الباب الرابع
أدب العبادات والمعاملات في الشريعة، والطريقة، والحقيقة
أدب العبادات
لقد رأينا أن الأساس في الأدب، هو الأدب مع الله، أدب العبودية، وأنه لا سبيل لهذا الأدب إلا بالأدب مع النبي.. والوسيلة لتحقيق الأدب، في جميع مستوياته، هي العمل وفق منهاج السنة - طريق محمد، ولذلك أسمينا كتابنا هذا (أدب السالك في طريق محمد).. فالحضور الذي وكدنا أنه جماع الأدب، يحتاج إلى رياضة، وإلى مران طويل وفق منهاج مرسوم، وهذا المنهاج هو طريق محمد.. والعمل في منهاج السنة - طريق محمد، له أدبه، الذي يتخلل جميع تفاصيله، في كل جزئياتها - في العبادة، وفي المعاملة.. ونحن هنا سنتحدث، بصورة عامة، عن الأدب في العبادات، وفي المعاملات، بالصورة التي تعين على التجويد.. وقد رأينا أن النبي صاحب ثلاثة مقامات هي الرسالة، والنبوة، والولاية.. يقابلها في المنهاج ثلاثة مستويات هي: الشريعة، والطريقة، والحقيقة.. وقد وردت هذه المستويات في حديث المعصوم الذي يقول: (قولي شريعة، وعملي طريقة، وحالي حقيقة).. ونحن هنا سنتحدث عن هذه المستويات الثلاثة، في مجال العبادات، وفي مجال المعاملات، ونربطها بموضوع الأدب..
ففي مجال العبادات، الشريعة هي قاعدة التكليف العام، هي أدنى درجات التكليف على المؤمن.. فهي مثلا بالنسبة للصلاة، تشمل الصلوات الخمس المفروضة، وبالنسبة للصيام تتمثل في صيام شهر رمضان، وبالنسبة للزكاة تتمثل في زكاة المقادير بشروطها المعروفة.. أما السنة - الطريقة - فهي شريعة وزيادة، هي النهج المؤكد الذي كان يلتزمه النبي في خاصة نفسه.. فهي مثلا في الصلاة تشمل، بالإضافة للصلوات الخمس، صلاة الليل، التي كانت فرضا في حق النبي.. وبالنسبة للزكاة، فلم يكن النبي يزكى الزكاة ذات المقادير، وإنما كانت زكاته هي أن ينفق عنه كل ما زاد عن حاجته الحاضرة، عملا بقوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو).. فالشريعة هي تكليف المؤمن، وهي، من ناحية الإلزام قصاراه.. أما بالنسبة للمسلم، الإسلام الثاني، فهي تكليفه في بداية أمره، وهي، بالنسبة له، منفتحة على الطريقة.. فالمسلم، في هذا المقام، شريعته السنة.. فالسالك في طريق محمد نهجه في العبادة هو السنة - هو تقليد النبي، عملا بقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، يحببكم الله!!).. والطريقة منفتحة على الحقيقة.. ولكل صور العبادات في الشريعة، وفي الطريقة، أدبها الذي لا تستقيم إلا به.. والمعنى الشامل للأدب في العبادات، هو إخلاص النية، والخشوع، والحضور مع الله، فيها.. والأدب، يشمل إتقان ظاهر العبادة، بتأديتها كما وردت عن النبي، وإتقان باطنها، بكمال الحضور فيها.. ولما كانت العبادة وسيلة للعبودية، فإن من أدب كل عبادة، أن يكون هنالك استشعار للعبودية أثناء تأديتها.. استشعار للضعف، والعجز، والافتقار لله.. وهذا من معاني قوله تعالى: (إياك نعبد، وإياك نستعين).. فإياك نعبد، عبادة.. وإياك نستعين، عبودية، وهي تعني أننا، حين نعبدك، لا نعبدك بقدرتنا، وحولنا، وإنما نعبدك بفضلك، وحسن توفيقك لنا، فكل (إياك نعبد)، ينبغي أن تنطوي، على (إياك نستعين) فهي روحها، التي إذا خرجت منها، تصبح العبادة غير مفضية للعبودية، لأنها، إنما تقوم على ادِّعاء قدرة..
