إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

تعَلّموا كيف تتعاملون
الكتاب الأول

خاتمة:


لقد ذهبنا في كتابنا هذا عن (تعلّموا كيف تتعاملون) إلى تبيين واقع المعاملة الحاضرة التي يعيشها عالمنا المعاصر، في جميع بقاعه، بما فيه بلادنا الإسلامية وسوداننا.. وقدّمنا النماذج لسوء المعاملة، وفساد الأخلاق، لنخلص إلى أن أزمة الإنسانية المعاصرة، وفي جميع بقاع الأرض، إنما هي أزمة أخلاق.. وكل الأزمات الأخرى، ما هي إلاّ انعكاس لهذه الأزمة، وتعبير عنها.. وفي الوقت الذي نعيش فيه في أزمة أخلاق طاحنة فإن بيئتنا تطالبنا بمستوى جديد، ورفيع، من الأخلاق، ومن حسن المعاملة.. وذلك لأن التقدم التكنولوجي في وسائل المواصلات، وسبل الاتصال، قد وحّد كوكبنا الأرض، وقرّب المسافات فيه، بالصورة التي أصبح الناس معها، في جميع بقاع الأرض، يعيشون وكأنهم جيران، الأمر الذي يقتضي أن تقوم علائقهم على حسن الجوار، فتنبني على التعاون، والتسامح، والمحبة والسلام.. كما أن التطور الرهيب في صناعة السلاح، جعل الحرب الحديثة، إذا نشبت ـ لا قدّر الله ـ تعني الفناء.. ولذلك أصبح السلام، ولأول مرة، ضرورة حياة أو موت.. وبذلك يتضح أن هنالك تناقضاً حاداً، بين بيئتنا هذه الجديدة، وما تقتضيه من مستوى رفيع من حسن المعاملة، والسلام، وبين واقعنا هذا الذي لا شيء فيه أوضح من سوء المعاملة، في كل المستويات، ومن الصراع والاحتراب..
وهذا التناقض بين واقع الناس، وبين مقتضيات البيئة الجديدة، هو أكبر إعلان عن إفلاس الحضارة الغربية، المادية، التي تسود العالم اليوم، وهو إفلاس يعلن عن فشل هذه الحضارة، وبصورة نهائية، عن توجيه مسيرة الحياة على الأرض، فهي لن تفرز، بعد اليوم، إلاّ المزيد من الأزمات، والمزيد من التناقضات.. وهذا الوضع يقتضي قيام مدنية جديدة، تعالج أزمة الأخلاق القائمة اليوم، وتستوعب طاقات الحياة المعاصرة، وتحل مشكلاتها.. وقد وضّحنا في متن الكتاب أن هذه المدنية لا يتوفّر عليها إلاّ الإسلام في مستوى أصوله.. فهو يعطي التصور الصحيح لطبيعة بيئتنا الطبيعية، والاجتماعية، مما يعين على التواؤم معها.. والإسلام يعرّف بطبيعة النفس البشرية، ويوجد الدافع الداخلي، لحسن المعاملة، وخدمة الآخرين.. وذلك لأنه يجعل مصلحة الفرد، وسعادته، تتحقق عن طريق التخلّص من أنانيته السفلى، والعمل على خدمة الآخرين، وإسعادهم، ثم هو يعيطيه المنهاج العملي لتحقيق كل أولئك.. وهذا ما يحل التناقض البادي بين الفرد والجماعة، وهو الأمر الذي فشلت في تحقيقه جميع الفلسفات والأديان، مما يجعل الإسلام يتفرّد بالمقدرة على حل مشكلات الإنسانية المعاصرة، بالصورة التي تجعله هو المرشح الوحيد لتقديم المدنية الجديدة المطلوبة، مدنية تحقق السلام في كل نفس، وفي الأرض قاطبة..
