما مغايرا لما فهمه النبي صلى الله عليه وسلم وما فهمه أصحابه وجرى عليه العمل خلال عصور الإسلام التي خلت) فقول يحتاج إلى أن يعيد السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية النظر فيه، ذلك بأن ما جاء فيه عن (فهم) النبي الكريم إنما هو على قدر كبير من التساهل في مقام يقتضى الورع، ولقد كان أحجى لو أن السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية قد قصر حديثه على فهمه هو، وفهم أضرابه من المشتغلين بالفقه، لهذا النص. فان علم النبي الكريم، وهو القائل ((نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم))، إنما هو علم تأويل القرآن.. والسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية لا يحيط بعلم النبي الكريم حتى يخول لنفسه أن يقول ما قال. أما قوله عن ذلك النص ((... لا سبيل إلى تأويله)) فقول يدل على عدم البصر بحقائق الدين، ذلك بأن للقرآن كله، لكل آية منه، بل لكل كلمة ولكل حرف، تأويلا.. وفي أدنى مراتب التأويل من التفسير تجيء الحكمة وراء النصوص. أما الحكمة وراء نصوص قوامة الرجال على النساء فهي قصور المرأة في مجتمع القرن السابع عن مستوى مسئوليتها الكاملة عن نفسها، مما أقتضى وصاية الرجل عليها، وفي ذلك الحكمة كل الحكمة، والعدل كل العدل. أما وقد بلغت المرأة الآن مبلغ المسئولية، فقد آن الأوان لأن تنسخ آية القوامة بآية المسئولية، ولأن تطور شريعة الأحوال الشخصية بالإنتقال من نص فرعي إلى نص أصلي في القرآن- كما أسلفنا. ويقول مدير مصلحة الدراسات الدينية (ولا حجة للأستاذ محمود كما زعم في قوله تعالى ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)) البقرة 228 (تطوير شريعة الأحوال الشخصية.) صفحة 47 وأن هذا الجزء من الآية لا يقتضي المساواة بين الرجال والنساء، وأن الفهم الواضح المستقيم لهذه العبارة هو أن للنساء حقوقا مثل ما عليهن من الواجبات، فالمساواة بين حقوقهن وواجباتهن، ولا نص فيها البتة على أن النساء كالرجال في الحقوق والواجبات، ونختصر على رأى أحد العلماء الصحابة في هذه الآية وهو عبد الله بن عباس رضى الله عنه، قال كما رواه القرطبى في تفسيره: ((انى لأتزين لأمرأتى كما تتزين لى)). وروى عنه أنه قال ((ان لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة)) تفسير القرطبى 123:3).. هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ... أما ما أستشهد به من تفسير لقوله تعالي ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)) فهو تفسير وارد في مضمار شريعة الأحوال الشخصية الموروثة، التي للرجل فيها القوامة على المرأة، وما ندعو اليه نحن إنما هو في مضمار تطوير شريعة القوامة إلى شريعة المساواة. وقد فسر السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)) ((بالمساواة بين حقوقهن وواجباتهن)).. فإذا كان السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية يعنى ما يقول، فان ذلك هو ما ذهب اليه كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية) في صفحة 46 منه، اذ جاء.. ((حقوقهن لقاء واجباتهن))... وذلك مما يفتح الطريق أمام تطوير شريعة القوامة إلى شريعة المساواة... فان (المعروف) الوارد في قوله تعالى: ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)).. وهو العرف الذي يتواضع عليه الناس ما لم يتعأرض مع غرض الدين من تحقيق كرامة الإنسان من ذكر وأنثى – وقد أقتضى، في القرن العشرين، أن يزاد للمرأة في حقوقها لقاء زيادة واجباتها.. فقد صارت المرأة تصل إلى أعلى مراحل التعليم وتتسنم الوظائف القضائية والتشريعية والتنفيذية.. ولا يقوم تطوير شريعة الأحوال الشخصية الا على أساس ((المساواة بين حقوقهن وواجباتهن)).. ولقد جاء تفصيل كل أولئك في كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية) (صفحة 46، 47 – الطبعة الأولى). ولقد ورد فيما نقلناه آنفا من كتاب (بيننا وبين محكمة الردة) ما يلي: ((.. وأس الرجاء في الآية أن الطريق بها انفتح للمرأة ليتطور حقها وحريتها في المجتمع، بتطوير مسئولياتها وواجباتها في الحياة العامة، والحياة الخاصة، وذلك تطور لا يحده حد على الاطلاق)) والآية المعنية هنا ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)) وقد ورد، أيضا، معنى ((وللرجال عليهن درجة)).
أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية (ولو جرى الناس على تطبيق مذهب محمود في المساواة المطلقة بين النساء والرجال لأصبحنا ووجدنا منشورا محموديا يلغى قول الله تعالي: ((الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض)) فهو قول مؤسف، ودون مستوى الموضوعية ببعيد... فنحن لا نلغي الأشياء بمنشورات.. وإنما نحن ندعو بدعوة نزعم أنها هي التي تبعث الإسلام وتحيي السنة، مستخرجين سندها من القرآن والسنة.. ولقد أخرجنا، في ذلك، المؤلفات العديدة، وفتحنا، ولا نزال نفتح، المجالات المختلفة للحوار حول هذه الدعوة.. وما ذهبنا اليه من تطوير شريعة الأحوال الشخصية إنما يقوم على العلم الصراح بالقرآن والسنة.. فدعوة التطوير إنما هي إلى الإنتقال من نص إلى نص في القرآن، بل هي من نص في القرآن مقصود بالحوالة إلى نص في القرآن مقصود بالأصالة..
هذا، وقد جاء عن المساواة بين الرجال والنساء في كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية – صفحة 52 – ما يلي:
((.. المساواة، بين الرجال والنساء، ليست مساواة الميزان، والمسطرة.. وإنما هي مساواة القيمة.. ومعنى ذلك أن المرأة، في نفسها، كإنسان، وفي المجتمع، كمواطنة، ذات قيمة مساوية لقيمة الرجل، في نفسه، كإنسان، وفي المجتمع، كمواطن.. وهذه المساواة تقوم وإن وقع الاختلاف في الخصائص، النفسية، والعضوية، في بنية الرجال والنساء.. وهي تقوم، وإن اختلفت الوظيفة الاجتماعية، وميدان الخدمة للمجتمع، الذي يتحرك فيه الرجال والنساء..))
هذا ما كان من أمر ((الأحوال الشخصية)) كما جاء في تقرير السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، بالأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف، ولقد رأينا كي أغفل السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية كثيرا من النصوص إلى وردت في كتبنا في هذا الأمر، فلم يواجهها، وإنما ذهب يخرج التخريجات الخاطئة ويطلق الأحكام المعممة..
ونحب أن نؤكد، مرة أخرى، أن دعوتنا إلى تطوير شريعة الأحوال الشخصية إنما تقوم على أصول القرآن، لتخدم غرض القرآن، وهو كرامة الإنسان، من ذكر وأنثى.. فنحن لم ندل، في ذلك برأى واه أو مشتط..