ولقد جعل لكل عبادة وقتها، الذي لا تصح إلا فيه.. فللصلوات المختلفة أوقاتها، وللصوم وقته، وكذلك للزكاة، وللحج.. فمن أدب العبادة تأديتها لوقتها.. وهذا هو (أدب الوقت) في الشريعة..
وعمل العبادة في تأديب النفس، وتربيتها، يقوم على الكبت.. كبت النفس السفلى من أن تسترسل مع شهواتها، ومع رغائبها.. كبت الحيوان الداخلي حتى يستأنس.. والمرحلة الثانية التي تلي الكبت، هي مرحلة فض الكبت، وفيها تتحقق إنسانية الإنسان..
أدب العبادة والكبت
يمكن أن يقال عن السير إلى الله، أنّه خطوتان: خطوة في الكبت، وهي عبادة.. وخطوة في فض الكبت، وهي عبودية.. والكبت، عند الفرد البشري، منه ما هو موروث، ومنه ما هو مكتسب.. والكبت الموروث قديم، فهو قد بدأ منذ فجر الحياة.. وإليه يرجع الفضل، من بعد الله، في نشأة العقل، وقيام المجتمع.. فبفضل الخوف، والرجاء، بدأ الإنسان يسيطر على نزواته، وبداوته.. وأخذ يروض شهوته بعقله، فلا يسمح للشهوة التي توقعه في غضب الآلهة، وغضب الجماعة، بالظهور، والتعبير عن نفسها.. ومن سيطرة العقل هذه نشأ الكبت، وانقسمت الشخصية، فأصبحت هناك قوة كابتة، وقوة مكبوتة.. وإلى جانب هذا الكبت الموروث، هناك الكبت المكتسب، الذي يكتسبه الفرد أثناء حياته، من صراعه مع البيئة الطبيعية، والبيئة الاجتماعية.. ولقد لعب الكبت دورا كبيرا في تطور الفرد البشرى، وفي تربيته، ولكن كمال الفرد البشرى لا يتم إلا بالتخلص من الكبت، والتخلص من سببه الأساسي، وهو الخوف.. ولا يكون التخلص منهما، إلا بالعلم - إلا بمعرفة الأشياء على ما هي عليه في الحقيقة..
والعبادة هي وسيلة هذا العلم الذي به يتم التخلص من الخوف، ومن الكبت.. هذا مع إن العبادة هي نفسها صورة من صور الكبت.. ولكنه كبت واع، ومعلوم الأسباب، والأهداف.. فالعبادة كبت يتم بإرادة العابد، وبحكمة كافية، والغرض منه، تقوية العقل، وترويض النفس، وتأديبها، حتى تنتقل من الحيوانية، إلى الإنسانية، فتتخلص من جميع صور الكبت..
فالعبادة عمل في تقييد النفس، وتقييد الجوارح عن أن تسترسل مع الشهوة الحرام، وتسيير لها في اتجاه الواجب، والطاعة.. وبهذه العملية في الكبت يقوى العقل، ويشحذ الذكاء، وتضعف النفس، وتنكسر الشهوة، فيسهل على العقل قيادة النفس، وتأديبها.. ولكن الرغبات، والشهوات، عندما تكبت، لا تموت، وإنما هي، وتحت قهر العقل، تنسحب من منطقة الفعل، ومنطقة القول، إلى منطقة الخواطر، حيث تظل سجينة، في سجن العقل الباطن.. ولما كان المجتمع لا يقوم دائما على الحكمة، ولا العقل دائم الرشد، ولما كان تصور الفرد، والجماعة، للواجب لا يكون دائما تصورا صحيحا، ولكل ذلك، فإن من سجناء الخواطر، من هم أبرياء، وقد زج بهم في السجن ظلما وعدوانا، وتعرضوا لألوان الإرهاب بسبب تجبّر السجانين، وقصورهم، ذلك التجبّر، والقصور الناتج عن الخوف.. وإطلاق سراح هؤلاء السجناء، هو فض الكبت.. وهو مرحلة تبدأ بعد أن تطمئن النفس، وتبدأ في التخلص من الخوف.. وبعد أن يقوى العقل، وتزداد حكمته، فيتعامل مع هذه الخواطر المكبوتة، بالوعي الكافي، والحكمة الكافية، فيناقشها، ويبدأ في إطلاق سراحها، بعد أن تكون قد استأنست، فأصبحت خواطر خيرة.. وإنما يتم ذلك بفضل الله، ثم بفضل الكبت الناتج عن العبادة المجودة، وبفضل أنوار العقل القوى، الدقيق، تلك الأنوار التي تصل الخواطر في سراديب العقل الباطن، فتنير لها الطريق، وتقودها في الاتجاه الصحيح.. وهذا الصنيع، إنما يتم في مرحلة الاستقامة، تلك المرحلة التي يتم فيها التخلص من الذنب، أو الكبت، المكتسب والموروث.. والاستعداد للتخلص من الكبت إلى جانب المجهود الفردي في العبادة والعلم يحتاج المجتمع الحر السمح الأعراف والقوانين في آن معا..
