خاتمة:
لقد سقنا في هذا الكتاب صوراً شتّى، ونماذج مستفيضة للهوس الديني .. ومع ذلك فإنّا لو أردنا أن نتوسّع في هذا الباب لاحتجنا إلى مجلّدات، وإلى وقت عريض، ولذلك فقد اجتزأنا بما أوردناه، وهو كاف ليعطي الصورة الصارخة التي تهز، وتحرك كل مسئول، وكل مثقّف، بل كل مواطن في بلادنا، ليأخذ حذره، ويضطلع بواجبه في كشف الاتّجاهات الدينية المهووسة التي تستغل الدين، وتضلّل الشباب، وتنحرف بهم عن الطريق السوي..
إنّ آخر ما بلغنا من صور الهوس الديني، التي تترى أخبارها، وتتسع دائرتها، ذلك الحدث الذي وقع في «المغرب» قبل يومين، فقد أذاعت محطات الإذاعة، أنّ أستاذاً سابقاً بجامعة القيروان قد جمع حوله أتباعاً من الطلاب يقدّر عددهم بثلاثمائة، وأعلن بهم الجهاد على الكفّار .. ومن الكفر عنده سفور المرأة في البلاد الإسلامية – وقد اشتبك هؤلاء الطلاب مع البوليس، ونتج عن ذلك مقتل ١٤ من رجال البوليس و١٥ من الطلاب، واعتقل زعيم هذه الحركة رهن التحقيق والمحاكمة – هذا ما جاء في الراديو .. وجاء قريباً منه في الصحف: فقد نشرت جريدة الشرق الأوسط بتاريخ ١٢/٦/١٩٨٠ مايلي:
«الرباط: قالت مصادر رسمية أنّ ثلاثة أشخاص قتلوا في اشتباك بين البوليس ومؤيّدي داعية إسلامي في الحي القديم في مدينة فاس. وبين القتلى واحد من رجال البوليس.
وذكرت المصادر أنّ البوليس توجّه إلى منزل السيّد الحسين زيتوني بعد تلقّي شكاوى من السكّان هناك بأنّه يثير قلاقل في الحي القديم. وهاجم أنصار زيتوني البوليس بالحجارة والمياه الساخنة مما أدّى إلى مقتل رجل بوليس.
وذكر أنّ مجموعة من الرجال كانوا يقومون بحملة ضد ما يعتبرونه انحلالاً خلقياً وكانوا يشتمون النساء السافرات في الشارع ويدينون مشاهدة التلفزيون والذهاب إلى السينما وتناول الطعام بالشوكة والسكّين وإرسال البنات إلى مدارس الدولة» - انتهى –
يتّضح من هذا أنّ الهوس الديني لا حدود له، وهو، حيث وجد، إنّما يرتكز على طاقات الشباب، وعلى الجهل بالإسلام، وعلى ممارسة العنف لفرض جهالته بالقوّة على الناس ..
إنّنا نحذّر من الهوس الديني الذي يستشري الآن، ويتصعّد، في البلاد الإسلامية .. فنحن، في السودان بخاصة، معرّضون إلى فتنة، وفوضى، يمكن أن تقضي على كل مكتسباتنا الوطنية، والإنسانية، بل تقضي على ميراثنا الديني السمح، العريق وتسد الطريق أمام البعث الإسلامي الواعي المرتقب ..
إنّ الأخوان المسلمين، ومن ورائهم الطائفية، إنّما يتحفّزون، ويعدّون العدّة لإثارة قاعدة عريضة من الهوس، والفتنة الدينية، مستهدفين الوحدة الوطنية، ومقوّضين لاستقرارنا، ولأمننا، في سبيل الوصول إلى السلطة .. ويكفي للتدليل على ذلك مباركة قادة هذه القوى المتخلّفة، الصادق المهدي، والترابي وزملائه، ومسارعتهم لتأييد فتنة إيران، وتصويرها على أنّها مثل أعلى يتطلّعون لحدوثه في السودان .. وليس هناك شيء يحول دون حدوث هذه الفتنة في السودان، ما لم نأخذ هذا الأمر مأخذ الجد، ونتعامل معه بالحذر، والحزم، والوعي بكل أبعاده ومنطلقاته .. إنّه ليكفي عبرة، وعظة، ما حدث في مصر بين المسيحيين، وبين المسلمين، بسبب هذا الهوس .. ومصر مكان يصعب للمرء أن ينتظر فيه أن يحرّك الهوس الديني الفتنة، والصراع الدموي، بين مسلميه، ومسيحييه .. ولكن الغفلة عن خطر الأخوان المسلمين، وتجاهل هوسهم، وسوء تقدير المسئولين لإمكانية تضليلهم للشعب، وللشباب، كل أولئك نتج عنه ما وقع في مصر فكاد يعصف بكل مكتسباتها الحضارية، والمدنية .. فإذا حدث هذا في مصر، فكيف بنا نحن الذين يجد التضليل باسم الدين، وتجد فرص الإثارة به، أرضاً خصبة بين ظهرانينا؟
يجب أن نكون واضحين، ومحدّدين في ذلك، فإنّ الوضع الدقيق الذي تنفرد به بلادنا، من تكوينات عرقية متباينة، ومن اختلافات عقائدية متعدّدة، ومن استعداد عميق للانسياق العفوي مع العاطفة الدينية، كل ذلك يجعل موقفنا دقيقاً، وحسّاساً وقابلاً للالتهاب والانفجار بفعل العبث الذي يمارسه الأخوان المسلمون في تجرّد من الورع الديني، وتنصّل من المسئولية القانونية .. يشهد على ذلك ما سقناه عن معرضهم في «أبي جنزير»، وما حواه من عناصر الإثارة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين ..
إنّنا ندق ناقوس الخطر، محذّرين، ومشفقين من مصير أسود قد يجر الهوس الديني بلادنا إليه، على أيدي مهووسين، باسم الدين، وباسم الشعب، هم للشعب، ولدين الله يكيدون: «اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، فصدّوا عن سبيله، إنّهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمّة، أولئك هم المعتدون» .. فلنحذرهم .. وإنّا لمسئولون، ومحاسبون، كل فرد منّا، شعباً وحكومة، محاسبة من فرّط في حق شعبه، وفرّط في جنب الله، إذا قعدنا عن واجبنا في كشف الهوس الديني، أو تقاعسنا عن كف أيدي المهووسين الدينيين ..
والله المستعان على إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً ..