بسم الله الرحمن الرحيم
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، شُهَدَاءَ لِلَّهِ، وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا، أَوْ فَقِيرًا، فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا.. فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا.. وَإِنْ تَلْوُوا، أَوْ تُعْرِضُوا، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خبيرا)
صدق الله العظيم..
المقدمة:
تناقلت وسائل الإعلام المختلفة خبر توصية مجلس القضاء العالي في اجتماعه الطارئ يوم الأربعاء 18/2/1981 للسيد رئيس الجمهورية بقبول الاستقالات المقدمة من بعض أعضاء الهيئة القضائية، وقد تم ذلك فعلا كما أعلن في قرار جمهوري بعد ظهر نفس اليوم. وبذلك انتهت خدمة قرابة الثلاثمائة قاضي من المحاكم المدنية، والجنائية، والشرعية ذات الاختصاص الأولى، أي التي تتولى المحاكمات في المرحلة الأولية، وقبل مرحلة الاستئناف. فكيف كان ذلك، ولماذا الاستقالة الجماعية بهذه الصورة؟
مما لا شك فيه أن هناك أسبابا كثيرة لقصور العمل في الهيئة القضائية، وقد ناقش السادة القضاة ذلك من قبل، في مؤتمر القضاة في سنة 1974 مثلا، وجاءت الإشارة اليه في اجتماع قضاة محاكم الاستئناف عام 1980.. غير أن السبب المباشر للتطورات الأخيرة، كما ورد في مذكرة القضاة الى السيد رئيس الجمهورية، وكما ورد أيضا في تسبيب الاستقالات المقدّمة، هو اعتراض السادة القضاة على وضعهم في نظام تقويم وترتيب الوظائف: (أنظر التحقيق المنشور في جريدة الأيام بتاريخ 12/2/1981).. ووجه الاعتراض أن المشروع المجاز بواسطة مجلس القضاء العالي في جلسته بتاريخ 8/1/1981، حقق زيادات بسيطة للدرجات المختلفة من القضاء جاءت دون توقعاتهم ولا تفي، في تقديرهم، باحتياجاتهم المالية بحكم مناصبهم القضائية الدقيقة. فكان أن اجتمع السادة القضاة من مستوى قاضي المديرية فما دون – اجتمعوا بعد اجتماع مجلس القضاء العالي المشار إليه، وأعلنوا رفضهم للمشروع المقدّم من السيد وزير الخدمة العامة والإصلاح الإداري، والذي قبله المجلس، وكتبوا مذكرتهم للسيد رئيس الجمهورية واتفقوا في نفس الاجتماع على تسليم استقالاتهم إلى أعضاء لجنتهم لتقدم إلى السيد رئيس الجمهورية في حالة رفض مذكرتهم..
وعندما ظهر للسادة القضاة أن تلك المذكرة لم تنجح في تغيير قرار مجلس القضاء العالي، اجتمعوا في يوم الثلاثاء 17/2/1981 بمباني مديرية الخرطوم وساروا في موكب صامت الى رئاسة الهيئة القضائية حيث دخلت اللجنة على السيد رئيس القضاء، وسلمته الاستقالات عن جميع القضاة المستقيلين.. وكان السادة القضاة قد اقسموا في اجتماعهم بمباني المديرية على ألاّ يتخذ أي واحد منهم موقفا فرديا في ذلك الأمر.. وبعد تسليم الاستقالات سار الموكب الصامت إلى دار نقابة المحامين حيث بدأت مرابطتهم في انتظار رد الفعل..
ومنذ يوم الثلاثاء 17/2/1981 توقف السادة القضاة المستقيلون عن العمل، وقبل أن يصلهم أي رد على الاستقالات من السيد رئيس الجمهورية!!
هذا بإيجاز تسلسل الأحداث في أزمة القضاء الراهنة، حيث انتهى الأمر بقبول الاستقالات المقدمة حسب توصية مجلس القضاء العالي في اجتماعه الطارئ نهار الأربعاء 18/2/1981 منهيا بذلك خدمة قرابة الثلاثمائة قاضي من القضاة المدنيين، والشرعيين، حملة الشهادات الجامعية، أو ما يعادلها، والقائمين على المحاكم ذات الاختصاص الأولي، في أغلب أنحاء البلاد، حتى أنه لم يبق سوى المحاكم الشعبية، ومجالس القضاة، بجانب القضاة المخوّلة لهم السلطات القضائية من غير حملة الشهادات الجامعية المتخصصة، مع قضاة محاكم الاستئناف والمحكمة العليا.. ولتقدير حجم هذا التصرّف ووضعه في إطاره المعقول نقدم العرض السريع التالي للنظام القضائي في السودان.