والمعرفة بحقائق الأشياء، كما هي عليه، في الحقيقة، تلك المعرفة التي بها التخلص من الخوف، ومن الكبت، تقول، إن الوجود في أصله، خير كله.. فالله تعالى خير محض، فلا مكان للشر في أصل الوجود، وإنما الشر في مظهره، وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة - حقيقة أن الوجود خير كله.. فإذا كان الوجود خير كله، فلا شيء يوجب الخوف، والكبت، إلا الجهل.. ونحن بفضل الله، ثم بفضل العمل في التقوى، نخرج من هذا الجهل كل يوم.. فالله تعالى يقول: (هو الذي يصلي عليكم، وملائكته، ليخرجكم من الظلمات إلى النور).. ونحن لا نستيقن حقيقة أن الوجود خير محض، إلا إذا علمنا العلم اللدني، فأخذنا من الله بلا واسطة، وهذا لا يتم إلا عن طريق التأدب بأدب الوقت.. أدب العبودية.. ولذلك قلنا إن مرحلة العبودية، هي مرحلة التخلص من الكبت، لأنها هي المرحلة التي فيها يتم التحرر من الخوف..
الاستيقان بأن الوجود خير محض، يبدأ، كما بينا، من بدايات بسيطة وعملية.. فهو يبدأ بالإيمان، والثقة بالله.. ثم عن طريق العمل في التقوى، يزيد هذا الإيمان، ويتوكد، حتى يصبح يقينا.. ولذلك عن طريق الإيمان والعمل، طريق التقوى، يتم التخلص من الكبت، أو قل الذنب، وإنما يتم التخلص من الكبت بفضل الله، ثم بفضل العلم الذي تورثه التقوى، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا!! إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا، ويكفر عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم).. (يا أيها الذين آمنوا) إشارة للإيمان الذي هو مقدمة للعلم، ومقدمة للعمل في التقوى.. وقوله: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا).. الفرقان هو نور في العقل به يتم التمييز بين حقائق الأشياء.. وقوله: (ويكفر عنكم سيئاتكم) يعنى يغفر لكم خطيئاتكم الموروثة.. وهي تتمثل في الكبت الواقع على العقل الباطن، ذلك الكبت المتوارث عبر التاريخ البشرى.. وقوله تعالى: (ويغفر لكم) يشير إلى الخطيئة المكتسبة، وهي تتمثل في الكبت الواقع على العقل الباطن، والمكتسب أثناء عمر أحدنا.. والتكفير والمغفرة، إنما يكونان برفع هذا الكبت، الموروث والمكتسب.. ورفع الكبت إنما يكون (بالفرقان)، وهو نور العقل القوى، الذي يتخلل سراديب العقل الباطن المظلمة، حيث ترقد الرغائب المكبوتة على حواشيه، فيحررها.. وكما أن دقة الفكر تؤدي إلى رفع الكبت، كذلك رفع الكبت يؤدى إلى دقة الفكر.. فبقدر فض الكبت تكون قوة العقل، ودقة الفكر، ووحدة البنية البشرية، فتتحقق بذلك سلامة الفطرة التي تحدثنا عنها، وهي سلامة القلب، وصفاء الفكر، كما ذكرنا، فبهذا المعنى يحقق فض الكبت إنسانية الإنسان..
ونحن هنا لا نستطيع أن نتابع تفاصيل الأدب في العبادات المختلفة، فيمكن أن يراجع ذلك في كتبنا الأساسية، خصوصا (تعلموا كيف تصلون).. ولكن لا بد لنا هنا من الحديث باختصار عن أدب الصلاة، لأنها هي أكمل منهاج يعين على الرياضة والمران، على الأدب..
