إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

تعَلّموا كيف تتعاملون
الكتاب الأول

المرحلة الثالثة من مراحل المعاملة
توصيل الخير


إن المعاملة الإسلامية المطلوبة، هي أساسا خدمة الناس، وتوصيل الخير إليهم، في إخلاص وتفانٍ.. وهذا هو السبيل لتحقيق السعادة، فإن البحث عن السعادة بصورة مباشرة، لا يوصل إلاّ للتعاسة والشقاء، فالسبيل إلى إسعاد أنفسنا إنما هو يقع في اتجاه إسعاد الآخرين.. وقد سبق أن ذكرنا أن التربية في الإسلام إنما تبدأ بالأسلوب العكسي، بأن يترك السالك عيوب العمل، ثم عيوب القول، ثم عيوب الخواطر.. فإن هو استقام له أمره على خير ما يحب، وسلم صدره من الوساوس، وتنقت سريرته، يبدأ الأسلوب الطردي، فيكون أغلب نظر الإنسان بعد ذلك إلى داخله، بعد أن كان مشغولاً بالخارج، وعند ذلك توشك المطابقة أن تتم بين السيرة والسريرة، فنقاء السريرة ينعكس في استقامة السيرة، وكلّما تنقت السريرة، كلّما استقامت السيرة.. والأسلوب الطردي في توصيل الخير للناس يبدأ بالفكر، بأن يظن الإنسان بالآخرين خيراً، فإن حسن الظن بالناس، من حسن الظن بالله.. ثم ينوي توصيل الخير إليهم، وينشغل بالتفكير في أساليب توصيل الخير.. ثم هو بعد ذلك ينتقل إلى القول، فلا يقول إلاّ خيرا، والوصية النبوية في ذلك تقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً، أو ليصمت..).. ويقول تعالي: (وقولوا للناس حسناً).. ثم هو بعد ذلك ينتقل إلى مرحلة الفعل، فلا يفعل إلاّ خيراً، ف(الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله).. و(أحب الأعمال إلى الله إغاثة الملهوف).. (وإصلاح ذات البين).. و(يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).. و(لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس)..
وتقديم الخير يبدأ بالأهل، والعشيرة: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، ثم الأولى فالأولى، إلى أن يعم الناس جميعاً ف(الخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله) ثم بعد ذلك توصيل الخير للأحياء والأشياء..
وعن طريق الأسلوب العكسي، والأسلوب الطردي في التربية، يرقى الإنسان مراقي السلوك، وغايته أن يتخلّق بأخلاق الله، كما هي وصية المعصوم: (تخلّقوا بأخلاق الله أن ربي على سراط مستقيم).. وكما جاء في القرآن: (كونوا ربّانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون).. وسبيل الإنسان إلى ذلك، تجويد العبودية، وعندها يصير الإنسان خيراً محضاً.. والمقامات التي يرقى فيها السالك، في تحقيق إنسانيته، وتجويد معاملته للآخرين تبدأ من المؤمن العادي، ثم الورع، ثم صاحب اليمين، ثم البر، ثم المقرّب.. وعند مرتبة المقربين يتحقق قدر كبير من تجويد المعاملة ومن تحقيق إنسانية الإنسان.. فعن المقربين، جاء بكتابنا (تعلّموا كيف تصلّون) ما نصه: (والمقرّبون هم الذين يكونون عند ربهم، غالب أحوالهم، وهم علماء، وقد وسّع العلم عليهم ما ضيّق الجهل على سواهم.. فأصبحوا، بفضل الله، ثم بفضل سعة علمهم، رحماء، طيبين، متسامحين، محبين للأشياء والأحياء، في سلام مع ربهم، ومع أنفسهم، ومع الناس.. يدعون إلى الرضا بالله، والمصالحة مع الناس، وينشرون الحب، كما تنشر الشمس النور، والحرارة، والدفء.. هؤلاء هم ملح الأرض عرفوا أو لم يعرفوا.. وتقوى هؤلاء هي عمل أو ترك للعمل ابتغاء وجه الله.. وزمنهم فكر متصل.. فجميع أوقاتهم معمورة بالفكر، والعمل.. وفكرهم ليس تعمّلا، وإنما أصبح طبيعة، تنبع فيهم المعاني، والمعارف، كما ينبع الماء النمير من العين الثرّة، وقد تطهّرت من أوساخها، وأوضارها.. وعبادة المقرّبين الاستقامة، والاستقامة أن تكون على السراط المستقيم، في الفكر، والقول، والعمل فلا تميل يسرة ولا يمنة).. هذا مستوى رفيع من تحقيق الإنسانية، ومن تجويد المعاملة، يحققه منهاج الإسلام للأفراد.. وليس لتجويد المعاملة حد يقف عنده، وإنما هو التسامي المستمر، لأنه حركة من المحدود إلى المطلق، فكما ذكرنا فإن الغاية هي التخلّق بأخلاق الله، وهي في الإطلاق، وليس للإطلاق نهاية فتبلغ، وكذلك ليس لتجويد المعاملة حد فينتهي عنده..