ونحن في هذا الكتاب قد تحدثنا أيضاً عن آفات المعاملة، وعن الأسباب التي تؤدي إلى سوء المعاملة، ورددناها إلى مصدرها الأساسي داخل النفس البشرية.. فقد بيّنا أن الجهل والخوف، هما السببان الأساسيان لسوء المعاملة.. كما وضحّنا منهج الإسلام في تخليص الأفراد من الخوف، ومن الجهل، وبالتالي من انحرافات الأخلاق، وسوء المعاملة.. وقد ركّزنا على توضيح العلاقة بين العبادة والمعاملة في الإسلام.. وبيّنا كيف أن المعاملة في الحقيقة عبادة، بل هي ثمرة العبادة وخلاصتها، فكل عبادة لا تنعكس في حسن المعاملة هي عبادة لا قيمة لها، وعلى صاحبها أن يسعى إلى تصحيحها.. فالعبادة المجودة تعين على المعاملة، والمعاملة المجودة تعين على العبادة..
ولقد كان همّنا التوفيق بين أن يعالج كتابنا القضايا الأصولية في المعاملة ثم، في نفس الوقت، يكون كتاباً شعبياً، يعين كل فرد، مهما كان حظه من التعليم، على أن يتعلّم كيف يتعامل مع الآخرين.. ولذلك أوردنا نماذج من الانحرافات، ومن صور سوء المعاملة المتفشية في مجتمعنا السوداني، لنفتح ذهن القارئ عليها..
ثم قدمنا منهاج السنة، في تقليد النبي الكريم، في أسلوب عبادته وأسلوب عادته، كمنهاج علمي، وعملي، يفضي إلى تجويد المعاملة.. وهو منهاج يقوم على الفكر، والعمل.. ثم هو منهاج بسيط، وفي متناول كل الناس.. النبي الكريم، هو نموذج الإنسان الكامل، الذي عرف كيف يتعامل مع الله، ومع الأحياء، والأشياء.. وعن طريق تقليده، وصب أنفسنا في قالبه، نحقق نحن كمالاتنا، ونتعلّم كيف نجود المعاملة.. وهو تعلّم مستمر، لا يقف التجويد فيه عند حد، فإن الله قد كتب الإحسان على كل شيء.. ونحن قد أوردنا بعض النماذج، لحسن المعاملة في المستويات المختلفة، من الأحاديث ومن الشمائل النبوية، وهي نماذج على سبيل المثال، وللاستزادة يمكن الرجوع إلى كتب الأحاديث، وكتب الشمائل.. ولمعرفة تفاصيل منهاج السنة في تجويد العبادة، والمعاملة يمكن الرجوع إلى كتابينا (طريق محمد) و(تعلّموا كيف تصلون)..
ولقد حاولنا في متن الكتاب أن نبيّن، بإيجاز، مستويات المعاملة الثلاث في الكف عن الأذى، وتحمّل الأذى، وتوصيل الخير للناس.. كما حاولنا أن نعطى القارئ، بعض القواعد الذهبية، لتجويد المعاملة مثل، الاهتمام الدائم بأمر الآخرين.. ومعاملة كل فرد كغاية في ذاته.. وتأخير النفس وتقديم الآخرين، وتحييد الفكر، والانشغال بعيوب النفس، بدل الانشغال بعيوب الآخرين، فقد جاء في قول النبي الكريم: (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله)، إلى آخر هذه القواعد السلوكية، التي أوردنا بعضها في متن الكتاب، لتعين على تجويد المعاملة..
نحن نرى أن هذا الكتاب موجز أشد الإيجاز، وهو لا يستطيع أن يوفي جوانب المعاملة المختلفة حقها.. ولكي تصبح الصورة متكاملة لا بد لنا من إخراج بعض الكُتيبات من سلسلة (تعلّموا كيف)، تتناول قضايا محددة، من قضايا المعاملة المختلفة.. الأمر الذي يعين على إشاعة التوعية، والتربية، الشعبية..
فنرجو الله أن يتقبّل منّا، وأن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه، وأن يعيننا على إخراج هذه الكتيبات التي وعدنا بها، والله المستعان..