أدب الصــلاة
إن جماع أدب الصلاة هو الحضور مع الله فيها.. فللصلاة هيئة، وروح: (حضور).. وإلى هذين المستويين من الصلاة ترد الإشارة في قول المعصوم: (الصلاة معراج العبد إلى ربه).. و(الصلاة صلة بين العبد وربه).. فالصلة هي الحضور مع الله، وهي روح الصلاة، وأدبها، فإذا لم تقم هذه الصلة أصبحت الصلاة باطلة، وقد تتسبب في الطرد، والبعد، كما بيّنا.. فهذه الصلة - أو الأدب - هي الصلاة الحقيقية، أما الهيئة فهي القشرة التي تحفظ الصلاة، وتعين على الحضور فيها، ولذلك فلتجويد الحضور في الصلاة لا بد من إتقان هيئتها.. ولا بد قبل ذلك، من التهيؤ للحضور فيها، قبل الدخول فيها.. وذلك بخلق علاقة المحبة معها، وإنما تتم علاقة المحبة هذه إذا عرفنا للصلاة قدرها، وقيمتها.. فهي إنما هي أكمل منهاج نحقق به حياتنا الكاملة، عن طريق تحقيق التوحيد، توحيد بنيتنا.. وقد قال المعصوم عن الصلاة: (حُبّب إلى من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة).. وقرة عيني تعني طمأنينة بالى، ورضا نفسي.. فالصلاة وسيلة إلى الحضور مع الله، والرضا به، وفي ذلك يقول الله تعالى: (فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح، وأطراف النهار، لعلك ترضى).. وقد ذكرنا أن هذه الآية تشتمل على الصلوات الخمس.. وواضح من الآية إنها تجعل الصلاة وسيلة إلى الرضا.. وقد بينا كيف أن الحضور مع الله، والرضا به ربّا، هما أكبر الوسائل لتحقيق العبودية، والتأدب بأدبها.. ولقد كان المعصوم لشدة معرفته بقيمة الصلاة، واهتمامه بها، وحرصه عليها، يقول لسيدنا بلال مؤذنه: (أرحنا بها يا بلال)، فهو يجد راحته فيها.. وقد ورد عنه أنه كان (كلما حزبه أمر فزع إلى الصلاة)!!
فقد كان النبي شديد الحرص على الصلاة، شديد الاهتمام بها، وهكذا يجب أن نكون نحن، فعلينا أن نتوخى معها كل صور الأدب التي تليق بها.. ومن أدب الصلاة أن ننتظرها ونحن في شوق إليها، وكأننا ننتظر الحبيب الغائب، لأننا فيها نلاقي الحبيب الأعظم، نلاقي الله.. وعندما تحضر الصلاة يجب علينا أن نكرم وفادتها، فلا ننشغل عنها بغيرها، فعلينا أن نعاملها معاملة الضيف العزيز.. ومن أدب الصلاة أن نقبل عليها ونحن نشعر بالحاجة إليها، فنحن نلقى فيها الله، ونحول همومنا، ومشاكلنا، عليه.. ومن الأدب مع الله أن نشعر بالحاجة إليه، في كل وقت، وفي كل شيء.. وللحضور في الصلاة لابد من تفرغ البال قبل الدخول فيها، ولا بد من الحضور في الوضوء عن طريق المحاسبة، وإتقان الهيئة، في كل جزئياتها..
ونحن إذا قمنا للصلاة علينا أن نحاول الحضور في كل حركة من حركاتها، فلكل حركة معناها، وأدبها.. وعلينا أن نحضر في الصلاة ونحن نتلو القرآن فيها، فهو حديث الله إلينا، فالأدب يقتضي أن نستمع له، وننصت كما بيّنا.. والحضور في الصلاة يبدأ بداية يسيرة، ثم ينمو، ويزيد، بفضل الله، ثم بفضل المران على الصلاة.. والمطلوب أن نملأ هيكل صلاتنا كله بالصلة، بالحضور، وبالأدب، وهذا هو سبيلنا إلى الحياة الكاملة.. فالقدر من الصلة، أو الحضور الذي نحققه في صلاتنا، هو جرثومة حياتنا الكاملة، التي علينا أن ننميها حتى تكتمل، وهو شريعتنا الفردية، وصلاة أصالتنا، داخل صلاة تقليدنا للنبي..
