إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

أبعدوا رئيس القضاء

الحل العاجل:


وبسبيل الأخذ بالخطوات العملية في حل أزمة القضاء نقرّر بعض المبادئ العامة التي يعتمد عليها نجاح أي عمل في المستقبل: -
أولا: إن نوعية القضاة أهم بكثير من عدديتهم، وذلك الاعتبار هو جوهر العمل القضائي الناجح، كمّا، وكيفا، أي من حيث كمية الإنجاز، ونوعيته الفنية.. ونحن نتصور أنه لو توفر ثلث العدد الراهن من القضاة من نوعية جيدة، وجادة، لأنجزت أكثر من إنجاز الهيئة القضائية الراهنة، وبدرجة فنية أرفع..
ثانيا: إن قيادة العمل القضائي، والقدوة الحسنة المتمثلة في شخص رئيس القضاء، وأعضاء المحكمة العليا لهي شرط النجاح لأي سياسة قضائية جديدة، وذلك لأن هذه القيادة هي التي تشرف على الاختيار، والتدريب، والإدارة وتضرب النموذج بعملها هي.. فاذا كان قضاة المحاكم العليا هذه لا يحضرون لمكاتبهم إلا بعد العاشرة، ويخرجون منها قبل الواحدة، وإذا كانت ملفات الاستئنافات تبقى على مكاتب السادة قضاة محاكم الاستئناف، والمحكمة العليا، الشهور الطويلة، فماذا ننتظر من المحاكم الأدنى درجة، ومن القضاة الجدد؟!
ثالثا: إن شروط الخدمة، بجوانبها المختلفة، وليس في الناحية المالية فقط، من أهم مقومات نجاح العمل لإعادة بناء الهيئة القضائية. ففي ظروف البلاد الاقتصادية الراهنة، ومن آثار التضخم المالي المحلي، والعالمي، لن تجدي زيادة المرتبات كثيرا.. ولكن بتقديم بعض الخدمات البسيطة كالسكن، والترحيل، يتحسن موقف القاضي بدرجة كبيرة وتحفظ كرامته، ووقاره، وترتفع همته في العمل..
رابعا: إن استقلال القضاء من المبادئ الدستورية الضرورية في الحكم الحديث المستقر، كما هو الحال عندنا اليوم في السودان. فقد كان من المفهوم، والمبرّر تماما، أن تحرص الثورة، في الماضي، وهي محاطة بالأعداء المتربصين بها، أن تحرص على تقريب اصحاب الولاء، وان كانوا على ضعف في الكفاءة، حتى تطمئن على عدم تسلّل أعدائها إلى الأجهزة الحساسة، واستغلالها لتقويض النظام.. أما الآن، وقد استقر الأمر لثورة مايو، وآن أوان تسليم السلطة للشعب من خلال الحكم الإقليمي، فلا بد من استيفاء مقومات الحكم الديمقراطي بتأسيس استقلال القضاء، ابتداء من شخصية رئيس القضاء، وأهليته للمنصب، ثم النزول إلى الجوانب الإدارية، والمالية، والفنية، المتعلّقة بذلك.
فبإزالة ما يقدح في أسس استقلال القضاء تحرم المعارضة اليوم من سلاح جاهز كثيرا ما ترفعه في مواجهة نظام مايو، والدعاية ضده، في الوقت الذي لا يمارس فيه الجهاز التنفيذي أي خرق فعلي لاستقلال القضاء، ولا يستغل، أو يحاول، الانتفاع من الصور المريبة في علاقة السلطة التنفيذية بالهيئة القضائية.
وعلى ضوء هذه النقاط نقترح الخطوات العملية التالية:-
1) ابعاد السيد خلف الله الرشيد من رئاسة القضاء، حتى لا يكون له أدنى أثر في العمل المقبل، في إعادة صياغة الهيئة القضائية..
2) اختيار رئيس جديد للقضاء ممن يتحلّون بقوة الشخصية، والعلم بالقانون، والتقدير العميق لروحه، ومراميه البعيدة..
3) إطلاق يد السيد رئيس القضاء الجديد في اختيار معاونيه واعادة بناء الهيئة القضائية مع ازالة كل شوائب، أو شبهات، التدّخل من أي جهة أخرى..
4) مراجعة شروط خدمة القضاة، ووضعهم الإداري، والمالي، واستكمال جوانب الحيدة، والوقار في العمل القضائي، حتى نستقطب بذلك أفضل العناصر، ولو في أعداد أقل بكثير من الأعداد السابقة..
5) التركيز على النوعية، والتمحيص الشديد عند الاختيار، والإصرار على ذوي الخبرة، والتجربة الشخصية الناضجة بقدر الإمكان.
6) طرح الوظائف القضائية لجميع الراغبين فيها، سواء أكانوا من القضاة المستقيلين اليوم، أو خلافهم، لأن ذلك انما يكون للعمل في هيئة قضائية جديدة، ولوظائف جديدة، وبشروط جديدة..