ولتوضيح هذا الأمر، نضرب المثل التالي: إن الصلاة أشبه بالبيضة.. فهيئة الصلاة، بالصورة التي نقلد فيها النبي، تمثل قشرة البيضة.. وداخل البيضة توجد جرثومة الحياة التي ينمو منها الكتكوت، وهذه الجرثومة، بالنسبة للصلاة، هي الحضور، أو هي الصلة.. والبيضة التي لا تجد الحضانة والرعاية، قد تفسد (تمزر)، فلا ينمو داخلها كتكوت، أو هو قد يبدأ النمو ثم يموت قبل أن يكتمل.. وكذلك الصلاة التي لا تجد الرعاية والاهتمام بأدبها، والاهتمام بالحضور فيها، تكون قشرة بلا حياة داخلها، مثل البيضة الفاسدة.. أما إذا اهتممنا بأدب الحضور في الصلاة، ورعيناه، فإن الحضور ينمو، ويزداد كما ينمو الكتكوت داخل البيضة حتى يملأ قشرتها، ويكسرها، ويخرج إلى حياة أرحب.. إلا أن المثل هنا لا ينطبق تماما، فقشرة الصلاة لا تكسر، وإنما هي نفسها تملأ بالحياة، وهذا هو المعنى الذي به يسقط التقليد، وتتحقق صلاة الأصالة - الصلاة الفردية - وهذا الأمر لا يتم على كماله في هذه الحياة الدنيا، إلا لرجل واحد هو صاحب المقام المحمود، الذي تحدثنا عنه، أما كل من عداه فهم يحققون أصالتهم وفرديتهم، داخل إطار تقليد النبي..
والبيضة المشار إليها في المثل هي نحن، هي أجسادنا.. فنحن في الحقيقة عبارة عن بيضة، فالمرأة تبيض ولكنها في الداخل، في الرحم، وهي ما تسمى (بالبويضة)، التي تخصب بحيوان الرجل فيتكون منها الجنين.. ونحن بزيادة الصلة (الحضور) في صلاتنا، إنما نصل حياتنا بمصدرها، بالله، نستمد منه الحياة الحقيقية، فتنمو الحياة داخلنا كما ينمو الكتكوت داخل البيضة.. والمطلوب أن تنمو الحياة، وتنبع من الداخل، لتشيع في جميع جسدنا، فيصبح حيا كله، بالصورة التي عليها حياة القلب والعقل.. فإذا بلغت الحياة عندنا هذا المستوى فإنها تنتصر على العجز، وعلى المرض، وعلى الموت.. فقد ذكرنا أن هذا لا يتم في هذه الحياة إلا لرجل واحد، هو الإنسان الكامل.. أما من عداه من الناس، فهم يتفاوتون في كمال حياتهم، حسب توفيق الله لهم، وحسب تحقيقهم في الحضور في صلاتهم.. وبهذه الصورة يتضح أن صلاة كل فرد هي حياته الباقية، فإن شاء نماها بالحضور، وإن شاء أهدرها، وعطل نموها بالغفلة وبعدم تجويد الحضور في الصلاة.. وهذا حديث عام، وموجز، عن أدب الصلاة، وقيمته وللتفاصيل الوافية يمكن الرجوع إلى كتابنا: (تعلموا كيف تصلون)..
ونحن لا نملك الحيز للتفصيل عن آداب العبادات الأخرى، ولكن يمكن أن يقال أن القاسم المشترك في آدابها جميعا، هو إخلاص النية، والحضور فيها..
هذا بالنسبة لأدب العبادة في الشريعة، وفي الطريقة.. أما بالنسبة للحقيقة، فهي حالة القلوب التي تكون عليها من المعرفة بالله، نتيجة العمل بالشريعة، أو العمل بالطريقة، حسب مقتضى الحال.. فإن العمل بالشريعة، أو الطريقة، يثمر حالا.. إلا إذا كان عملا باطلا.. والأدب في الحقيقة هو أدب العبودية، وهو يكون نتيجة للعمل بالأدب في الشريعة، وفي الطريقة، وهو قد تحدثنا عنه في بداية الكتاب، بما يغني عن الحديث عنه هنا..
أدب المعامـلة
إن الله لا يعبد في فراغ، ولا يحب في فراغ، وإنما هو يعبد ويحب في خلقه.. ولذلك فإن قيمة العبادة - قيمة الصلاة - هي أن تنقل من سجادة الصلاة، إلى معاملة الناس.. فإن الله تعالى غني عن عبادة العباد، وإنما إخواننا في المجتمع هم الذين يحتاجون عبادتنا.. فالمعاملة هي خلاصة الدين، وهي الميدان الذي تمتحن فيه العبادة.. فإذا كانت العبادة مثمرة، فإن ثمرتها تظهر في حسن المعاملة، فإذا كانت غير مثمرة فإن ذلك يظهر في سوء المعاملة.. والمعصوم قد قال: (الدين المعاملة)، وهو بذلك قد جعل الدين كله في المعاملة، والعبادة مشمولة، إذ أن المعاملة تقع على مستويين، معاملة للرب في العبادة، ومعاملة للخلق في المعايشة.. وفي حديث آخر يقول المعصوم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. وأدب المعاملة، كأدب العبادة جماعه الحضور، ففي المعاملة، نحن نعامل الله في خلقه، فعلينا أن نكون حاضرين معه، مراعين لجانبه.. وقد جاء في الحديث القدسي: (الخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله، أنفعهم لعياله).. والمعاملة هي الصلاة الوسطى المشار إليها بقوله تعالى: (حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين).. فالصلاة الوسطى، إنما هي الصلاة بين الصلاتين.. فللصلاة حضرتان، حضرة الإحرام، وهي تبدأ بقولك: (الله أكبر)، للدخول في الصلاة، وتنتهي بقولك: (السلام عليكم) للخروج منها، وهذه حضرة عبادة.. وحضرة السلام وهي تبدأ بقولك: (السلام عليكم) للخروج من حضرة الإحرام، وإلى قولك: (الله أكبر) للدخول في الصلاة التالية، وهذه حضرة معاملة.. والقاعدة في المعاملة هي أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، وفي ذلك يقول المعصوم: (لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).. وخلاصة المعاملة السلام، ولذلك سمينا حضرة المعاملة حضرة السلام..
والمعاملة كالعبادة، تقع في ثلاثة مستويات.. فهنالك معاملة في مستوى الشريعة، ومعاملة في مستوى الطريقة، ومعاملة في مستوى الحقيقة.. وأدنى أدب المعاملة في الشريعة، كف الأذى عن الناس (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).. والأذى المعنى هنا هو في مستوى القول، والفعل.. أما كف الأذى في مستوى الخاطر، فهو يقع في أدب المعاملة في الطريقة.. ففي مستوى الشريعة أذى الخواطر مسموح به، وفي ذلك بقول المعصوم: (غفر لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم يقولوا، أو يفعلوا).. ففي الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه.. وان يظن به ظن السوء).. فدمه، وماله، وعرضه، تقع في مستوى أدب المعاملة في الشريعة.. أما (أن يظن به ظن السوء) فهي تقع في مستوى أدب المعاملة في الطريقة.. ففي مستوى الطريقة، المحاسبة تكون على الخواطر (وإن تبدو ما في أنفسكم، أو تخفوه يحاسبكم به الله).. والمرحلة التي تلي كف الأذى، في المعاملة، هي مرحلة تحمل الأذى.. وهي أدخل في أدب الطريقة، وإليها الإشارة بقوله تعالى: (وجزاء سيئة، سيئة مثلها، فمن عفا، وأصلح، فأجره على الله).. فـ(جزاء سيئة سيئة مثلها) هذه منطقة شريعة.. أما (فمن عفا) فهي تشير إلى تحمل الأذى، وهي منطقة طريقة.. أما مستوى أدب الحقيقة في المعاملة، فتشير إليه عبارة (وأصلح) من الآية السابقة.. فأدب المعاملة في الحقيقة، يقوم على توصيل الخير للناس.. هذه هي المرحلة المطلوبة في الأساس، وما المرحلتان السابقتان إلا مقدمة، ووسيلة إليها، إذ بهما يتم تدريج النفس، وتتم سياستها، حتى تصل إلى مرحلة الإصلاح، وتوصيل الخير للناس..
وأساليب السلوك، وحيله، المعينة على تحقيق أدب المعاملة عديدة.. وكلها وسائل للرياضة على الأدب، تبدأ بدايات بسيطة، ثم تنمو بالمران، وبالاستعانة بالعبادة.. ومن هذه الأساليب مثلا، ترك الفضول، ترك فضول المنام، وفضول الطعام، وفضول الكلام.. فالسالك يحاول دائما أن يكتفي بالضروري من هذه الثلاث.. ومن الوسائل المعينة على الأدب تقليل الحاجة بالزهد.. والكرم.. والتواضع.. ومن أكبر الوسائل المعينة على الأدب، أن يكون السالك دائم النظر، والانشغال بعيوب نفسه، وعيوب عمله.. فهو لا ينصرف عن عيوبه إلى عيوب الآخرين، وفي ذلك يقول المعصوم: (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله).. ومن أساليب الأدب، تأديب الجوارح المختلفة، بمراقبتها، وتقييدها، حتى لا تقع في المحظور.. وما يفلت من المراقبة، يجبر بالمحاسبة، في حينه، أو عند الوضوء، أو عند النوم، أو في أىّ وقت آخر.. ومن وسائل أدب المعاملة أيضا، أن يؤخر السالك نفسه دائما، وأن يؤخر اعتبارات نفسه، ويقدم الآخرين ويراعي اعتباراتهم، فهو يعامل كل فرد كغاية في ذاته، ولا يجعله وسيلة لغيره..
أدب الصحبة
إن من أكبر الوسائل المعينة على تحقيق الأدب صحبة الأخيار، والمؤدبين، من العارفين، والسالكين، وحفظ شروط الأدب معهم.. فالدين إنما يؤخذ أساسا من الأحياء، العارفين المأذونين، وبحسن التأدب معهم، ولذلك كان الصوفية يشترطون في الطريق المكاففة، والأدب.. وذلك لأن التربية إنما تقوم على التجسيد، وعلى المعايشة، وعلى القدوة.. ولهذه الاعتبارات ورد عن ابن عطاء الله، قوله، في حكمه: (إنما أفلح من أفلح بصحبة من أفلح).. فالفلاح عنده يكون بصحبة الأخيار، المفلحين.. وشرط الصحبة الأساسي هو الأدب.. فالصحبة بلا أدب لا قيمة لها، ولا نفع لها.. بل يتأتى من سوء الأدب في الصحبة، الضرر البليغ..
والأدب مع العارف جماعه الحضور، والتسليم، والطاعة بفكر.. وشروط الأدب هذه ينبغي أن تراعى في الحضرة الحسية، وفي الغيبة، إذ لا غيبة، في الحقيقة، إلا في وهم الغافل.. فمن سوء الأدب، أن يعمل السالك، من وراء ظهر العارف، المرشد، ما لا يعمله في حضرته.. وليس الحضور مع العارف، المرشد، حضور أجساد، فحسب، وإنما هو أيضا حضور عقول، وقلوب.. وقد قيل إنه مع العالم، عليك أن تمسك لسانك، ومع العارف عليك أن تمسك خواطرك، فإنها مسموعة.. والحضور، وهو أن تكون حيث يريدك مرشدك أن تكون.. أن تكون في الواجب المباشر.. فحيثما كنت، وأنت في واجبك المباشر، فأنت معه - والعكس صحيح.. فإن أنت كنت معه حسا، ولكنك غافل، أو في غير واجبك المباشر، أو غير مراع لشروط الأدب، فأنت لست معه.. فالمعية ليست معية أجساد، وإنما هي معية عقول، وقلوب.. ومن أكبر ما يقود إلى الغفلة، وعدم الأدب مع العارف، حجاب البشرية، فإن العادية وصور المباسطة، والمعاملة، التي يقتضيها أدبه هو مع ربه، قد تقود إلى الغفلة، عند السالك، عن الخصوصية فتقود من ثم إلى التحلل من شروط الأدب، وإلى قلة الاعتبار في مراعاة خصوصية من يعامل.. بل إن السالك، الغافل، قد تجعله معاملة العارف، يشعر لنفسه بقيمة، فينحجب عن واقعه الحقيقي، فيتوقف أو يبطؤ، نموه الروحي.. وجملة صور أدب الصحبة مع العارف، هي الصور التي وضعها القرآن لأدب الأصحاب مع النبي.. فلكل تلك الصور من خفض للصوت، وعدم الجهر بالقول، وعدم المناداة من وراء الحجرات، ومراعاة أدب الزيارة.. الخ، جميع هذه الصور يجب مراعاتها، في حق العارف، المرشد.. ونموذج أدب الصحبة، هو ما جسده أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أدبه مع النبي.. فهو لم يكن له وجود مع النبي وإنما كان معه كالظل.. وبصورة خاصة يمكن ملاحظة أدبه مع النبي، في صحبته له في الهجرة.. فقد كان أبو بكر، شديد الحضور مع النبي، شديد الحرص على تفدية النبي بنفسه، فكان دائما يضع نفسه في الموضع الذي يتوقع منه الخطر، وقد قال عنه النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (أأمنكم عليّ في الصحبة أبو بكـر)..
أما أدب السالكين فيما بينهم، فهو يقتضي حفظ الصغار، مكانة الكبار.. ورعاية الكبار، للصغار، والاهتمام بهم، وبأمر تسليكهم.. فالأدب بين السالكين يقوم عل استشعار السالك لمكانة إخوانه.. وحرصه الشديد على محبتهم، وتفديتهم، والقيام بأمر خدمتهم، وتنمية الخير فيهم، ولين الجانب لهم، والنصيحة المخلصة لهم.. وعلى السالك دائما أن يؤخر نفسه ويقدم غيره، ما لم يكن في ذلك إضرار بتربية بعض إخوانه.. والقاعدة الذهبية التي تحكم العلاقة بين صغار السالكين، وكبارهم، هي: الطاعة بفكر، أو المعصية بفكر.. وهي قاعدة يحتاج تطبيقها إلى الكثير من الوعي، والكثير من المسئولية.. والمقصود منها أن تكون العلاقة بين السالكين قائمة على الفكر، وعلى تحمل المسئولية، عند الطاعة، وعند المعصية.. وبذلك يتم التأدب، وتحفظ للسالك ذاتيته.. وهذه القاعدة تجعل الطاعة للآخرين، وهي في الحقيقة، عمل وفق قناعة الفرد المطيع.. وبهذه القاعدة تصبح طاعة التوجيه، ليست لمجرد الطاعة، ولا معصيته، لمجرد المعصية، وإنما كلاهما، عمل في التزام الحق.. وبهذه الصورة، وعندما تكون المعصية للتوجيه بفكـر، وبخلوص نية، فإنها لا تكون معصية، وإنما هي طاعة.. هي معصية للفرد، وطاعة للحق.. أو قل هي معصية للفرد، وتوخ لطاعة الحق.. وفي مثل هذه الحالة لا يضار الفرد المحق، وانما يضار الفرد المبطل، وما لهذا حرمة، ولا له طاعة.. وإذا حدث الخطأ يمكن تصحيحه والاستفادة من التجربة في الممارسة.. فالمقصود في السلوك أصلا الطاعة، لا المعصية، لكن على أن تكون طاعة للحق.. فإذا كان صاحب التوجيه، مسددا، عارفا، واسع المعرفة، وحكيما، وشديد الحرص على خير الآخرين، شديد المقدرة على توصيل الخير إليهم، فليس في حقه إلا الطاعة.. فهذه الصفات التي ذكرناها هي التي جعلت النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهي التي تجعل كل عارف، مرشد، أولى بالسالكين من أنفسهم..
إن أدب الصحبة، هو الميدان العملي، لتحقيق جميع صور الأدب، وتحقيق جميع قيم الدين.. فلا دين بلا ترشيد ولا رشد مع غياب الأدب.. ولا شيء أنفع لسلوك السالك من المعيشة في مجتمع السالكين، معيشة تقوم على مراعاة الأدب المطلوب..
والحيل، والوسائل، المعينة على الأدب، عديدة، ولا تحصى وإنما قصدنا بما قدمناه، أن نعطي صورة لبعض الوسائل الأساسية.. ولكن بالعمل والممارسة، يتفتق ذهن السالك كل يوم جديد، عن الجديد في الحيل والأساليب المعينة على الأدب في السلوك..
وكذلك مجالات الأدب في السلوك، فهي عديدة لا تحصى.. فلكل شيء أدبه.. فهناك مثلا أدب الكلام، وأدب المنام، والطعام، والشراب، والجلوس.. الخ.. وللتحلي بالأدب في جميع هذه المجالات، علينا أن نرجع إلى شمائل النبي الكريم، فنرى كيف كان يتعامل في جميع مجالات الحياة فنأخذ عنه الأدب، ونتبعه فيه، بوعـى، وبإحسان، وبفكـر حاضر- في إيجـاز، بأدب!!